رأي

هل بدأت الحرب في إعادة تشكيل الدولة السودانيه

د. عبدالناصر سلم حامد:

لم تعد الحرب في السودان مجرد مواجهة عسكرية بين الدولة ومجموعة متمردة، ولا مجرد صراع على المدن والمواقع الاستراتيجية. فمع امتداد القتال وتغير موازين القوى على الأرض، بدأت تبرز تحولات أعمق تتعلق بطبيعة السلطة ومستقبل الدولة نفسها. ولذلك لم يعد السؤال مقتصراً على من يسيطر على الأرض، بل أصبح يتعلق أيضاً بشكل الدولة التي ستخرج من هذه الحرب عندما تنتهي. فعلى مدى أكثر من ثلاثة أعوام انشغل السودانيون بمتابعة تطورات المعارك وخطوط السيطرة، لكن كثيراً من التحولات المهمة كانت تتشكل بعيداً عن ساحات القتال. فالحروب لا تغير الدول بالنتائج العسكرية وحدها، بل بما تنتجه من وقائع جديدة ومؤسسات وسلطات تفرض نفسها مع مرور الوقت. وكثيراً ما تكون التحولات التي تجري خلف الجبهات أكثر تأثيراً من المعارك نفسها.
منذ الاستقلال واجه السودان تحديات متكررة تتعلق بإدارة التنوع الجغرافي والثقافي والسياسي داخل دولة مترامية الأطراف. ورغم الحروب والانقلابات والأزمات التي مرت بها البلاد، ظلت مؤسسات الدولة تمثل الإطار الجامع الذي يحفظ وحدة السودان واستمراريته. وكانت الدولة، مهما ضعفت أو تعرضت للهزات، المرجعية النهائية التي تنتظم تحتها الحياة السياسية والإدارية في البلاد.
وعندما انفصل جنوب السودان عام 2011 اعتقد كثيرون أن السودان تجاوز أكبر اختبار لوحدته الوطنية، لكن السنوات اللاحقة أثبتت أن قضايا السلطة والتنمية والعلاقة بين المركز والأطراف ظلت دون معالجة جذرية. وجاءت الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 لتعيد هذه الأسئلة إلى الواجهة بصورة أكثر حدة من أي وقت مضى.
غير أن أخطر ما أفرزته الحرب لا يتعلق فقط بالمعارك أو بالخسائر التي خلفتها، بل بما يجري في المناطق الواقعة خارج سيطرة الدولة المباشرة. فالحروب الطويلة لا تنتج جبهات قتال فحسب، بل تنتج أيضاً ترتيبات سياسية وإدارية وأمنية تسعى إلى إدارة الواقع الجديد الذي تفرضه الحرب.
ومن هنا تبرز أهمية الخطوات التي شهدتها مناطق سيطرة الدعم السريع وحلفائه خلال الفترة الأخيرة، والتي لم تعد تقتصر على الجانب العسكري، بل امتدت إلى إنشاء هياكل ومؤسسات تمارس أدواراً ترتبط تقليدياً بوظائف الدولة نفسها.
ومن أبرز هذه التطورات إعلان مجلس للأمن والدفاع في مناطق السيطرة. وقد يبدو الأمر للوهلة الأولى مجرد إجراء تنظيمي، لكنه يحمل دلالات سياسية تتجاوز حدود الإدارة اليومية. فالأمن والدفاع يمثلان أحد أهم مظاهر السيادة، والدولة الحديثة لا تُعرف فقط بحدودها أو باعتراف المجتمع الدولي بها، بل أيضاً بقدرتها على إدارة الأمن واحتكار أدوات القوة المنظمة داخل أراضيها.
وإذا أضيف إلى ذلك الإعلان عن محافظ للبنك المركزي، واستكمال هياكل حكومية موازية، وترتيبات خاصة بالتعليم والخدمات العامة، فإن الصورة تبدو أوسع من مجرد تدابير مؤقتة فرضتها الحرب. فالمسألة تتعلق بمحاولة إدارة حياة الناس ومؤسساتهم خارج إطار الدولة المركزية.
