رأي

جوهر أزمة السودان… غياب الولاء الوطني…هل التيار الاسلامي العريض الحل؟

إبراهيم إسماعيل

إذا كانت الحرب قد كشفت شيئًا بوضوح، فهي أن الأزمة الحقيقية في السودان هي أزمة انتماء وولاء وطني. فقد أثبتت التجربة أن كثيرًا من الأحزاب السياسية والتيارات الفكرية انشغلت لعقود ببناء الولاءات التنظيمية والقبلية، بينما تراجعت التربية الوطنية وغابت المعاني الجامعة التي تجعل الوطن فوق الحزب والقبيلة والأيديولوجيا.

ولم يقتصر هذا القصور على الأحزاب وحدها، بل امتد إلى عدد من مؤسسات التنوير التي كان يفترض أن تؤسس لثقافة وطنية راسخة. وبدلًا من ذلك، ظل الخطاب الوطني يظهر في مواسم الأزمات، ثم يتراجع سريعًا بمجرد انقضائها، وكأن القضايا الوطنية ليست سوى شعارات ترفع عند الحاجة.

وباعتبار أن حكومة الانقاذ حكمت البلاد لثلاثة عقود، فإنها تتحمل نصيبًا كبيرًا من المسؤولية السياسية والفكرية. فقد انشغلت، في تقديري، بالمشروع خارج حدود الوطن أكثر من انشغالها ببناء توافق وطني يستوعب المختلفين معها فكريًا. وكان الأولى أن تعمل على (تبيئة) أفكارها بما ينسجم مع الواقع السوداني، وأن تعيد قراءة المجتمع ومتغيراته، لا سيما تطلعات الشباب!!

ومن يتابع تجربة الرئيس المعزول عمر البشير يلحظ أن كثيرًا من الشباب أصحاب الرؤية الوطنية المنفتحة، والمؤمنين بالحوار وقبول الآخر، تعرضوا للتهميش أو وُصفوا بقلة الخبرة، رغم امتلاكهم أفكارًا متقدمة، خاصة أولئك الذين آمنوا بأن الفنون والثقافة جزء أصيل من مشروع نهضة السودان، وأنها ليست ترفًا، بل وسيلة لبناء الوعي والوحدة الوطنية.

وأذكر في هذا السياق حديثًا دار عقب عودة الأستاذ حسين خوجلي من رحلة علاج بروسيا،بمكتبه حين ناقش المهندس قصي محجوب محمد الحسن، الأمين العام للتيار الإسلامي العريض، فكرة تكوين تحالف إسلامي وطني عريض. كما لفت انتباهي موقف المهندس قصي في حوار صحفي تقريبا عام 2018، حين أبدى رأيًا إيجابيًا تجاه انعقاد مؤتمر الحزب الشيوعي بقاعة الصداقة، واشاد
ورأى أن الإسلاميين يمكنهم الاستفادة من تجربتهم في التنظيم والعمل السياسي. وهو موقف يعكس غياب الهواجس النفسية والفكرية تجاه القوى السياسية الأخرى، وإيمانًا بالحوار الوطني.

وليس ذلك فحسب، فقد كان للمهندس قصي، منذ عام -2017- 2018رأي في إدارة الدولة، وكان يستحضر مقدمات ابن خلدون وتحذيراته من ظواهر شبيهة بالانكشارية وخطرها على استقرار الدولة
السودانية

واليوم، وبعد الحرب الوجودية التي يخوضها السودان، تبدو الحاجة ملحة لأن يتحول التيار الإسلامي، شأنه شأن بقية القوى السياسية، إلى تيار وطني خالص، يتصالح مع الفنون بكل أشكالها، وينفتح على الشباب، ويقدم مشروعًا سودانيًا جامعًا، لا مشروعًا تنظيميًا (مغلقًا)

لقد أثبتت هذه الحرب أن من يقاتل دفاعًا عن السودان إنما يفعل ذلك لأنه سوداني، لا لأنه ينتمي إلى حزب أو تيار. وهذه الحقيقة ينبغي أن تكون نقطة الانطلاق لبناء دولة يكون فيها الوطن هو الانتماء الأول والأخير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى