“حصري: قاعدة الجيش الإثيوبي التي تدعم قوات الدعم السريع السودانية سرًا”
Mazin
تكشف ميدل إيست آي أن إثيوبيا تقدم دعماً سرياً لقوات الدعم السريع السودانية شبه العسكرية من قاعدة عسكرية تقع في إقليم بني شنقول-قمز بالبلاد.
وتُظهر صور أقمار صناعية حللتها وحدة الأبحاث الإنسانية التابعة لكلية الصحة العامة بجامعة ييل، واطلعت عليها «ميدل إيست آي» حصرياً، وعلى مدى عدة أشهر، نطاقاً واسعاً من الأنشطة التي تتسق مع تقديم دعم عسكري مزعوم لقوات الدعم السريع في قاعدة تابعة لقوات الدفاع الوطني الإثيوبية على أطراف مدينة أسوسا غرب البلاد.
ومنذ ديسمبر وحتى نهاية مارس، وبينما كانت قوات الدعم السريع تنفذ هجمات مكثفة عبر الحدود على مواقع الجيش السوداني في ولاية النيل الأزرق، شوهدت ناقلات سيارات تدخل وتخرج من قاعدة أسوسا وهي تحمل مركبات قتالية (تكنيكال)، كما ظهرت خيام قادرة على استيعاب ما يصل إلى 150 مقاتلاً، إلى جانب توزيع إمدادات.
وفي فبراير، تم رصد نحو 200 مركبة قتالية داخل القاعدة. وقد جرى تعديل مركبات تكنيكال غير مسلحة بإضافة قواعد لتركيب أسلحة قادرة على حمل رشاشات ثقيلة، كما شوهدت مركبات مماثلة لتلك التي كانت في أسوسا وسط معارك قوات الدعم السريع في النيل الأزرق.
وتربط صور الأقمار الصناعية، التي اطلعت عليها «ميدل إيست آي» أولاً وسيتم نشرها لاحقاً في تقرير لوحدة أبحاث ييل، إلى جانب صور ومقاطع فيديو منشورة على الإنترنت، بين ناقلات السيارات والمركبات الأخرى التي شوهدت في أسوسا ومدينة بربرة الساحلية في أرض الصومال، التي تضم قاعدة تديرها دولة الإمارات العربية المتحدة. كما يمكن رؤية مركبات تكنيكال بنفس اللون والحجم والتسليح في لقطات للقتال في وحول بلدة الكرمك الحدودية السودانية، التي تبعد نحو 100 كيلومتر فقط من القاعدة الإثيوبية، والتي سيطرت عليها قوات الدعم السريع وحلفاؤها من الحركة الشعبية لتحرير السودان–شمال في نهاية مارس بعد معارك عنيفة.
وقال ناثانييل ريموند، المدير التنفيذي لوحدة الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل، لـ«ميدل إيست آي»: “منذ خريف العام الماضي، كانت هناك مزاعم بأن إثيوبيا سمحت لقوات الدعم السريع بشن هجماتها على النيل الأزرق من داخل أراضيها”.
وأضاف: “هذا التقرير يمثل أول دليل بصري على صحة تلك المزاعم. بل إن الأمر أسوأ مما كان يُخشى في البداية، فالإثيوبيون لا يكتفون بمساعدة قوات الدعم السريع، بل يفعلون ذلك من داخل قاعدة عسكرية إثيوبية فعلية”.
وأكدت مصادر متعددة، من بينها ضباط حاليون وسابقون في الجيش الإثيوبي، ومحللون من الجيش والاستخبارات السودانية، ودبلوماسي أوروبي، ومستشار سابق بوزارة الخارجية الإثيوبية، لـ«ميدل إيست آي» وجود قاعدة تُستخدم من قبل قوات الدعم السريع في المنطقة النائية والمتأثرة بالحرب في بني شنقول-قمز، لكن موقعها ظل سراً محاطاً بالكتمان.
وقالت هذه المصادر إن الإمارات العربية المتحدة، التي تواصل نفي دعمها لقوات الدعم السريع رغم تزايد الأدلة، كانت عاملاً حاسماً في انخراط إثيوبيا في الحرب السودانية، التي اندلعت بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، وأدت إلى أكبر أزمة إنسانية في العالم، مع مقتل مئات الآلاف وتشريد أكثر من 11 مليون شخص.