وهنا يبرز الفرق بين التمرد التقليدي وبناء السلطة الموازية. فالتمرد يسعى في العادة إلى فرض وقائع عسكرية أو سياسية معينة، أما السلطة الموازية فتسعى إلى بناء مؤسسات قادرة على إدارة المجتمع وتقديم الخدمات وممارسة بعض وظائف الدولة. فالسلاح قد يفرض السيطرة، لكنه لا يكفي وحده لبناء سلطة قابلة للاستمرار.
وعندما ننظر إلى هذه التطورات مجتمعة يصبح السؤال أكثر تعقيداً. فالقضية لم تعد مرتبطة بمن يسيطر على مدينة أو منطقة بعينها، بل بما إذا كانت الحرب تنتج مراكز سلطة جديدة تتجاوز طبيعتها العسكرية لتتحول إلى هياكل حكم وإدارة.
فالدولة لا تُقاس فقط بما تملكه من قوة عسكرية، بل بقدرتها على إدارة حياة الناس وتقديم الخدمات وفرض القانون وحماية مؤسساتها. وعندما تبدأ جهة ما في ممارسة هذه الوظائف داخل نطاق جغرافي محدد، فإن النقاش ينتقل من ميدان الحرب إلى ميدان بناء السلطة.
وكثيراً ما يُخلط بين السيطرة على الأرض والسيطرة على الدولة. فالسيطرة على الأرض قد تتحقق بالقوة العسكرية، أما السيطرة على الدولة فتحتاج إلى إدارة الاقتصاد والخدمات والتعليم والأمن. ولهذا لا تُحسم الحروب دائماً بنتائج المعارك وحدها، بل بقدرة أحد الأطراف على بناء نموذج حكم قادر على الاستمرار.
ومن هنا تكتسب دارفور أهمية خاصة في هذا السياق. فالإقليم لا يمثل فقط مساحة جغرافية واسعة، بل يمتلك موقعاً استراتيجياً وموارد اقتصادية مؤثرة. كما أصبحت نيالا خلال الفترة الأخيرة مركزاً تتجمع فيه ترتيبات سياسية وإدارية واقتصادية مرتبطة بمناطق السيطرة، الأمر الذي جعلها محط متابعة تتجاوز حدود المدينة نفسها.
وقد تستحضر هذه التطورات تجربة جنوب السودان، ليس باعتبارها نموذجاً مطابقاً لما يجري اليوم، بل لأنها تذكر بأن التحولات الكبرى تسبقها غالباً مراحل طويلة من بناء المؤسسات والهياكل الإدارية والأمنية. فالدول لا تنقسم في يوم واحد، كما أن الكيانات الجديدة لا تظهر فجأة، وإنما تنشأ عبر تراكم الوقائع على الأرض.
وفي تجارب عديدة حول العالم بدأت سلطات الأمر الواقع بإدارة الأمن والخدمات داخل مناطق نفوذها قبل أن تتحول لاحقاً إلى أطراف رئيسية في إعادة تشكيل الدولة أو تقسيمها. ولذلك فإن أهمية ما يجري اليوم لا ترتبط بحجم المؤسسات القائمة فحسب، بل بالدور الذي يمكن أن تلعبه مستقبلاً إذا استمرت الحرب لفترة أطول.
وفي مثل هذه الصراعات لا يكون الزمن عاملاً محايداً. فكل شهر إضافي من الحرب يمنح هذه الترتيبات فرصة أكبر للتجذر والتكيف مع الواقع الجديد. وما يبدأ كتدابير مؤقتة قد يتحول مع مرور الوقت إلى حقائق سياسية ومؤسسية يصعب تجاوزها.
وربما لا تكمن الخطورة في احتمال الانفصال المباشر بقدر ما تكمن في اعتياد الناس على وجود سلطتين ومؤسستين داخل الدولة الواحدة. فالتجارب التاريخية تشير إلى أن الانقسام يبدأ غالباً عندما يصبح الواقع الموازي أمراً مألوفاً ويتكيف المجتمع معه باعتباره جزءاً من الحياة اليومية.
أما المجتمع الدولي فما زال يتمسك رسمياً بوحدة السودان وسيادته، لكنه في كثير من الأحيان يتعامل مع الوقائع بعد ترسخها على الأرض أكثر مما يصنعها بنفسه. ولهذا تبقى المسؤولية الأساسية مسؤولية السودانيين في الحفاظ على دولتهم ومؤسساتهم الوطنية.
ويواجه السودان اليوم تحديين متلازمين: استعادة السيطرة على الأرض من جهة، والحفاظ على وحدة مؤسسات الدولة من جهة أخرى. فالتاريخ يبين أن استعادة المدن قد تكون أسهل من إعادة توحيد المؤسسات إذا ترسخ الانقسام بينها لفترات طويلة.
ومن هذا المنطلق فإن دعم القوات المسلحة ومؤسسات الدولة الشرعية، وتوحيد الجبهة الداخلية، لا ينبغي النظر إليهما باعتبارهما مجرد مواقف سياسية، بل باعتبارهما ضرورة وطنية لحماية الإطار الجامع الذي يحفظ وحدة البلاد.
وإذا كان السودان قد دفع ثمناً باهظاً بانفصال الجنوب عام 2011، فإن الدرس الأهم الذي يجب ألا يُنسى هو أن أي شرخ يصيب جزءاً من الوطن لا يبقى محصوراً فيه. فما يبدأ في بقعة واحدة قد يمتد أثره إلى بقية البقاع، لأن السودان ليس مجموعة أقاليم متجاورة فحسب، بل دولة واحدة يرتبط مصير أجزائها بعضها ببعض.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي تفرضه الحرب اليوم ليس من سينتصر في المعركة، بل أي دولة ستبقى بعد انتهائها. فالمعارك يمكن أن تنتهي باتفاق أو بحسم عسكري، لكن آثار التحولات المؤسسية قد تبقى لسنوات طويلة بعد توقف القتال. وما يواجهه السودان اليوم ليس مجرد اختبار أمني أو عسكري، بل اختبار يتعلق بقدرة الدولة على الحفاظ على وحدتها ومؤسساتها وسيادتها. فإما أن تنجح في استعادة تماسكها الوطني وتوحيد مؤسساتها تحت سلطة واحدة، وإما أن تفرض الحرب واقعاً جديداً يعيد رسم شكل الدولة وموازين القوة فيها لعقود قادمه .
وعندها لن يكون السؤال كيف بدأت الحرب، بل كيف أعادت تشكيل السودان. فالتاريخ لا يتذكر الحروب فقط من خلال معاركها ونتائجها العسكرية، بل من خلال ما تتركه من آثار دائمة في بنية الدول ومؤسساتها. ولذلك فإن التحدي الأكبر الذي يواجه السودان اليوم لا يتمثل في كسب المعركة العسكرية وحدها، بل في الحفاظ على الدولة نفسها ومنع تآكل مؤسساتها ووحدتها الوطنية. فنجاح الدولة في استعادة سلطتها وتوحيد مؤسساتها سيحدد شكل السودان في المستقبل أكثر مما ستحدده نتائج المعارك الميدانية وحدها
أي دولة ستبقى بعد انتهائها. فالمعارك يمكن أن تنتهي باتفاق أو بحسم عسكري، لكن آثار التحولات المؤسسية قد تبقى لسنوات طويلة بعد توقف القتال. وما يواجهه السودان اليوم ليس مجرد اختبار أمني أو عسكري، بل اختبار يتعلق بقدرة الدولة على الحفاظ على وحدتها ومؤسساتها وسيادتها. فإما أن تنجح في استعادة تماسكها الوطني وتوحيد مؤسساتها تحت سلطة واحدة، وإما أن تفرض الحرب واقعاً جديداً يعيد رسم شكل الدولة وموازين القوة فيها لعقود قادمة. وعندها لن يكون السؤال كيف بدأت الحرب، بل كيف أعادت تشكيل السودان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى