محمد زكريا
لم يكن يخطر ببال مراسل الجزيرة نت في دارفور، محمد زكريا خميس، وهو يخطو خطواته الأولى في عالم الصحافة، أنه سيجلس ذات ليلة في زاوية موحشة من منزله، الذي لم يبق منه إلا الركام في حي “أولاد الريف” أحد أحياء وسط مدينة الفاشر، يشعل النار في بطاقته الصحفية التي طالما كانت قرة عينه، ويحرق بيديه كل ما يؤكد هويته كصحفي.
كان يراقب النيران وهي تلتهم حلم العمر قطعةً قطعة، واللهب يلمع على جدران المنزل الذي شهد أحلى أيامه، وهو يوقن أن هذه البطاقة التي كانت درعه ووسامه صارت اليوم حكما بإعدامه.
خرج زكريا من بين الركام حاملا جراح ابنه على كتفيه وندوب روحه في صدره، تاركا خلفه ذكريات عمره في حي “أولاد الريف” الذي تحوّل إلى ساحة حرب عندما اجتاحت قوات الدعم السريع مدينة الفاشر عاصمة إقليم دارفور غربي السودان في أكتوبر/تشرين الأول الماضي.
ولم يأخذ معه سوى الخوف والحسرة، وأحرق بطاقته التي حلم بها سنوات، لأنه أدرك أن البقاء على قيد الحياة أصبح أغلى من أي حلم.
ويقول زكريا للجزيرة نت بصوت تخنقه الذكريات: “كبرت وأنا أحلم بيوم أحمل فيه بطاقة صحفية.. تخيلت أنها ستكون درعي ووسامي”.
لكن الحرب في دارفور علمتني درسا قاسيا لم أتوقعه: “البطاقة التي تمنحك الحق في رواية القصص قد تكلفك حياتك وحياة من تحب”. ومع دخول الحرب في السودان عامها الرابع، تحول إقليم دارفور إلى ساحة خطر دائمة على الصحفيين. فمنذ أن سيطرت قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر في أكتوبر/تشرين الأول 2025، لم تشهد المدينة انتهاكات جسدية فحسب، بل تحوّل الصحفيون إلى أهداف مطلقة، بين اعتقال وملاحقة، وهو ما عاشه زكريا بنفسه بأقصى صور القسوة.
وسبق أن رصدت الجزيرة نت في تقارير متعددة خريطة الانتهاكات التي تمارسها قوات الدعم السريع ضد الصحفيين في دارفور. ويقول الصحفي محمد سليمان، أحد الفارين من جحيم الفاشر، للجزيرة نت: “نحن نعمل في الظلام. كل ساعة نفقد صوتا. لا أحد يدري من سيكون التالي بعد دقائق لكننا رغم ذلك نعمل وهذه ضريبة الوطن”.
قصف منزلي
يروي زكريا مأساته بصوت يرتجف: بدأ الكابوس في ليلة هادئة لم تحمل أي إنذار.. كنت جالسا في منزلي بحي “أولاد الريف” مع عائلتي، أكتب تقريرا عن معاناة المدنيين تحت وطأة الحصار. وفجأة، اهتزت الأرض بعنف كأن زلزالا قد ضربها. لم أتمالك نفسي إلا وجدار غرفة نوم ابني ينهار علينا كأنه من ورق.
كان ابني ذو التسع سنوات نائما في فراشه الصغير. استفاق على صراخي وصوت القصف المتواصل، وعلى ألم حاد يخترق جسده بالكامل. شظايا متطايرة اخترقت جلده الناعم. لا تزال عالقة فيه حتى اليوم، كذكرى لا تمحى لتلك الليلة الرهيبة. لم أجد طبيبا مختصا لمعالجته. لا تزال الشظايا تغزو جسده الصغير. كلما تأملت جراحه، رأيت الحرب بأم عيني. وأشعر أنها لم تنتهِ بعد، ولن تنتهي.
