رأي

سردية بولس… أم إبليس؟

فيما ارى

عادل الباز

1

في تصريحات مجهولة الزمان والمكان، أوردتها الدكتورة أماني الطويل لمسعد بولس، دفق فيها سيلًا من الأكاذيب، حتى يستغرب المرء لماذا اختارت أماني نشرها أصلًا. ويبدو أنها قيلت في ندوة مغلقة بالقاهرة أثناء زيارته الأخيرة الأسبوع الماضي، التي التقى خلالها الرئيس عبد الفتاح السيسي.

وسبب استغرابي أن الدكتورة تعلم أن هذا المبعوث مدلس، و يكرر ذات الأكاذيب. وثانيًا، فإن الموقف المصري الرسمي -الذي تعرفه السيدة أماني جيدًا- لم يشر يومًا، لا من قريب ولا من بعيد، إلى تلك الاتهامات التي أطلقها السيد بولس في القاهرة. تُرى ما مصلحة الأستاذة أماني في ترويج هذا الحديث؟

ماذا قال هذا الرجل؟ أربع إفادات تنضح بالتضليل، وتفضح أجندته وأجندة من يقفون خلفه، كما سنرى.

2

قال مسعد بولس:

(إن الوضع القائم لم يعد شأنًا داخليًا بأي حال من الأحوال، بل أضحى تهديدًا مباشرًا وصريحًا للأمن القومي للولايات المتحدة الأمريكية، في ظل ما يترتب عليه من تداعيات كارثية باتت وشيكة الوقوع ولا تحتمل التأجيل.)

تُرى منذ متى أصبح الوضع في السودان تهديدًا صريحًا للأمن القومي الأمريكي؟ ثلاثة أعوام والحرب دائرة، ولم نسمع بهذا الاكتشاف المتأخر، فما الذي استجد الآن؟ وإذا كانت الحرب بهذا الخطر، فكان بوسع الولايات المتحدة أن تفرض على المليشيا الالتزام باتفاق جدة، الذي وُقع بشهود ووساطة أمريكية. فلماذا تُرك اتفاق جدة يسقط أمام أعين رعاته، ورفضته المليشيا بلا عقاب، بل بلا حتى عتاب؟لقد رفضت المليشيا تنفيذ البنود الأساسية، من الالتزام بالهدن إلى الانسحاب من المواقع، مما يثبت أن مصدر الفوضى معروف، خلافًا لما يروجه بولس.

3

لا يكتفي بولس بتضخيم خطر الحرب على أمريكا، بل يذهب إلى أبعد من ذلك، حيث يقول:إن مسار الحرب الدائرة في السودان قد بلغ حدًا بالغ الخطورة، حيث تجاوزت آثارها المدمرة النطاق الجغرافي للسودان، لتتحول إلى خطر إقليمي داهم يقوض بعنف استقرار منطقة ساحل البحر الأحمر برمتها، ويهدد بشكل مباشر وملح أمن وسلامة الملاحة الدولية في أحد أهم الشرايين الحيوية للتجارة العالمية.متى تجاوزت آثار الحرب النطاق الجغرافي للسودان؟ ومتى هددت الملاحة في البحر الأحمر؟

لم تُسجل جهة ملاحة دولية واحدة حادثة تهديد انطلقت من السواحل السودانية. لا سفينة استهدفت، ولا معركة وقعت هناك، ولا دولة مشاطئة اشتكت من خطر قادم من السودان.فكيف تتحول معارك تدور على بعد آلاف الكيلومترات من البحر الأحمر إلى تهديد مباشر للملاحة فيه؟

أرأيتم كيف تُصنع السرديات؟ يُلقى الكلام جزافًا، ثم يُراد للناس أن يصدقوه.

4

ثم يقول بولس:

إن هناك مؤشرات مقلقة وموثقة تؤكد تحول السودان تدريجيًا إلى ملاذ آمن لملالي طهران، برعاية واستضافة كاملة وممنهجة من كتائب البراء التي يحتضنها الجيش السوداني.

أرأيتم هذا الربط الخبيث بين السودان وملالي طهران؟ هكذا تُصنع التهم حين تعجز الوقائع.

لم يذكر الرجل مؤشرًا واحدًا، ولا وثيقة واحدة، ولا شاهدًا واحدًا يثبت ما يقول. لكنه يريد دفع قضية السودان إلى ساحة الصراع الدائر بين إيران وأمريكا، ويريد في الوقت نفسه دق إسفين بين السودان ودول الخليج، وكأن دول الخليج، بأجهزتها واستخباراتها، تنتظر تخرصات بولس لتعرف مصالحها.

ثم يعود ليربط بين “البراءون” والجيش السوداني، وكأن ذلك كشف استخباري جديد! بينما يعلم الجميع أن “البراءون” جزء من الشعب السوداني، هبوا للدفاع عن وطنهم في مواجهة عدوان المليشيا المدعومة من الإمارات.

5

ويحذر بولس قائلًا:

الأمر الذي سيحول السودان حتمًا إلى بؤرة أشد فتكًا وخطورة من إيران في احتضان الإرهاب وصناعته وتصديره إلى العالم بأسره.

مرة أخرى يعود إلى ذات الخلطة: إيران، إرهاب، تخويف، تهويل.

تشعر بالاشمئزاز وأنت تسمع مسؤولًا يسكب هذا الكلام  “الساكت ” على الناس، بلا دليل، وبلا حياء، لأجل  تغيير سردية الحرب ، من حرب ضد تمرد ومليشيا متهمة بالإبادة والنهب والتشريد، إلى حرب على الإرهاب يحتضنه السودان.وهل هناك إرهاب أكبر مما ترتكبه المليشيا، وأنتم توفرون لها الغطاء، ويكفلها من يمدها بالسلاح والمال، ويدافع عنها في المحافل؟

6

وأخيرًا يحذرنا السيد بولس من أن:

(السودان سيصبح ساحة مستباحة بلا رادع لتجار السلاح، وبارونات المخدرات، والجماعات العابرة للحدود، مما سيؤدي إلى انهيار كامل وشامل لأركان الدولة الوطنية، وتلاشي مفهومها نهائيًا، وتحولها إلى دولة فاشلة بامتياز.)

تُرى منذ متى اكتشف بولس هذه المخاطر؟ الآن فقط، بعد أن فشلت كل المحاولات في إخضاع السودان لأجندة المليشيا وأسيادها؟ الغرض واضح: الضغط على السودان بكل السبل لوقف الحرب، لأنه يدرك أن أوضاع المليشيا تتدهور يوميًا، وتُهزم في الميدان، وتنقسم من الداخل، ويزداد الشعب كراهية لها ولمموليها.ولذلك يريد إعادة تموضعها في الجسد العسكري والسياسي للسودان بالضغوط.

لقد انتهى زمن الابتزاز.

والشعب الذي صمد ثلاث سنوات، ورفض كل الضغوط الدولية وعاصمته محتلة، لن تنطلي عليه أكاذيب الندوات المغلقة، ولا ابتزاز المبعوثين، ولا سرديات كاذبة  يراد له ان يخضع لها وهيهات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى