رأي

حرب السودان… نتيجة مشروعٍ لا لحظة اشتباك (قراءة في مسار الحرب في ذكراها الثالثة)

موطئ قلم

د. أسامة محمد عبدالرحيم

إن السؤال عن من أطلق الرصاصة الأولى في حرب السودان ليس سؤالًا عن لحظة، بل عن مشروع. وقد يُشار إلى 15 أبريل 2023م بوصفه لحظة ظهور الحرب إلى العلن، بينما تعود بدايتها الفعلية إلى اليوم الذي تهيأت فيه شروطها واكتمل مسارها. والتاريخ العسكري والسياسي يعلمنا أن الحروب لا تنفجر فجأة، بل تُصنع صناعة، وتُدبَّر تدبيرًا، وتُمهَّد لها الأرضية حتى إذا حانت اللحظة، خرجت في صورة رصاصة، لكنها في حقيقتها حصاد سنوات من الإعداد والتخطيط والتوتر المتراكم.

وفي الذكرى الثالثة لاندلاع الحرب في السودان، من 15 أبريل 2023م إلى 15 أبريل 2026م، يعود السؤال الذي يبدو بسيطًا في ظاهره، عميقًا في جوهره: من أطلق الرصاصة الأولى؟
وأقول، لقد أطلقها في حقيقة الأمر من وزّع قواته على مهل، ومكث على ذلك قرابة أربع سنوات، لا على نحو عشوائي، بل وفق نمط مدروس، غرس به وجوده المسلح وسط الأحياء السكنية، وتغلغل في نسيج المدن، حتى لم تعد المسافة بين المدني والمقاتل واضحة، ولا بين السكني والعسكري فاصلة. بل امتد هذا التمركز ليشمل مرافق ذات طابع ديني واجتماعي، كمراكز إسلامية كانت تقوم على السكن الداخلي أو تؤدي وظائف قريبة من المعسكرات، في مشهد يكشف عن تخطيط ممنهج لا عن رد فعل طارئ.

وأطلقها من نقل قواته القتالية إلى داخل الأعيان المدنية قبل اندلاع الحرب بنحو عام، تزيد أو تنقص قليلاً، حين تحولت مواقع مثل المدينة الرياضية وأرض المعسكرات إلى نقاط تموضع عسكري، في قلب العاصمة، وفي مرأى ومسمع من الجميع. لم يكن ذلك إجراءً دفاعيًا مؤقتًا، بل كان إعادة توزيع للقوة داخل الفضاء المدني، بما يجعل من أي صدام محتمل حربًا داخل المدن لا على أطرافها.

وأطلقها من حرّك متحركًا قتاليًا إلى مطار مروي، فحاصره، ثم عاد ليعترف لاحقًا بزرع مضادات للطيران بمبانٍ سكنيةٍ على مسافة تقل عن كيلومتر واحد من المطار، في خطوة لا يمكن تفسيرها إلا باعتبارها تعبيرًا عن نية مسبقة، وإعدادًا لسيناريو مواجهة يتجاوز مجرد الاحتكاك أو التوتر العابر. فمثل هذه الإجراءات لا تُتخذ في سياق عادي، ولا تُبرَّر بمنطق الاحتراز، بل تنتمي إلى منطق المبادرة بالفعل.

وأطلقها من عمد، في أولى لحظات اندلاع الحرب، إلى محاصرة القيادة العامة، واستهداف مراكز القيادة والسيطرة، ومحاولة شلّ بنية القرار العسكري بضرب رؤوسه دفعة واحدة، فامتدت العمليات إلى سلاح الإشارة، وسلاح المدرعات، وسلاح المهندسين، وغيرها من الوحدات الحيوية، بالتوازي مع مهاجمة قيادات فرق عسكرية بعدد من الولايات في ذات التوقيت. وهو نمط عملياتي لا يمكن تفسيره برد فعل، بل يعكس تخطيطًا مسبقًا، وتنسيقًا متزامنًا، ونية مبيتة لإحداث صدمة استراتيجية تُربك الدولة في لحظة واحدة.

وأطلقها من نقل مدرعاته وناقلات جنوده من الزرق في دارفور إلى الخرطوم، في وضح النهار، دون مواربة أو تخفٍّ، وكأنما كان يسعى إلى تثبيت أمر واقع، لا إلى تفادي صدام. فحركة بهذا الحجم، وفي هذا التوقيت، لا تكون إلا جزءًا من عملية إعادة تموضع كبرى، تُعدّ لمرحلة لاحقة، لا لمجرد استعراض قوة.

وأطلقها من لم يترك طريقًا لنشر التوتر وزعزعة الأمن إلا سلكه، ولا وسيلة للاستفزاز السياسي والعسكري إلا استخدمها، حتى أصبح التصعيد سلوكًا منهجيًا، لا حدثًا عابرًا، وصارت الاستفزازات المتكررة بمثابة تمهيد نفسي وميداني لانفجار أكبر، كانت ملامحه تتشكل يومًا بعد يوم.
لكن الرصاصة الأولى، في معناها الأعمق، لم تكن عسكرية فقط. إن ما يبدو لحظة انفجار، هو في حقيقته نقطة التقاء لمساراتٍ طويلة ومتعددة من التمهيد والتواطؤ والصراع، وصلت إلى نهايتها في وقتٍ واحد، والحرب، في هذا السياق، نتيجة طبيعية لذلك المسار.

لقد أطلقها أيضًا سياسيون وكيانات، تسابقوا إلى نيل الرضا والحظوة، لا خدمةً للوطن، بل طمعًا في سلطةٍ وثروة، لا يرون طريقًا إليهما عبر التنافس الديمقراطي والتداول السلمي، لأنهم يدركون في قرارة أنفسهم أن الشعب لن يمنحهم ثقته. فاختاروا طريق الالتفاف على الإرادة العامة، ولو كان ثمن ذلك تمزيق النسيج الوطني.

وأطلقها الذين ضلّ سعيهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، حين اختطفوا الثورة من مسارها، وحوّلوها من مشروع وطني جامع إلى منصة صراع على السلطة، لا يملكون لها مؤهلات، ولا تتوفر فيهم شروطها، ففتحوا بذلك أبواب الانقسام، بدل أن يغلقوها.

وأطلقها الذين فتنوا الشارع بفرية الاتفاق الإطاري، فشقّوا الصف بين مؤيد ومعارض، وأدخلوا البلاد في حالة استقطاب حاد، لم تكن مجرد خلاف سياسي، بل تحولت إلى انقسام مجتمعي عميق، مهّد الأرض نفسيًا وسياسيًا للحرب.

وأطلقها من استسهلوا الحديث عن إعادة هيكلة المؤسسات العسكرية والأمنية، لا بوصفها عملية فنية معقدة تتطلب خبرة ومسؤولية، بل كشعار سياسي يُطرح في الساحات وعلى أيدي ناشطين يفتقرون إلى التأهيل والمعرفة، دون إدراك لحساسية هذه المؤسسات، ودورها في تماسك الدولة. فكان ذلك في جوهره استفزازًا مباشرًا لبنية الدولة الصلبة وقواتها النظامية، لا إصلاحًا لها.

وأطلقها الذين جعلوا من معاناة الشعب سلعةً سياسية، يتاجرون بها للوصول إلى السلطة، ويستثمرون الألم العام لتحقيق مكاسب خاصة، دون اعتبار لما يترتب على ذلك من تفكيك للثقة بين الدولة والمجتمع.

وأطلقها، قبل ذلك كله، من ارتهن قراره وفكره للخارج، فصار تابعًا لا صانعًا، ينفذ أجندات لا تنتمي إلى مصلحة الوطن، بل إلى حسابات قوى أخرى، في صورة من صور العمالة والارتزاق التي لا تكتفي بإضعاف الدولة، بل تفتح أبوابها لكل تدخل ممكن.

إن السؤال عن الرصاصة الأولى، إذن، ليس بحثًا في لحظة زمنية محددة، بل في سلسلة من الأفعال والقرارات والسلوكيات التي تراكبت حتى صنعت الحرب. فالحرب لم تبدأ يوم 15 أبريل 2023م، بل بدأت يوم بدأ الإعداد لها، ويوم سُمِح للتوتر أن يتراكم، وللانقسام أن يتعمق، وللمغامرة أن تتقدم على حساب الدولة.

وفي مقابل ذلك، تُرفع التحية خالصةً لأولئك القادة والعسكريين الذين امتصّوا الصدمة الأولى، وحرموا الخصم من لحظة التفوّق وميزة المبادأة، وأفشلوا المخطط، وثبتوا في مواقعهم، وصبروا ورابطوا في ظروف بالغة التعقيد، حتى أعادوا تشكيل ميزان القوة تدريجيًا، وانتقلوا من الدفاع إلى المبادأة، واستعادوا السيطرة على مساحات واسعة، واقتربوا من اكتمال النصر إلا قليلاً. كما تنحني الهامات إجلالًا للشهداء الذين بذلوا أرواحهم فداءً للوطن، وتُرفع أكف الدعاء بالشفاء العاجل للجرحى والمصابين، الذين كتبوا بدمائهم فصول الصمود والبقاء.

في هذه الذكرى، يتحول السؤال عن الرصاصة الأولى إلى قراءة في الطريق الذي قاد إليها بكل تعقيداته وتراكماته. فالمسألة ليست حدثًا مفردًا، وإنما مسار تشكّل تدريجيًا حتى ظهر في صورته العلنية في أبريل 2023م. واستعادة الدولة تقتضي التعامل مع هذا المسار كما هو، وبناءها على قواعد واضحة من الوعي، والانضباط، والمسؤولية، والمؤسسية؛ والرصاصة الأولى، في معناها الحقيقي، كانت إعلانًا بأن كل شيء قد اكتمل بالفعل.

الاربعاء 15 أبريل 2026م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى