رأي

شميم مافي الفي منو؟

الصادق البديري
أعجبتني الجدية التي رصدتِ بها الزميلة والحقوقية رانيا عمر من باريس موضوع “سلاح العقوبات” الأمريكي كأداة لإدارة الصراعات دون إطلاق رصاصة واحدة، والموسوم: “هل تُطبِّق واشنطن قانون الطوارئ الاقتصادية على الجميع… أم على خصومها فقط؟”
هل تعلمون ما الذي يضحك حقاً؟ أن يرسم لنفسه “صاروخاً” و”قنبلة” و”جيشاً” ثم يختبئ تحت طاولة كالفأر الذعور حينما تصفر الرصاصات من حوله. نعم، إنه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الذي كان يحكي لنا هرولة الأسد وصوته الجهوري، بينما هو في الحقيقة يلهث تحت الأثاث خوفاً من ظله.
وبينما يتباكى هذا “الأسد” الصغير على منصة الأمم المتحدة، نكتشف أنه كان يخطط لاختطاف رئيس دولة أخرى، ويسجنه في زنزانة رفيقة “بف ديدي” صاحب السيرة العطرية والموبقات المعروفة.
هذه هي أمريكا التي تفرض عقوباتها باسم “القانون” و”الأمن القومي”، نفس أمريكا التي تحولت سياستها الخارجية إلى حلقة من مسلسل كوميدي ساخر.
وكتبت الزميلة رانيا بكل وقار عن “شميم مافي”، تلك السيدة الإيرانية الأصل التي أوقفتها الإدارة الأمريكية وكأنها اقترفت “أكبر موبقة في الدنيا”. والموبقة هنا – إن صح أصلاً أنها توسطت في صفقة تسليح لدولة ذات سيادة – أن سيدة تحمل جنسية إيرانية جرت العادة على استهدافها فقط لأن أصولها تشير إلى طهران.
يا للروعة! إيران هي العدو الأبدي، فكل من ينتمي إليها ولو بالدم، يجب أن يُعاقب كأنه مجرم حرب، لكن إذا كان هذا المشتبه إماراتياً أو حتى إسرائيلياً، فالقصة ستتغير بالتأكيد، لأن القانون الأمريكي -كما أشارت رانيا- أصبح قابلاً للتمدد كالعلكة: يمتد ليطال الخصوم، وينكمش ليتجاوز الحلفاء.
والأكثر طرفة في قصة شميم، أن إدارة تفتخر بـ”الرقابة على صادراتها العسكرية” هي نفسها التي تبيع أسلحة لحلفاء معروفين بسجلهم في انتهاك حقوق الإنسان.
فصفقات الأسلحة الأمريكية التي تنتهي في مناطق النزاع – بما فيها السودان – عبر أبو ظبي ووكلاؤها الإقليميين -بحسب تقرير منظمة أبحاث حقوق الإنسان- أصبحت بمثابة “هدايا عيد الميلاد” التي لا تسأل عن مصيرها.
وبالعودة إلى قصة شميم مافي، هل يظن أحد أن الولايات المتحدة تهتم حقاً بمنع تسليح إيران؟ أم أنها تهتم بأن تكون هي وحدها من يملك حق بيع السلاح لمن تشاء؟ الفأر الذي يختبئ تحت الطاولة ليس خائفاً من الرصاص فقط، بل يخاف من أن يكتشف أحد أنه كان يسرق الجبن طوال الوقت.
وعلى ذكر قانون الطوارئ الاقتصادية لعام 1977 أرى أنه تحول إلى فيلم رعب كوميدي، فكلما شعرت واشنطن بضعفها، أعلنت حالة طوارئ جديدة، وجمدت أصول فلان، ووضعت علاناً على القائمة السوداء. لكنها حين تريد أن تشتري النفط من فنزويلا أو تتفاوض مع كوريا الشمالية، تتناسى فجأة وجود هذا القانون.
وعطفا على ما سبق، فإن البحث عن العدالة في تطبيق القانون الأمريكي جهد مهدور، فالعدالة هناك تشبه “الوهم البصري” الذي تراه من بعيد في صحراء السياسة الخارجية. وإذا أردنا تفسيراً أعمق، فلنقل ببساطة: “الفأر في واشنطن لا يحكم العالم، بل يحاول أن يديره من تحت الطاولة التي يختبئ تحتها”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى