تقرير: صراع الرؤى حول “المحو الحضاري” للغرب

إعداد: قراءة سياقية في أطروحة فريد زكريا

المدخل: الغرب بين “الجوهر” و”المظهر”

يرى فريد زكريا أن النقاش الراهن في السياسة الأمريكية يمثل انقساماً وجودياً حول تعريف الغرب. فبينما يرى تيار “MAGA” (ترامب، فانس، وحلفاؤهم) أن الغرب هو “متحف للتراث” يجب حمايته من المؤثرات الخارجية، يجادل زكريا بأن الغرب هو “آلية للحكم” يجب حمايتها من التغول الداخلي.

أولاً: المقارنة الهيكلية (النموذج المؤسسي vs النموذج الهوياتي)

لإدراك عمق التحليل، يجب فهم الفرق بين الغرب الذي يدافع عنه زكريا، والغرب الذي تروج له الإدارة الحالية:

| وجه المقارنة | رؤية فريد زكريا (الغرب المؤسسي) | رؤية إدارة ترامب (الغرب الهوياتي) |

|—|—|—|

| مصدر القوة | تقييد سلطة الدولة (Rule of Law). | قوة الدولة في فرض النظام (Law and Order). |

| تعريف الهوية | “عقد” يحمي الحقوق الفردية والتعددية. | “إرث” عرقي وثقافي مهدد بالذوبان. |

| دور المؤسسات | أجسام مستقلة (جامعات، إعلام، قضاء) توازن السلطة. | أدوات يجب تطهيرها أو إخضاعها لخدمة الأجندة الوطنية. |

| العدو الحقيقي | السلطة المطلقة وغير المقيدة (Unbounded Power). | الهجرة، العولمة، و”اليسار الراديكالي”. |

ثانياً: دمج التحليل السردي (آليات التآكل المؤسسي)

يؤكد زكريا أن “المحو الحضاري” الذي يخشاه المحافظون في أوروبا، تمارسه الإدارة فعلياً في أمريكا عبر تدمير الركائز التي جعلت الغرب استثنائياً منذ الماجنا كارتا:

  1. تحويل السياسة إلى جناية (The Criminalization of Dissent)

من أخطر النقاط التي دمجها زكريا هي استيراد “منطق المجر وروسيا”. فبدلاً من تفنيد آراء المعارضين، يتم توظيف أجهزة الدولة للتحقيق معهم بتهم “الابتزاز” أو “الإرهاب”. هذا التحول يحول المعارضة من فعل ديمقراطي إلى مخاطرة أمنية، وهو ما ينسف مفهوم “السوق الحرة للأفكار”.

  1. الاقتصاد المحسوبي وتآكل الرأسمالية

هنا تبرز المقارنة مع الأنظمة السلطوية؛ ففي الغرب التقليدي، القواعد ثابتة للجميع. أما في نهج الإدارة الحالي، يتحول الاقتصاد إلى “نظام رعاية”. عندما يضطر رؤساء الشركات لمقايضة مواقفهم السياسية مقابل الحصول على الموافقات التنظيمية، فإن الغرب يفقد ميزته الأخلاقية والعملية كبيئة استثمارية آمنة ومستقلة.

  1. الحصار على “أنظمة الإنذار المبكر”

يعتبر زكريا أن الهجوم على الإعلام، الجامعات، ونقابات المحامين ليس مجرد معارك جانبية، بل هو هدم لـ “أنظمة الإنذار المبكر” في المجتمع الحر. عندما تُهدد شركة محاماة بسبب هوية موكليها، أو تُحاصر جامعة بسبب ميزانيتها، فإن الدولة تعلن أن “الحقوق مشروطة بالولاء السياسي”.

ثالثاً: الاستنتاج.. الانتحار باسم الحماية

إن الخلاصة التي يدمجها زكريا في تحليله هي “مفارقة الحماية”؛ ففي محاولة الإدارة لحماية الغرب من “الآخر” (المهاجر أو الثقافة المختلفة)، تقوم بهدم “الذات” الغربية (المؤسسات الدستورية).

إن الغرب، كما صاغه زكريا، ليس سلالة دم بل هو مقايضة كبرى: “سلطة مقيدة مقابل حرية محمية”. وبمجرد أن يكسر الحاكم هذا القيد، ويتحول من خادم للقانون إلى صانع له، فإن الغرب يتوقف عن كونه “غرباً” ويصبح مجرد مجتمع تاريخي آخر يحكم فيه القوي الضعيف.

الخاتمة: رسالة زكريا الأخيرة

المحو الحضاري لا يأتي دائماً من الخارج عبر الحدود، بل قد يأتي من الداخل عبر المكاتب البيضاوية والقوانين الاستثنائية. التهديد الحقيقي ليس في “تسامح” الغرب، بل في رغبته المفاجئة في أن يكون “غير غربي” في ممارسته للسلطة.

Exit mobile version