حرق البطاقة
بعد أن بسطت قوات الدعم السريع سيطرتها الكاملة على المدينة، أدرك زكريا أن أيامه أصبحت معدودة. اسمه كان في قوائمهم، بطاقته الصحفية ستكون دليلا ضده، وستمهد الطريق للعثور عليه.
ووفقا لتقرير صادر عن لجنة حماية الصحفيين الدولية في فبراير/شباط الماضي، قُتل 15 صحفيا على الأقل في السودان منذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023. كما وثقت المنظمة ذاتها اختفاء 13 صحفيا وإعلاميا في الفاشر بعد سيطرة الدعم السريع عليها.
ويقول زكريا، وقد تلاشت الابتسامة من ملامحه: “كنت أعرف أنني قد أكون التالي في القائمة”. في ليلة ممطرة، قرر الفرار مع عائلته. قبل أن يرحل، جلس وحيدا في زاوية منزله المدمر وأخرج بطاقته الصحفية ومستنداته. تأملها للمرة الأخيرة، رأى صورته التي كانت تبتسم ذات يوم، ثم أشعل فيها النار.
ويضيف، وكأنه يعيش المشهد من جديد: “شاهدت النيران تلتهم البطاقة قطعة قطعة. سمعت صوت الاحتراق كأنه صوت قلبي وهو يتمزق. أحرقت كل شيء يثبت أني صحفي”.
وتنقل مع عائلته بين مدينة طويلة ثم إلى مناطق جبال مرة، مختبئا من كمين إلى كمين، ومن نقطة تفتيش إلى أخرى. كل خطوة كانت مغامرة مع الموت.
فدية قسرية
يروي زكريا تفاصيل ما جرى أثناء محاولته عبور إحدى نقاط التفتيش قرب منطقة طويلة، حيث أوقفته قوة من قوات الدعم السريع. وكان المسلحون يفتشون الأشخاص بعبثية، يبحثون عن أي ذريعة للابتزاز أو الاعتقال أو حتى القتل.
يقول زكريا: “لم يكونوا يعرفون أنني صحفي.. لم يعرفوا أنني كنت أحمل بطاقة يوما. لقد أحرقتها بنفسي. لكنهم رأوا رجلا خائفا، وكان ذلك كافيا بالنسبة لهم”. طالبوه بدفع فدية قدرها 10 ملايين جنيه سوداني (نحو 20 ألف دولار أمريكي وفق أسعار السوق السوداء آنذاك). لم يكن هناك مجال للمساومة: إما أن يدفع المال، أو يدفع ثمنا أكبر بكثير.
وقد ذكرت لجنة حماية الصحفيين في تقريرها الصادر في يناير/كانون الثاني الماضي: “صحفيون مختطفون يُحتجزون مقابل فدية، والكثير من هذه الحوادث تم تصويرها ونشرها من قبل الجناة أنفسهم”.
بيع الممتلكات
ولم يكن زكريا يملك هذا المبلغ الضخم.. لم تجد عائلته بدا من بيع كل شيء تملكه. ذهب الذهب الذي ادخرته أمه سنوات من الكد والتعب. بيعت الأرض التي كان والده يحلم أن يبني عليها منزل أحلامه. حتى بعض ملابسهم ذهبت في سبيل تأمين الفدية. في غضون أيام قليلة، تحول حلم العمر إلى نقود ورقية باردة، ثم إلى فدية لرجل أحرق بطاقته الصحفية بيديه. بعد أيام من الاحتجاز في ظروف لا تزال تراوده كوابيسها حتى اليوم، أطلق المسلحون سراحه. يقول زكريا، وقد غادرته كل مشاعر الانتصار: “خرجت إلى الشمس الساطعة، لكنني لم أعد أشعر بدفئها. خرجت بجسد سليم، لكن بروح محترقة مثل بطاقتي الصحفية”.
ولم تصدر قوات الدعم السريع أي تعليق رسمي على حوادث الابتزاز والاحتجاز هذه حتى ساعة نشر هذا التقرير.
زملاء مفقودون
ما حدث لزكريا ليس استثناء في دارفور. إنها القاعدة العسيرة التي صارت تطحن الصحفيين واحدا تلو الآخر.
