ذهب الدولة… مخدرات اقتصاد الحرب… فرصة الخليج

جرد حساب

عادل الباز

1. ذهب الدولة

هناك ثلاث جهات حكومية تتعامل تجاريًا مع الذهب: شركات الجيش، وشركات الأمن، وبنك السودان. ومعلوم أن بنك السودان يشتري الذهب الآن من الأسواق بواسطة شركات الأمن والجيش، لبناء احتياطيات تُسهم في استقرار سعر الصرف، أو لاستخدامها لاحقًا كضمانات خارجية مطلوبة، أو حتى استخدامها مباشرة لشراء السلاح، كما جرى في بعض الصفقات مع تركيا.

لكن ما يحيرني هو سؤال بسيط: ذهب شركات الدولة أين يذهب؟

بالمناسبة، هذه الشركات تستحوذ الآن على مناجم كانت في السابق تحت سيطرة الدعم السريع. فهل تصدر هذه الشركات ذهبها ؟، والذهب الذي تشتريه من السوق أين يذهب هل يتم تصديره؟ أم تخزنه؟ أم تخصصه لاحتياجاتها الخاصة؟

بالطبع لا أريد حتى أن أفكر في احتمال أنها تُورَّد عائداته إلى وزارة المالية، التي ربما تعرف الحقائق، لكنها تؤثر السلامة.

2. مخدرات… اقتصاد  الحرب

استوقفني تقرير أصدره مؤخرًا مركز متتبع الشفافية والسياسات في السودان

(STPT)

، استعرض التحول الخطير للسودان من مجرد معبر للمخدرات إلى مركز إقليمي للتصنيع والاتجار خلال الحرب التي اندلعت في أبريل 2023.

يقول التقرير إن انهيار صناعة الكبتاجون في سوريا بنهاية 2024 دفع الشبكات الدولية إلى نقل عملياتها إلى السودان، مستفيدة من بيئة الحرب. ووفقًا للتقرير، قفزت القدرات الإنتاجية من 7,200 حبة في الساعة إلى نحو 100,000 حبة في الساعة في مختبرات مجهزة بملايين الدولارات.

وأشار التقرير إلى أربعة أنواع رئيسية من المخدرات باتت تهيمن على المشهد:

الكبتاجون: المخدر الاصطناعي الأبرز، الذي تحول السودان إلى مركز لصناعته وتصديره إلى دول الخليج عبر البحر الأحمر. ويُستخدم بكثافة بين المقاتلين لكبح الجوع والحفاظ على اليقظة أثناء المعارك.

البانجو (القنب السوداني): المادة الأكثر انتشارًا محليًا، وتتركز زراعتها في حديقة “الرادوم” تحت سيطرة قوات الدعم السريع.

الشاشماندي: مخدر إثيوبي يُهرَّب عبر الحدود الشرقية، ويفضله بعض الطلاب لرخص ثمنه وعدم وجود رائحة نفاذة له.

الميثامفيتامين البلوري (الآيس): منبه كيميائي شديد الخطورة يدخل البلاد عبر بورتسودان، وقد سُجلت ضبطيات ضخمة تجاوزت نصف طن في ولاية البحر الأحمر خلال عام 2026.

ويحذر التقرير من أن هذه السموم أصبحت جزءًا من اقتصاد الحرب، إذ تمثل مصدر تمويل مهمًا للميليشيات المسلحة في ظل غياب الرقابة الأمنية والقضائية.

كما ساهم الانهيار الاقتصادي والصدمات النفسية في دفع الشباب، بل وحتى الأطفال في سن الثانية عشرة، إلى الإدمان كوسيلة للهروب من واقع الحرب المرير.

ويواجه السودان اليوم خطر التحول إلى «دولة مخدرات» ناشئة ما لم تُنسق جهود إقليمية ودولية لتفكيك هذه الشبكات.

لكن السؤال الذي يخطر ببالي: إلى من أرسل هذا التقرير؟

إلى إدارة مكافحة المخدرات؟

لابد أنها تعلم به، ولديها أطنان من المخدرات… أعني المعلومات.

إلى الشرطة؟

الشرطة لم تقصر؛ فقد ضبطت 700 كيلوغرام من المخدرات خلال الشهر الماضي فقط.

أرسله للحكومة؟

الحكومة… ممكن.

لكن بعد أن يفيق بعضُها من المخدر

3. فرصة الخليج

بعيدًا عن هذا المشهد القاتم، تبرز فرصة اقتصادية كبيرة قد تمر من أمامنا دون أن ننتبه إليها.

هل درست أي جهة في الدولة كيفية الاستفادة من الحرب الحالية في الخليج؟

كل المؤشرات تدل على أن سلاسل الإمدادات الغذائية في الخليج ستشهد اضطرابًا كبيرًا بسبب الحرب، خصوصًا تلك المرتبطة بأوروبا وشرق آسيا وإيران، التي كانت توفر أكثر من 30% من احتياجات الغذاء في بعض دول الخليج.

الارتباك الحاصل الآن سيؤدي بلا شك إلى ارتفاع أسعار الغذاء إلى مستويات عالية. والمفارقة أن معظم هذه الاحتياجات الغذائية متوفرة في السودان.

بل إن خطوط الإمداد من السودان إلى الخليج ما زالت مفتوحة وغير متأثرة بالحرب.

لهذا أقترح أن يشكل اتحاد رجال الأعمال لجنة عاجلة لدراسة احتياجات السوق الخليجي، والتواصل فورًا مع كبار موردي الغذاء هناك، الذين يعيشون الآن حالة ارتباك بسبب التزاماتهم التعاقدية.

إذا قدم السودان نفسه كبديل في هذا الظرف، فقد يحقق مكاسب اقتصادية كبيرة في هذه الفترة، والأهم أنه قد يؤسس لوجود دائم للمنتجات السودانية في تلك الأسواق.

4. ختام

السودان اليوم يقف أمام مفارقة واضحة.

بلد يملك الذهب، والأرض الزراعية، والمياه، والموقع الجغرافي، لكنه ما يزال عاجزًا عن تحويل هذه الموارد إلى قوة اقتصادية حقيقية.

ذهبٌ لا نعرف أين يذهب،

ومخدرات تحاول أن تجعل من الحرب اقتصادًا،

وفرصٌ هائلة في أسواق الخليج قد تمر من أمامنا دون أن نلتقطها.

الفرق بين في القدرة على إدارة تلك الموارد والسودان ــ للأسف ــ يملك الكثير من الموارد… لكنه ما زال يبحث عن الإدارة.

Exit mobile version