رأي

حكومة كامل إدريس.. والخدمة المدنية

أمية يوسف حسن أبوفداية

تعيش الخدمة المدنية في السودان اليوم واحدة من أسوأ مراحلها التاريخية، بعد أن كانت تُعد من أفضل مؤسسات الإدارة العامة في المنطقة العربية والإفريقية من حيث البساطة والانضباط والرشاقة والكفاءة. فقد ورث السودان، منذ الحقبة الاستعمارية البريطانية، جهازاً إدارياً يتمتع بدرجة عالية من المهنية والحياد، وأسهم لفترة قصيرة في حفظ تماسك الدولة وإدارة مؤسساتها بكفاءة ملحوظة.
لكن أولى الضربات الكبرى التي تعرضت لها الخدمة المدنية جاءت عقب ثورة أكتوبر 1964 عبر قانون التطهير، الذي أدى إلى إبعاد عدد كبير من القيادات الإدارية ذات الخبرة واستبدالها بقيادات أقرب إلى الولاء السياسي منها إلى الكفاءة المهنية. ثم تكرر المشهد بعد إنقلاب مايو 1969 مع إضافة سياسات التأميم والتوسع الحكومي، قبل أن تتعمق الأزمة بصورة أكبر خلال فترة الإنقاذ بعد 1989، حيث تم ربط الوظيفة العامة بالتمكين السياسي والحزبي.
أما ما حدث بعد 2018 فقد أدخل الخدمة المدنية في مرحلة أكثر تعقيداً، إذ جرى فصل آلاف العاملين تحت شعار إزالة التمكين ومحاربة رموز النظام السابق، مع إعادة عناصر أخرى سبق إبعادها خلال عقود الإنقاذ. وبعد إجراءات أكتوبر 2021 عاد عدد من المفصولين بقرارات قضائية، بينما استمر آخرون في مواقعهم الجديدة، مما خلق حالة من التكدس الوظيفي والترهل الإداري غير المسبوق في مؤسسات الدولة السودانية.
رغم انعقاد مؤتمر الخدمة العامة مطلع عام 2025، فإن نتائجه ظلت محدودة التأثير، بسبب ضعف الإعداد والاكتفاء بقيادات الخدمة الموجودين فى بورتسودان حينها ثم عدم تحويل التوصيات إلى سياسات تنفيذية واضحة.
لدينا الآن خدمة مدنية تعاني من :
١. ترهل إداري واضح انعكس على كفاءة الأداء وسرعة اتخاذ القرار.
٢. ضعف المرتبات بصورة لا تتناسب مع الظروف الاقتصادية الراهنة، خاصة بالنسبة للعمال والمعلمين وصغار الموظفين.
٣. اغتراب آلاف الموظفين خارج السودان مع استمرار احتفاظهم بمواقعهم الوظيفية.
٤. احتفاظ عدد من المنتدبين للدول الأخرى، خاصة في الخليج، بوظائفهم داخل السودان مع الاستفادة من امتيازات الانتداب، في ظل حالة الاضطراب التي تعيشها مؤسسات الدولة منذ 2018.
٤. استمرار التعيينات القائمة على المحاصصات السياسية والجهوية والقبلية، بما يمثل امتداداً لنهج التمكين القديم بصورة مختلفة.
المطلوب اليوم ليس مجرد معالجة جزئية، بل مشروع إصلاح شامل يعيد بناء الخدمة المدنية على أسس مهنية وقومية. ويتمثل ذلك فى :
١. إعادة هيكلة مؤسسات الدولة وتقليل عدد الوزارات والمناصب التنفيذية، مع حوسبة الأداء الحكومي وتقليص العمالة الزائدة، باستثناء قطاعات التعليم العالي والصحة.
٢. زيادة المرتبات بنسبة تتراوح بين 10% و100%، خاصة للفئات الضعيفة .
٣. مراجعة ملفات المنتدبين والوظائف الخارجية بصورة دقيقة وعادلة.
٤. تبني معايير الكفاءة والخبرة بديلاً عن المحاصصة السياسية والقبلية.

إن إصلاح الخدمة المدنية يمثل المدخل الحقيقي لاستعادة الدولة السودانية لعافيتها واستقرارها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى