استناد.. البحث العلمي في خدمة الناس وصناعة السياسات في السودان

تقرير: إيلاف

في ظل التحديات المعقدة التي يواجهها السودان، خاصة في مرحلة ما بعد الحرب، يبرز دور المؤسسات البحثية الوطنية كأحد المفاتيح الأساسية لإعادة بناء الدولة على أسس علمية ومستدامة. وفي هذا السياق، تمثل مؤسسة “استناد” نموذجًا متقدمًا لمقاربات جديدة تربط بين المعرفة العلمية واحتياجات المجتمع، وتدفع نحو سياسات أكثر فاعلية وعدالة.

تأسست “استناد” في العام 2021 كمؤسسة بحثية سودانية متخصصة في مجالات الابتكار والعلوم والتكنولوجيا، واضعةً في صميم رؤيتها توظيف هذه الأدوات لتحقيق تنمية نافعة للمجتمعات. ومنذ انطلاقها، التزمت المؤسسة بإنتاج مخرجات سياساتية تستند إلى الأدلة، ومسنودة بالبيانات والخبرات العلمية، بما يسهم في دعم صناع القرار وتعزيز رفاه المواطنين.

وفي سياق هذا التوجه، أصدرت المؤسسة مؤخرًا ورقة سياسات جديدة بعنوان “تقنية الدفع الرقمي في السودان”، تناولت التحولات المتسارعة في النظام المالي في ظل الأزمات المتزامنة، وعلى رأسها الصراع المستمر وتغيير العملة في أواخر عام 2024، وما فرضه ذلك من ضغوط على المعاملات المالية. وتطرح الورقة قراءة تحليلية لمنظومة التكنولوجيا المالية في السودان، مستفيدة من أطر نظرية حديثة مثل “البنى التحتية الرقمية العامة”، لتقديم توصيات عملية تستهدف صناع السياسات والخبراء، بما يعزز الشمول المالي ويواكب الاتجاهات العالمية في هذا المجال.

منهج تشاركي.. إشراك المجتمعات في صنع القرار

ما يميز تجربة “استناد” هو تبنيها لمنهج تشاركي يقوم على إشراك المجتمعات المتأثرة بالسياسات العامة في عملية صياغتها، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن السياسات الفاعلة لا يمكن أن تُصنع بمعزل عن الناس.

وقد انعكس هذا التوجه عمليًا من خلال تعاون المؤسسة مع تجمع الأجسام المطلبية (تام)، حيث تم إنتاج عدد من أوراق السياسات عبر منهج البحث التشاركي، تناولت قضايا حيوية مثل السيادة الزراعية، وتنمية قطاع الرعي، وآثار التعدين، وسياسات الأراضي.

كما امتد نشاط المؤسسة إلى المجال المجتمعي المباشر، من خلال تنظيم فعاليات تفاعلية، من بينها ندوة حول التخطيط الحضري بمنطقة اليرموك جنوب الخرطوم، بالتعاون مع مكتبة اليرموك، ناقشت قضايا الحق في الخدمات وتأثير السياسات الحضرية على حياة السكان. وفي هذا السياق، برزت مساهمة الباحثة رزاز بشير من خلال ورقتها حول “أزمة السكن والخدمات: موقع الخرطوم من خارطة مدن العالم”، والتي تناولت أزمة الإسكان والخدمات في الخرطوم في ضوء تجارب مدن تاريخية ومعاصرة واجهت تحديات مماثلة، مقدمةً مقاربات متعددة لمعالجة هذه القضايا في السياق السوداني.

وفي إطار توسيع دائرة النقاش العام، تعاونت “استناد” مع قناة “سودان بكرة” الإعلامية المستقلة لإطلاق مشروع يهدف إلى تعميم النقاش المنهجي حول تحديات حوكمة التنمية في السودان، مع التركيز على قطاعات حيوية مثل الطاقة، والتصنيع، والزراعة، والتعدين.

كما عززت المؤسسة حضورها في مجال بناء القدرات من خلال تنظيم ورشة عمل لمدة يومين بعنوان “البحث الأكاديمي في مجالات العلوم والتكنولوجيا والمجتمع” في القاهرة خلال ديسمبر 2025، استهدفت مجموعة من الطلاب السودانيين، وقدمت لهم تدريبًا متقدمًا في نظريات إنتاج المعرفة، ومناهج البحث، والمقاربات التفكيكية للاستعمار في البحث، إلى جانب أدوات عملية تشمل البرمجيات والمنصات البحثية وفرص المنح، بما يسهم في إعداد جيل جديد من الباحثين القادرين على إنتاج معرفة مرتبطة بالسياق المحلي.