وخلصت بعثة تقصي حقائق تابعة للأمم المتحدة مؤخراً إلى أن قوات الدعم السريع ارتكبت إبادة جماعية عند سيطرتها على مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور. وقال مدنيون فروا من المدينة لـ«ميدل إيست آي» إن مقاتلي الدعم السريع ارتكبوا عمليات اغتصاب وإعدام، وحتى سحب دم من رجال ونساء وأطفال أثناء محاولتهم الفرار.
وقال مستشار سابق بالحكومة الإثيوبية إن “كثيرين في وزارة الخارجية الإثيوبية وغيرها يعتقدون أن الإمارات هي من يدير المشهد في إثيوبيا فيما يتعلق بالحكومة السودانية وقوات الدعم السريع وإريتريا، خاصة فيما يتعلق بميناء عصب، منذ ما لا يقل عن عامين”.
ولم ترد قوات الدعم السريع ولا مكتب رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد ولا وزارة الخارجية الإثيوبية على طلبات التعليق من «ميدل إيست آي».
من جانبه، انتقد الأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبد الله، المستشار السابق لرئيس دولة الإمارات محمد بن زايد، ما وصفه بـ”استهداف الإمارات وحدها” بسبب دعمها لقوات الدعم السريع، مشيراً إلى أن هذه القوات “تتلقى دعماً من أوغندا وإثيوبيا وتشاد”. في المقابل، تتلقى القوات المسلحة السودانية معظم دعمها العسكري من تركيا ومصر.
هجمات من إثيوبيا على السودان
وفقاً لوحدة أبحاث ييل، يعود دعم قاعدة أسوسا لقوات الدعم السريع إلى 8 نوفمبر على الأقل من العام الماضي، عندما أظهرت صور الأقمار الصناعية وصول 15 شاحنة شحن إلى موقعين مختلفين.
بعد ذلك، شوهدت ناقلات سيارات تجارية غير تابعة للجيش الإثيوبي تتردد على القاعدة، حيث قامت بتفريغ مركبات تكنيكال بلغ عددها 200 مركبة في فبراير، وهي مركبات لا يستخدمها الجيش الإثيوبي. كما راقبت وحدة الأبحاث 14 قاعدة أخرى في المنطقة ولم تجد نشاطاً مماثلاً، ما يشير إلى أن قاعدة أسوسا حالة استثنائية.
وتُظهر مقاطع فيديو منشورة في أوائل نوفمبر ناقلات سيارات يُزعم أنها تنقل مركبات تكنيكال بيضاء وبلون رملي من ميناء بربرة في أرض الصومال، حيث توجد قاعدة إماراتية، إلى مقاتلي الدعم السريع العاملين من قواعد داخل إثيوبيا.
كما تظهر صور الأقمار الصناعية في 18 فبراير و29 مارس ناقلات سيارات داخل قاعدة أسوسا، متطابقة في اللون والحجم مع تلك التي ظهرت في الفيديوهات، بالإضافة إلى لقطات أخرى تظهر هذه الناقلات وهي تتجه شرقاً نحو أسوسا وهي تحمل مركبات مشابهة.
ويبدو أن نفس هذه المركبات ظهرت لاحقاً في صور ومقاطع فيديو خلال القتال في وحول مدينة الكرمك، التي تبعد نحو 100 كيلومتر من القاعدة.
وخلال نفس الفترة، ورغم الحرب التي أثرت على الإمارات، أظهرت بيانات تتبع الرحلات الجوية قيام عدة طائرات شحن من طراز IL-76 مرتبطة بالإمارات برحلات من أبوظبي إلى مطارات مختلفة في إثيوبيا، منها بحر دار في إقليم أمهرة، على بعد نحو 300 كيلومتر من أسوسا.
وفي مطار أسوسا، رُصدت طائرات نقل خلال فبراير ومارس، من بينها مروحية بطول 20 متراً يُرجح أنها من طراز MI-17، وطائرة شحن يُحتمل أنها من طراز C-130، وهو طراز تستخدمه الإمارات.
وفي الوقت الذي كانت فيه المركبات تتحرك من أسوسا نحو الكرمك، كان الجيش الإثيوبي ينفذ انتشاراً واسعاً لقواته شمالاً نحو إقليم تيغراي، على بعد أكثر من 1500 كيلومتر.
تصاعد الدور الإماراتي
في الوقت الذي شوهدت فيه المركبات تتحرك من بربرة إلى إثيوبيا، كانت التوترات تتصاعد بين الحكومة الصومالية في مقديشو وأبوظبي بسبب دعم الإمارات لأرض الصومال وبونتلاند.
وتُعد بربرة وبوصاصو جزءاً من شبكة قواعد إماراتية، تم تطويرها بالتعاون مع إسرائيل والولايات المتحدة، لتشكل حلقة نفوذ حول البحر الأحمر وخليج عدن، كما تُستخدم ضمن خطوط الإمداد لقوات الدعم السريع في السودان.
وفي 26 ديسمبر، أصبحت إسرائيل أول دولة تعترف رسمياً بسيادة أرض الصومال، وبدأت مناقشات حول إنشاء قاعدة إسرائيلية في بربرة.
وفي 12 يناير، ألغت الصومال جميع الاتفاقيات مع الإمارات، بما في ذلك تلك المتعلقة بموانئ بربرة وبوصاصو، ما جعل العلاقة مع إثيوبيا أكثر أهمية للإمارات.
ومنذ تولي آبي أحمد رئاسة الوزراء في 2018، تعززت العلاقات الاقتصادية والعسكرية بين إثيوبيا والإمارات بشكل كبير.
وأشار محللون إلى أن المصالح الجيوسياسية، إضافة إلى التوترات بين أديس أبابا وعبد الفتاح البرهان منذ حرب تيغراي، تمثل دوافع رئيسية لانخراط إثيوبيا في الصراع السوداني.
وفي 3 مارس، اتهمت الحكومة السودانية إثيوبيا علناً بالتورط في الحرب، بينما شنت قوات الدعم السريع في 25 يناير هجوماً واسعاً على مواقع الجيش السوداني في ولاية النيل الأزرق.
نشاط لوجستي مكثف
خلال الفترة من نهاية ديسمبر وحتى أواخر مارس، شهدت القاعدة نشاطاً مكثفاً شمل إنشاء خيام، حركة مركبات، وتوزيع إمدادات، وهو ما وصفته وحدة أبحاث ييل بأنه يتماشى مع عمليات دعم عسكري عالية الوتيرة.
تم جلب حاويات شحن متعددة، ونُشرت إمدادات، كما أُقيمت ما بين 5 إلى 15 خيمة تتسع لما يصل إلى 150 شخصاً. ولم يُرصد نشاط مشابه في قواعد إثيوبية أخرى بالمنطقة.
كما شوهدت مركبات نقل تجارية لا تشبه المستخدمة من قبل الجيش الإثيوبي تدخل وتغادر القاعدة بشكل متكرر.
وتُظهر صور 27 مارس 2026 ناقلة سيارات بيضاء تحمل مركبات خفيفة على طريق رئيسي شرق مدينة ميندي، التي تبعد نحو 95 كيلومتراً جنوب شرق أسوسا، وهي نقطة تربط طرقاً نحو بربرة شرقاً.
وتُظهر صور مارس نحو 40 ناقلة جند مدرعة محتملة، كما جرى تعديل مركبات التكنيكال لتركيب رشاشات ثقيلة من عيار 50.
وتضم القاعدة أيضاً خزانات وقود متعددة، ما يسمح بإعادة تزويد المركبات بالوقود بكميات كبيرة، على عكس مواقع أخرى أصغر.
وتتطابق المركبات التي ظهرت في صور الأقمار الصناعية مع تلك التي تستخدمها قوات الدعم السريع في عملياتها القتالية في النيل الأزرق.
واختتم تقرير وحدة أبحاث ييل بالقول: “تمثل أسوسا عقدة لوجستية رئيسية لأنشطة تتسق مع تقديم دعم عسكري من قوات الدفاع الإثيوبية لقوات الدعم السريع، وهي موقع مناسب لتوفير الإمدادات والوقود والإيواء والصيانة لهذه القوات”.