

روح متجددة
بقلم: عصماء عاصم
ثمة أناسٌ لا يكون حضورهم في البيوت حضورَ أفرادٍ عابرين؛ كأنهم، من فرط ما شهدوا واحتفظوا وتركوا، يصبحون جزءًا من معنى البيت نفسه. فإذا ذُكرت أسماؤهم، لم تستدعِ الذاكرة أشخاصًا فحسب، بل أعادت معها مجالسَ كاملة، وأصواتًا، ووجوهًا، وأيامًا لا تُستعاد إلا بذكرهم.
وللجدّ في البيوت السودانية مقامٌ من هذا القبيل؛ ليس كبيرَ العائلة وحسب، بل ذاكرةُ جيل، وموضعُ حنانٍ وهيبة. يدخل المجلس فتخفت الأصوات من تلقاء نفسها، وتستقيم الجلسة، ويأخذ الكلام قدره؛ لأن للسنين حين تتجسّد في رجلٍ واحد وقارًا لا يحتاج إلى تعريف.
ومع ذلك، فالجدّ الواحد لا يعيش في ذاكرة أحفاده بالصورة ذاتها.
هذا حفيدٌ لا يعرف منه إلا اسمه؛ كان صغيرًا حين سبقه الغياب. وذاك يحفظ صوته ومجلسه وحكاياته. وثالثٌ كانت بينه وبين جدّه فسحةٌ واسعة للقرب، لكنه لم يعرف قيمتها إلا بعدما انقضت، فبقي يحمل في قلبه حسرةَ فرصةٍ كان يمكن أن تصير عمرًا من الذكريات.
وربما كان بين الجد وأحد أحفاده قربٌ خفيّ لا يحتاج إلى إعلان؛ يميّز صوته بين الأصوات، ويناديه دون غيره، ويأنس لجلسته كأن بينهما عهدًا قديمًا لا يحتاج إلى كلام. وقد يكون ذلك الحفيد آخر من يدرك أنه كان الأقرب.
وأقول هذا وأنا أحمل في ذاكرتي جدًّا عزيزًا اسمه فتح الرحمن؛ غير أنني كلما استحضرت صورته، لم أجدني أستحضر جدّي وحده، بل أستحضر معه ذلك الجد الذي ترك في كل بيتٍ أثرًا مختلفًا، وإن اختلفت الحكايات.
فالطفولة لا تعرف قيمة الأشياء الكبيرة؛ إنها تأخذ الأمان كما تأخذ الضوء، دون أن تسأل من أين جاء.
وحين كان الخوف يطرق قلوبنا الصغيرة، كنا نعرف طريقنا إليه بالفطرة؛ نختبئ خلفه، ونلوذ بظهره من العقاب، وربما احتمينا بسريره كما لو كان موضعًا لا يستطيع الخوف أن يعبر إليه.
لم نكن نعرف يومها أننا كنا نتعلم أول معنى للظل.
ثم تمضي الأعوام، ونكبر، بينما يمضي العمر في الجهة الأخرى.
تبطؤ الخطوات التي كانت لا تعرف التمهّل، ويهدأ الصوت الذي كان يملأ البيت، وتصبح اليد التي اعتدنا أن تمتد إلينا محتاجةً إلى يدٍ أخرى.
وهنا تتبدّل الأدوار دون أن يعلن أحدٌ ذلك.
ذلك الذي احتمينا به يومًا، يحتاج إلى قربنا. والذي كنا نختبئ خلفه حين نخاف، قد يصبح أكثر سكينةً حين يسمع صوتًا يألفه.
قد يمسك الجد يد حفيده في الليل، فإذا حاول الحفيد أن يسحبها، عاد فأمسك بها، حتى وهو نائم؛ كأن اليد التي كانت يومًا طريق الطفل إلى الأمان، أصبحت في آخر العمر طريق الشيخ إلى الطمأنينة.
وقد يستيقظ في ساعةٍ متأخرة، ينادي حفيده، يسأل سؤالًا عابرًا، ثم يسكت حين يسمع صوته.
لم يكن السؤال هو المهم؛ كان المهم أن يسمع صوتًا يعرفه، وأن يطمئن إلى أن أحدًا ما يزال قريبًا.
يأتي على الذين أظلّونا يومٌ يحتاجون فيه إلى ظلّنا.
ولعلنا لا ندرك ثقل هذه الحقيقة إلا حين نرى الذين حسبناهم ثابتين، وقد أخذ العمر منهم شيئًا فشيئًا. عندها تصبح الجلسة معهم أثمن، والحكاية التي سمعناها مرارًا جديرةً بأن تُسمع مرةً أخرى، والسؤال العابر شيئًا نتمنى لو يعود.
ثم يتغيّر شكل المكان من غير أن تتغير جدرانه.
يبقى المجلس، ويبقى الكرسي، وتبقى الأشياء التي اعتدنا أن نراه بينها؛ لكن الصوت الذي كان يمنحها معناها لا يعود.
وحينها نفهم أن بعض الغياب لا يترك مقعدًا فارغًا، بل يقتطع من أعمارنا زمنًا كاملًا.
ومع ذلك، لا ينتهي الجد تمامًا.
يبقى في حكايةٍ تُروى، وفي كلمةٍ يرددها أحد أبنائه، وفي عادةٍ انتقلت إلى حفيد دون أن يعرف مصدرها، وفي نبرة صوتٍ تشبهه، وفي موقفٍ نسأل فيه أنفسنا: ماذا كان سيفعل لو كان حاضرًا؟
يمضي الإنسان من الدنيا، لكن بعضه لا يمضي منها؛ يظل جاريًا فيمن أحب، كأن العمر، حين يعجز عن إبقاء صاحبه، يترك أثره في الذين مرّ بهم.
رحم الله جدودًا مضوا، وأطال الله أعمار من بقي منهم بيننا؛ أولئك الذين حملوا سيرة البيوت، ووصلوا بين أجيالها، وتركوا في الأحفاد من أعمارهم ما لا يُقاس بالسنين.
فإذا كان جدك ما يزال بينكم، فهل عرفتَ قدر قربه وهو إلى جوارك، أم ستدرك يومًا أن أعظم ما كان في بيتك لم يكن شيئًا تملكه، بل رجلًا كان يجلس فيه؟