الزميل معمر إبراهيم، مراسل قناة الجزيرة مباشر، لا يزال رهن الاحتجاز منذ 26 أكتوبر/تشرين الأول 2025. أوقفته قوات الدعم السريع أثناء محاولته مغادرة الفاشر بعد اجتياحهم لها. وقالت سارة قعدة، المديرة الإقليمية للجنة حماية الصحفيين، في بيان صادر في نوفمبر/تشرين الثاني 2025: “فيديو اختطاف معمر إبراهيم، الذي تم تصويره ونشره كدعاية للدعم السريع، يظهر الانهيار المطلق للمساءلة في السودان. يمكن اختطاف الصحفيين وبث معاناتهم للعالم، ومع ذلك لا يتم اتخاذ أي إجراء”.
كما قُتل الزميل تاج السر أحمد سليمان، مدير مكتب وكالة السودان للأنباء (سونا) في الفاشر، بعد أن دخل مسلحون إلى منزله وأعدموه مع شقيقه في ديسمبر/كانون الأول 2025.
وقالت لجنة حماية الصحفيين في بيان لها عقب مقتله: “نحن نشعر بالفزع إزاء التقارير التي تتحدث عن مقتل سليمان. يجب على السلطات السودانية التحقيق بشكل عاجل ومحاسبة المسؤولين”. أما الزميل عصام جراد، مدير إذاعة وتلفزيون الفاشر، فلا يزال مصيره مجهولا منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2025. كذلك يظل كل من مجدي يوسف (مراسل إذاعي) ومحمد حسين شلبي (مصور فيديو وفوتوغراف) في عداد المفقودين.
كل اسم كان صوتا للحقيقة. وكل صوت اختطفته رصاصة، أو قبضة ظالم، أو نار بطاقة محترقة.
انتهاكات ممنهجة
ما يحدث في دارفور ليس انتهاكات فردية عابرة. إنه نمط ممنهج ومنظم.
وقالت لجنة حماية الصحفيين في تقرير شامل صدر في مارس/آذار 2026: “قوات الدعم السريع تقتل الصحفيين، وتحتجزهم، وتمارس ضدهم العنف الجنسي، وتحول مكاتبهم إلى مراكز احتجاز”. وأضافت المنظمة في التقرير نفسه: “ما يميز هذه الحرب عن غيرها هو توثيق الدعم السريع لجرائمها بجرأة نادرة، حيث يقوم المسلحون بتصوير انتهاكاتهم ومشاركتها عبر الإنترنت بإفلات تام من العقاب”.
وفي بيان منفصل، قالت لجنة حماية الصحفيين: “الهجوم على المعلومات لا يقل ضراوة عن الهجوم على الأرواح البشرية. فبقتل الصحفيين، يقتلون الحقيقة نفسها”.
صوت لا يزال
اليوم، يعيش زكريا لاجئا في إحدى الدول مع عائلته، ابنه لا يزال يحمل الشظايا في جسده. وهو يحمل الذكريات في رأسه وندوب النار في روحه. منزله في حي “أولاد الريف” بمدينة الفاشر لم يعد سوى ذكرى مؤلمة. يقول، وقد تغلبت الحروف على الجروح: “لم أعد أملك بطاقة صحفية. لقد أحرقتها بنفسي. لكنني لا أزال أملك قلما. لم أعد أملك هوية تخدمني، لكنني لا أزال أملك صوتا لا يخاف”.
وتختتم سارة قعدة، المديرة الإقليمية للجنة حماية الصحفيين، قائلة في بيانها: “العالم لا يمكنه بعد الآن انتظار التحرك دفاعا عن حق الجمهور في المعرفة وعن سلامة الصحفيين. كل تأخير يعني صوتا آخر يختفي إلى الأبد”.
كم صحفيا يجب أن يحرق بطاقته قبل أن يتحرك العالم؟ وكم طفلا يجب أن يحمل الشظايا في جسده قبل أن ندرك أن ما يحدث في دارفور هو جريمة ضد الإنسانية؟