بين تضحيات الميدان والمسؤولية السياسية: لا حصانة لأحد
Mazin
حامد التجاني علي
كلما دارت معركة، قلّ أن يمر يوم دون أن يصلنا خبر فقد عزيز، وهذا حال معظم أهلنا. لقد جاءت هذه الحرب بتكاليف بشرية واجتماعية باهظة، ودفع أهل السودان، وخاصة أهل دارفور، ثمناً لا يُحتمل من الدماء والنزوح وفقدان الأمن والاستقرار.
صمتنا في كثير من الأحيان حتى لا نخلق تشويشاً على أبطال القوات المشتركة وقواتنا المسلحة وهم يقاتلون بشرف واقتدار من أجل تحقيق أهدافهم، وهزيمة المليشيا، والوصول إلى سلام يحفظ كرامة الوطن وأمن مواطنيه؛ فالغاية في نهاية المطاف هي انتصار السودان، سلماً أو حرباً.
لكن هذا الصمت لا ينبغي أن يمتد إلى القيادات السياسية التي تدّعي تمثيلنا، في وقت يعيش فيه مجتمعنا انهياراً اجتماعياً واقتصادياً وإنسانياً غير مسبوق. فمن حقنا، بل من واجبنا، أن نحاسب هذه القيادات على أدائها ومواقفها، وبصفة خاصة في كل ما يتعلق بشبهات الفساد المالي والسياسي، واستغلال معاناة الناس لتحقيق مكاسب شخصية أو سياسية. فلا يمكن أن نطالب أهلنا بمزيد من التضحيات، بينما تغيب الشفافية والمساءلة ويُهدر المال العام.
ومما يبعث على بالغ الأسى أن تفتقر بعض هذه القيادات إلى أدنى درجات التقدير والوفاء لتضحيات شبابنا، وهي تضحيات قلّ أن شهد التاريخ السوداني الحديث لها مثيلاً. وما يزيد الأسى مرارةً أن تتسابق بعض القيادات على اقتسام الغنائم، والانغماس في الفساد والمحسوبية والثراء غير المشروع، دون وازع وطني أو أخلاقي، في الوقت الذي يتساقط فيه شبابنا في ساحات القتال، تاركين خلفهم أيتاماً وأرامل وأُسراً مكلومة لا تجد رعاية مؤسسية تحفظ كرامتها، ولا يداً إنسانية تمتد إليها لتخفف وطأة فقدان من جادوا بأرواحهم دفاعاً عن الوطن.
إن ما يجري يمثل، بكل المقاييس، خيانةً للأمانة الوطنية والإنسانية. وحتى من يطلقون على أنفسهم حكومة الأمل، فإنهم مطالبون بأن يبرهنوا بالفعل، لا بالشعارات، أنهم على قدر هذه المسؤولية التاريخية. فلا يجوز الانشغال بالمصالح الشخصية والأسرية، بينما يُترك المقاتلون الذين يبذلون أرواحهم من أجل الوطن وأسرهم أسرى لوعود مؤجلة لا تجد طريقها إلى التنفيذ.
وكان الأجدر بالقيادة السياسية والمدنية أن تكون السند الحقيقي لمن يقفون في ساحات القتال، لا بالشعارات والوعود، وإنما من خلال أداء حكومي كفء، ومؤسسات خدمية فاعلة، ونزاهة وشفافية في إدارة المال العام، ومحاسبة صارمة للفساد والمحسوبية، ورعاية حقيقية وكريمة لأسر الشهداء والمقاتلين الوطنيين.
إن احترام تضحيات الميدان لا يعني منح حصانة سياسية لأحد، ولا ينبغي أن تتحول الحرب إلى ذريعة لتعطيل المساءلة أو إسكات النقد. بل إن عِظم التضحيات يفرض علينا مسؤولية أكبر في السؤال: كيف تُدار الدولة؟ وأين تذهب مواردها؟ ومن يتحمل مسؤولية الإخفاق والفساد؟ ومن يرعى أسر الذين دفعوا حياتهم ثمناً لبقاء الوطن؟
في ظل الكارثة الإنسانية والاجتماعية التي يعيشها أهلنا في مختلف بقاع السودان، يجب أن تكون المحاسبة والشفافية وصون المال العام وكرامة الإنسان في مقدمة أي مشروع لبناء الدولة ومستقبلها. فالدولة التي نريدها بعد هذه الحرب لا ينبغي أن تعيد إنتاج الممارسات ذاتها التي أسهمت في أزمات السودان، وإنما يجب أن تقوم على سيادة القانون، وكفاءة المؤسسات، والمساواة، والعدالة، والمساءلة دون حصانة لأحد.
فمن يطلب من الشباب أن يدفعوا ثمن الوطن بأرواحهم، عليه أن يكون أميناً على تضحياتهم. ومن يتصدر لقيادة الناس وتمثيلهم، عليه أن يقبل المحاسبة أمامهم. فلا قداسة في السياسة، ولا حصانة من المساءلة، ولا معنى للنصر إن لم يؤسس لدولة تحفظ كرامة من ضحوا من أجلها.