بقلم: عصماء عاصم
ما أسهل أن يجدك الجميع… وما أصعب أن تجد نفسك.
في هذا العصر، لم يعد يُقاس الإنسان بما يحمل من علمٍ أو خُلُقٍ أو أثر، بل بمدى سرعة استجابته، وكأن قيمة المرء أصبحت مرهونةً بقدرته على أن يكون حاضرًا في كل وقت، ولكل أحد، وفي كل شأن.
وهكذا، شيئًا فشيئًا، تحوَّلت الإتاحة إلى فضيلةٍ يُصفِّق لها الجميع، حتى غدا الاعتذار ذنبًا، والانشغال تهمةً، والصمت سلوكًا يحتاج إلى تبرير.
غير أن السؤال الذي قلَّما يطرحه المرء على نفسه هو: ما ثمن هذا الحضور الدائم؟
إن أثقل ما يدفعه الإنسان، حين يكون متاحًا دائمًا، ليس وقته، بل ذاته. يوزع حضوره على الجميع، حتى إذا عاد إلى نفسه، وجدها تنتظره منذ زمن.
وما أقسى أن يكون المرء حاضرًا في حياة الجميع، غائبًا عن حياته هو.
وليس المقصود أن نبخل بمشاعرنا، أو أن نوصد أبوابنا في وجه الآخرين؛ فالقلوب خُلقت لتأنس، والحياة لا تُحتمل إلا بالناس. لكن بين الكرم في الحضور، والإفراط في الإتاحة، حدٌّ دقيق لا ينتبه إليه إلا من أدرك أن احترام النفس لا يقل شأنًا عن احترام الآخرين.
ولعل من أكثر الأوهام شيوعًا أن الإنسان يظن أن كثرة من حوله تزيده قيمة. والحقيقة أن القيمة لا يمنحها الآخرون لأحد، بل يعرفها الإنسان في نفسه أولًا، ثم يفرضها على العالم بسلوكه وحدوده واختياراته.
فمن عرف قدر نفسه، لم يجعل وقته نهبًا لكل عابر، ولم يفتح قلبه لكل طارق، ولم يُرهق روحه في محاولة إرضاء الجميع. لأنه أدرك أن ليست كل الأبواب خُلقت لتُفتح، ولا كل الوجوه كُتب لها أن تصبح جزءًا من الحكاية.
إن احترام الذات لا يبدأ حين يوقرك الآخرون، بل حين تكف عن تقديم نفسك على هيئة شيءٍ متاحٍ بلا حدود. فكل ما يُبذل بلا ميزان، يُعتاد، وكل ما يُعتاد، يقل الالتفات إليه، لا لأنه فقد قيمته، بل لأن الألفة كثيرًا ما تُضعف الإحساس بقيمة ما اعتدناه.
وهناك علاقات لا تسرق من الإنسان وقته فحسب، بل تسلبه صفاءه، وتطفئ في داخله شيئًا من بهجته. وما أكثر العابرين الذين يملؤون أيامنا ضجيجًا، ثم يرحلون، ولا يتركون وراءهم إلا إرهاقًا طويلًا.
وفي المقابل، هناك أرواحٌ لا تُكثر الكلام، ولا تزاحم الحياة بحضورها، لكن وجودها وحده يبعث في القلب طمأنينةً لا تُشترى. أولئك هم الذين يستحقون أن نحفظ لهم مكانهم، وأن نصون ودهم، وأن نقابل إخلاصهم بإخلاص.
فليست الأرواح تُزهر بكثرة العلاقات، بل بصدقها. وليست السعادة في أن يعرفك الجميع، بل في أن تجد من يشبه روحك، ويمنح قلبك سكينةً لا ضجيجًا.
إننا لا نحتاج إلى مزيدٍ من الوجوه، بقدر ما نحتاج إلى مزيدٍ من الوعي بمن يستحق أن يبقى، ومن ينبغي أن يظل عابرًا.
فبعض الأبواب لا ينبغي أن تُغلق غضبًا… بل احترامًا للروح.
وأغلى ما يملكه الإنسان، ليس أن يكون مطلوبًا من الجميع، بل أن يبقى حاضرًا عند نفسه، عزيزًا في عينها، كريمًا على روحه.