

بقلم: عصماء عاصم
ربما مرّت بك تلك اللحظة التي حصلت فيها أخيرًا على ما كنت تريده، ثم جلست وحدك، فلم تجد في قلبك الفرح الذي تخيلته طويلًا.
كنت تظن أن الوصول سيُصلح كل شيء؛ أن المال سيمنحك الطمأنينة، وأن المكانة ستمنحك الرضا، وأن إعجاب الآخرين سيجعلك أكثر اطمئنانًا إلى نفسك. ركضت طويلًا، وأجلت أشياء، وتنازلت عن أشياء، وقلت لنفسك في كل مرة: حين أصل، سأرتاح.
ثم وصلت.
فاكتشفت أن بعض الطرق لا تأخذ من الإنسان وقته فحسب، بل تأخذ منه شيئًا من روحه أيضًا.
قد تكسب المال، لكنك تخسر أيامًا لن تعود. وقد تبلغ المكان الذي حلمت به، لكنك تبلغه بقلبٍ أكثر تعبًا. وقد يصفق لك الجميع، بينما تعرف أنت وحدك كم مرة خذلت نفسك حتى تسمع ذلك التصفيق.
وهنا يبدأ السؤال الذي لا نسأله كثيرًا:
ماذا لو لم يكن كل ما تمنيناه خيرًا لنا؟
نحن نطلب من الله أشياء كثيرة، ونحزن حين تتأخر، ونظن أحيانًا أن الباب المغلق حرمان، وأن الباب المفتوح مكافأة. ثم تمضي السنوات، فنفهم أن بعض الأبواب التي بكينا خلفها كانت رحمة، وبعض الأبواب التي فرحنا بدخولها كانت امتحانًا.
فالدنيا لا تختبرنا فقط بما تمنعنا منه، بل أحيانًا بما تمنحنا إياه.
قد يكون المال اختبارًا، والشهرة اختبارًا، والمكانة اختبارًا، وحتى الأمنية التي ظللت تدعو بها طويلًا قد تصبح، حين تتحقق، سؤالًا جديدًا أمام الله: ماذا صنعت بها؟
ولهذا ربما لا يكون أخطر ما في الدنيا أن تأخذ منا، وإنما أن تمنحنا حتى ننسى.
أن تمنحنا من الانشغال ما يجعلنا نؤجل الصلاة، ومن النجاح ما يجعلنا نغفل عن أنفسنا، ومن رضا الناس ما يجعلنا نخشى خسارتهم أكثر مما نخشى أن نخسر رضا الله.
قال تعالى:
﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾.
كلمات قليلة، لكنها كفيلة بأن تعيد ترتيب أشياء كثيرة في داخلنا.
فما قيمة أن تمتلئ اليد، ويخلو القلب؟
وما قيمة أن تكسب الناس، إذا خسرت الطريق إلى الله؟
وما قيمة أن تصل إلى كل ما أردت، إذا كان الوصول قد أبعدك عن الغاية التي خُلقت من أجلها؟
ربما نحتاج، قبل أن نطارد مكسبًا جديدًا، أن نتوقف قليلًا ونسأل أنفسنا:
لو أعطاني الله ما أريد، لكنه أخذ مني في المقابل ما هو أثمن، فهل سأظل أسمي ذلك مكسبًا؟
فليست كل خسارة هزيمة، كما أن ليست كل مكاسب الدنيا فوزًا.
بعض الخسارات توجعنا في بدايتها، ثم نكتشف بعد زمن أنها كانت نجاة. وبعض المكاسب تملأ أيدينا، ثم نكتشف متأخرين أنها كانت أثقل مما ظننا.
ولعل أجمل ما نتعلمه مع الوقت، أن الفوز الحقيقي ليس أن نخرج من الدنيا وقد جمعنا أكثر مما سوانا، بل أن نخرج منها وقد حافظنا على ما لا ينبغي أن نخسره.
فما أثقل أن تصل إلى نهاية الطريق، وتجد يديك ممتلئتين بكل ما سعيت إليه، ثم تكتشف أن الشيء الوحيد الذي كان ينبغي أن تحمله معك… تركته خلفك.