برامج استراتيجية تستجيب لواقع السودان

تعمل “استناد” عبر مجموعة من البرامج المتخصصة التي تعكس أولويات الاقتصاد السوداني واحتياجاته التنموية، من أبرزها:

برنامج نظم المعرفة: الذي يسعى إلى سد الفجوة بين إنتاج المعرفة وصنع السياسات، من خلال تعزيز البنية التحتية للبحث العلمي وتطوير سياسات قائمة على الأدلة.

برنامج عدالة الطاقة: ويركز على تطوير سياسات تحقق توزيعًا أكثر عدالة واستدامة لموارد الطاقة، خاصة في مجالي النفط والكهرباء.

برنامج السياسات الصناعية: الذي يدفع نحو بناء قطاع صناعي متقدم، قادر على خلق فرص عمل ذات قيمة مضافة عالية، وتعزيز القدرات التكنولوجية للاقتصاد.

برنامج نظم الزراعة والغذاء: ويهدف إلى تحويل هذا القطاع إلى ركيزة للاستقرار والسلام، مع إعطاء أولوية للمنتجين الصغار باعتبارهم العمود الفقري للأمن الغذائي.

وفي هذا الإطار، تندرج الورقة البحثية التي قدمتها الباحثة مزن النيل حول “تقييم متمحور حول الناس للسياسات الصناعية ما بعد الثورة في السودان (2019-2021)” ضمن جهود المؤسسة لإعادة التفكير في مسارات التنمية الصناعية، حيث تقدم تحليلًا نقديًا للسياسات التي تبنتها الحكومة الانتقالية، وتقيس مدى قدرتها على تحقيق تنمية تضع الإنسان في مركزها، مع التركيز على دور التكنولوجيا الملائمة في دعم هذا التوجه. وقد حظيت هذه الورقة باعتراف أكاديمي دولي، حيث قُدمت في المؤتمر العاشر للتكنولوجيا الملائمة، واختيرت ضمن أفضل الأوراق، كما تم ترشيحها للنشر في دورية علمية متخصصة.

نحو نموذج وطني للسياسات المبنية على الأدلة

لا تقتصر جهود “استناد” على البحث والإنتاج المعرفي، بل تمتد إلى بناء القدرات، وتعزيز قنوات التواصل بين مختلف الفاعلين، بما في ذلك الحكومة، والأوساط الأكاديمية، والقطاع الخاص، ومنظمات المجتمع المدني.

كما تعمل المؤسسة على تطوير مؤشرات تقييم للسياسات العامة تأخذ في الاعتبار الاستدامة والسياقات المحلية، وتضع منفعة المجتمعات في مقدمة الأولويات.

وفي سياق الانخراط في النقاشات البحثية الدولية، شارك فريق من باحثي المؤسسة في مؤتمرات أكاديمية بارزة، حيث قدم كل من مزن النيل، ومعز علي، وإيلاف الناير دراسة حول هياكل الدعم المتبادل في السودان، تناولت نشأة أنظمة تقديم الخدمات المجتمعية كآليات للنجاة في ظل النزاع، من غرف الاستجابة الطارئة إلى المطابخ الجماعية. وقد فتحت هذه المشاركة المجال لتبادل الخبرات مع شبكات دولية من الباحثين، والنقاش حول قضايا الحوكمة المحلية والتمويل المستدام، إضافة إلى طرح نماذج مبتكرة لإعادة تصور العمل الإنساني بما يعزز الاستقلالية والصمود المجتمعي.

أهمية دعم هذا التوجه

في ظل الحاجة المتزايدة إلى سياسات فعالة تعالج جذور الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، تبرز أهمية دعم هذا النوع من المؤسسات البحثية الوطنية، التي تجمع بين المعرفة العلمية والفهم العميق للواقع المحلي.

إن الاستثمار في مراكز مثل “استناد” لا يمثل فقط دعمًا للبحث العلمي، بل هو رهان استراتيجي على مستقبل التنمية في السودان، وعلى بناء دولة تستند قراراتها إلى الأدلة، وتضع الإنسان في قلب عملية التنمية.

ومع تزايد التحديات، تبدو مثل هذه المبادرات أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، باعتبارها جسورًا حقيقية بين المعرفة والسياسات، وبين الدولة والمجتمع.

Exit mobile version