بقلم: إبراهيم إسماعيل
منذ نعومة أظافرنا، نشأنا على حكايات وأمثال شعبية لم تخلُ من إشاراتٍ قبلية وعنصرية، تسللت إلى وعينا المبكر دون أن نشعر. حتى في ألعابنا البريئة، كان هناك دائمًا “آخر” يُذمّ أو يُقصى، وكأن الانتماء القبلي يسبق الإنسان نفسه.
وعندما أتصفح صفحة التاريخ، خاصة في إقليم دارفور، نجد أن الصراع القبلي ليس وليد اللحظة، بل يمتد جذره إلى ستينيات القرن الماضي، حيث دارت النزاعات بين معظم القبائل التي تتقاسم هذه الجغرافيا، بل وحتى داخل القبيلة الواحدة.
السياسة حين تستدعي القبيلة
مع وصول نظام عمر البشير إلى الحكم، استُدعيت الزعامات القبلية لبناء قاعدة شعبية في دارفور، لسحب (البساط) من تحت أقدام الأحزاب التقليدية، مما عمّق حضورها وأعاد إنتاج الانقسام بشكل أكثر تعقيدًا.
ونحن طلابٌ بالجامعات، اندلعت صراعات قبلية عنيفة، تقريبًا في العام 1997م، خاصة في غرب دارفور، مما دفع رئاسة الجمهورية إلى تعليق سلطات الوالي الراحل إبراهيم يحيى، وتعيين الفريق محمد أحمد الدابي بسلطات رئيس الجمهورية.
حين تتكلم الهوية
اقترح طلاب دارفور بجامعة الخرطوم تسيير قافلة طلابية، وكان من أبرزهم:
عمار محمد محمود،
عبدالمنعم سليمان عطرون،
محمد حسين إدريس – دبلوماسيًا كان في بريطانيا،
إبراهيم إسماعيل – جامعة أم درمان الأهلية.
وخلال اجتماعنا مع الفريق الدابي بديوان الحكم الاتحادي، طُلب التعارف: بالاسم… ثم القبيلة.
وعندما جاء دور عمار محمد محمود، ذكر اسمه ولم يذكر القبيلة، وصمت للحظة، ثم قال:
“يمكن أن تكون القافلة مدخلًا لحلول بديلة، لا تعتمد فقط على الإجراءات الأمنية، بل على الحوار المجتمعي”.
وعمار (هو الآن وزير مفوض ضمن بعثة السودان بالأمم المتحدة – نيويورك).
جاء دوري، فقلت: “أنا سوداني”.
لكن الرد كان حاسمًا: “إن لم تذكر قبيلتك، أرفع الاجتماع.”
تحت الضغط، ذكرتها. كانت لحظة كاشفة: هل يكفي أن تكون سودانيًا؟
وبعد مداخلة عمار، ومداخلتي التي أكدت أن وصول القافلة إلى القرى يعني إجازة تقريره الأمني بالبرلمان، ردّ قائلًا سعادة الفريق الدابي:
“مبروك أبنائي… والقافلة تسافر بالطائرة.”
مفارقة الوعي والواقع
استجاب فورًا، ووجّه بطائرة عسكرية، في تجربة شارك فيها ضباط، منهم من أصبح لاحقًا رئيس مجلس السيادة، عبدالفتاح البرهان.
وفي ذلك الوقت، كان مدير مكتب الفريق الدابي ورئيس القافلة عبدالمنعم سليمان (عطرون)، الناشط السياسي المعروف الآن، والمقيم بالنرويج.
القبلية في دارفور بنية متجذرة، مع استثناءات مثل الفاشر، حيث يعلو كعب (الوطن). أما بقية الولايات، فالجغرافيا “تتنفس قبيلة”، ويشعر الإنسان بغربة داخل وطنه، لذلك تحتاج إلى رؤية (الدولة).
حيث يلعب المال دورًا في تشكيل (الولاءات) بعيدًا عن مفهوم الوطنية.