الأحداث – تقرير
أعادت الاستقالة المفاجئة لقائد سلاح المدرعات السابق ومدير شركة السودان للأقطان، الفريق نصر الدين عبد الفتاح، من إدارة الأقطان، الجدل القديم بشأن فساد شركة الأقطان، خصوصا بعد ورود عبارة مفتاحية في خطاب الاستقالة، حيث جاء في الخطاب (لأسباب خاصة تتعارض مع القيم التي أتبِعها».
هذه العبارة التي وضعت في الخطاب بشكل عرضي لخصت مجمل الأزمة في الشركة الحكومية المثيرة للجدل، وطرحت السؤال القديم نفسه، ما الذي يدور في هذه الشركة التي وصل ملفها للمحاكم ومن هم من يقفون خلفها ويملكون هذه القوة التي تدفع رجلا قهر الجنجويد وجها لوجه في أضخم معركة في تاريخ السودان، ليدفع باستقالته بعد ستة أشهر فقط من تعيينه.
تمثل قضية فساد شركة السودان للأقطان المحدودة واحدة من أضخم وأشهر قضايا الفساد المالي والإداري في تاريخ السودان الحديث، حيث امتدت فصولها وتداعياتها عبر فترتين زمنيتين مختلفتين، وشهدت محاكمات كبرى أثارت الرأي العام. وتفجرت قضية الفساد للمرة الأولى في العام 2012 وتحولت إلى محاكمة تاريخية استمرت نحو 5 سنوات.
شملت القضية،وخلال عرضها على المحكمة، اختلاسات، وتلاعباً في عقود ومبالغ ضخمة تقدّر بنحو 55 مليون دولار، وقروضاً وهمية من بنوك خارجية (مثل بنك ABC)، وتأسيس عشرات الشركات الوهمية بأسماء زوجات وأبناء مسؤولين نافذين للاستحواذ على العطاءات، كما كشفت الحيثيات عن تلاعب في أسعار مدخلات الإنتاج (الأسمدة، المبيدات، التقاوي، والخيش) واستيراد شحنات صوريّة (مثل استيراد 37 ألف طن أسمنت باسم الشركة للاستخدام الخاص والتصرف فيه بالبيع)، بجانب تمرير صفقات مشبوهة عبر شركة وسيطة تدعى “مدكوت” مملوكة لبعض منسوبي الشركة.
وبناء على ذلك أصدرت محكمة جنايات الخرطوم شمال، في العام 2016، أحكاماً بالسجن والغرامة ضد 10 متهمين بالسجن لفترات تتراوح بين 10 إلى 13 عاماً، مع فرض غرامات تجاوزت 16 مليار جنيه سوداني.
أزمة شركة الأقطان لم تتوقف عند هذا الحد، حيث كشفت تحقيقات وتقارير استقصائية حديثة في عام 2024 عن خيوط فساد جديدة تزامنت مع ظروف الحرب والانهيار الاقتصادي في السودان.
وكشفت وثائق رسمية عن صدور قرار من مجلس إدارة الشركة في مارس 2024 لإنشاء فرع للشركة في دولة الإمارات تحت اسم “أقطان النيلين” لحماية الصادرات وتأمين العملة الصعبة، وبدلاً من تأسيس الفرع كشركة حكومية تابعة للدولة، تم استخراج رخص تجارية خاصة في دبي وعجمان بأسماء شخصية تتبع للمدير العام ونافذين آخرين، مما اعتُبر تحويلاً لأموال وممتلكات الشعب السوداني إلى أملاك خاصة بعيداً عن الرقابة الحكومية.
حسب خبراء اقتصاديون، فإن فساد شركة الأقطان تسبب في ضربة قاضية لقطاع الزراعة في السودان، وكان من أبرز أسباب تدمير وتدهور مشروع الجزيرة، حيث أدى التلاعب بالتمويل والأسعار والتقاوي الفاسدة إلى خروج السودان تدريجياً من سوق الأقطان العالمية، وإفقار آلاف المزارعين السودانيين الذين يمتلكون الأسهم الحقيقية في الشركة.
ويرى الخبير الاقتصادي، د. عمار سليمان، أن رئيس مجلس السيادة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، دفع بالرجل القوي الفريق نصر الدين لاستعدال ميلان شركة الأقطان، في مسعى مخلص لإدراجها في مسار الدولة بعد فسادها الذي وصل المحاكم، لكن الأوضاع بحسب دكتور عمار تبدو معقدة، لدرجة أن حلها استعصى على رجل يعتبر أحد الأربعة الذين سحقوا أكبر قوة مسلحة غير نظامية في إفريقيا.
واعتبر د. عمار، أن استقالة الفريق نصر الدين كانت متوقعة، فتكوين الرجل وإخلاصه لا يسمحان له بالولوغ في فلك الشبكات التي تتحكم في الشركة، كما أن قدرته كوافد جديد للمناصب المدنية لا تمنحه المقدرة الكافية لضرب هذه الشبكات التي بنت وحصنت نفسها لسنوات طوال، وصارت بمنجأ عن أي محاسبة.
رغم أن المتهمين بفساد شركة الأقطان جرت محاكمتهم رسميا في عهد الرئيس السابق عمر البشير، ورغم تدخل البشير نفسه وقيامه بحل مجلس إدارة الشركة في فبراير عام 2012، في محاولة جادة لإنهاء الفساد، غير أن الفساد الذي خرج بالنافذة عاد بالباب مرة أخرى، وبدت الشركة وكأنها قلعة حصينة تستعصى على جميع الفاتحين، لدرجة أن الخبير الاقتصادي دكتور عمار سليمان يرى أن الحل الأخير أمام رئيس مجلس السيادة، هو حل الشركة بشكل كامل وإغلاق هذا الملف.
نقلا عن “أصداء سودانية”