بورصة الخرطوم الجديدة.. كيف تواكب العالم وتموّل مستقبل السودان؟
Mazin
د. مروة فؤاد قباني
لم تكن عودة سوق الخرطوم للأوراق المالية إلى التداول مجرد خبر اقتصادي عابر، ولا مجرد استعادة لنشاط توقف بفعل الحرب. فالعودة المرتقبة للسوق الثانوي بعد نحو ثلاث سنوات من التوقف تفتح سؤالاً أكبر وأكثر أهمية: هل تعود بورصة الخرطوم بالشكل الذي كانت عليه قبل الحرب، أم تستغل هذه اللحظة لبناء بورصة جديدة تواكب التحولات العالمية وتصبح أداة لتمويل مستقبل السودان؟
الإجابة، في تقديري، يجب أن تكون واضحة: السودان يحتاج إلى بورصة جديدة، لا إلى مجرد إعادة تشغيل البورصة القديمة.. فالحرب لم تتسبب فقط في توقف التداول، وإنما كشفت الحاجة إلى إعادة بناء البنية المالية السودانية بصورة أكثر مرونة وقدرة على مواجهة الأزمات، وأكثر اعتماداً على التكنولوجيا والرقمنة والحوكمة.
من بورصة التداول إلى سوق رأس المال:
يمتلك السودان تجربة تمتد لأكثر من ثلاثة عقود في مجال سوق الأوراق المالية. فقد صدر قانون سوق الخرطوم للأوراق المالية عام 1994، وبدأ السوق الأولي نشاطه في أكتوبر من العام نفسه، بينما انطلق التداول في السوق الثانوي في يناير 1995.
ومنذ ذلك الوقت تطورت تجربة السوق، وظهرت أدوات استثمارية مختلفة، وأُدخل مؤشر سوق الخرطوم، كما انتقل التداول تدريجياً من الأساليب التقليدية إلى التداول الإلكتروني.. لكن الأسواق العالمية تطورت بوتيرة أسرع.
فالبورصة الحديثة لم تعد مجرد مكان لتنفيذ أوامر شراء وبيع الأسهم، وإنما أصبحت جزءاً من منظومة مالية متكاملة تضم التداول والإفصاح والإيداع المركزي والمقاصة والتسوية والحفظ وإدارة المخاطر والرقابة وتحليل البيانات..ومن هنا تبدأ فرصة الخرطوم الجديدة.
إعادة البناء فرصة لا تتكرر:
استئناف التداول بعد الحرب يجب أن يُنظر إليه باعتباره نقطة انطلاق لإعادة بناء سوق رأس المال السوداني.. فالسودان يدخل مرحلة تحتاج إلى استثمارات ضخمة في الزراعة والصناعة والطاقة والتعدين والاتصالات والنقل والإسكان والبنية التحتية.. ولا يمكن للمصارف وحدها أن تتحمل تمويل كل هذه الاحتياجات.
وهنا تظهر أهمية البورصة باعتبارها قناة لتعبئة المدخرات وتحويلها إلى استثمارات طويلة الأجل.. فالسوق الأولي يوفر للشركات فرصة الحصول على رأس المال، بينما يمنح السوق الثانوي المستثمر القدرة على التخارج وتحويل استثماره إلى سيولة.. وبذلك تتحول البورصة من مجرد منصة للتداول إلى أداة لتمويل الإنتاج وإعادة الإعمار والنمو الاقتصادي.
«بورصة الخرطوم 2.0» تبدأ من التحول الرقمي:
أولى خطوات التطوير يجب أن تكون بناء بورصة رقمية متكاملة.. فالمستثمر اليوم يريد الوصول إلى السوق من هاتفه أو جهازه، والاطلاع على الأسعار والبيانات، وإدارة محفظته وتنفيذ معاملاته إلكترونياً.. و لذلك يجب تطوير منصة رقمية حديثة توفر للمستثمرين والوسطاء خدمات متكاملة، وتتيح الإفصاح الإلكتروني، ونشر الأسعار والبيانات بصورة سريعة، وربط السوق بالمصارف وشركات التقنية المالية من خلال واجهات تقنية آمنة.. المطلوب إذن ليس مجرد تداول إلكتروني، وإنما اقتصاد رقمي لسوق رأس المال.
البورصة والمصارف والمدفوعات.. منظومة واحدة:
من أهم الفرص المتاحة أمام السودان اليوم إمكانية ربط سوق رأس المال بالتطور الجاري في القطاع المصرفي والمدفوعات الإلكترونية.. فعودة المحول القومي للمدفوعات، وتطور الخدمات المصرفية الإلكترونية، يمكن أن يسهما في بناء منظومة مترابطة تبدأ من الحساب المصرفي وتنتهي بتسوية الاستثمار.
هذا التكامل يقلل الإجراءات اليدوية، ويخفض التكلفة، ويسرع تنفيذ وتسوية العمليات، ويجعل الاستثمار أكثر سهولة وأماناً.
الإيداع والمقاصة والتسوية.. قلب السوق:
قد يركز البعض على التداول باعتباره أهم مكونات البورصة، لكن الأسواق الحديثة تعتمد على منظومة أوسع.. فبعد تنفيذ الصفقة تأتي مرحلة التأكد من ملكية الأوراق المالية وتسوية الأموال ونقل الملكية وحفظ الأصول.. لذلك فإن تطوير الإيداع المركزي والمقاصة والتسوية والحفظ يجب أن يكون من الأولويات الأساسية في المرحلة المقبلة.. فكلما كانت هذه المنظومة أكثر سرعة وأماناً، ارتفعت كفاءة السوق وانخفضت المخاطر.
السوق الأولي يحتاج إلى ثورة:
إذا كان السوق الثانوي يمنح المستثمر السيولة، فإن السوق الأولي هو الذي يوفر التمويل للشركات.. ولهذا فإن تطوير البورصة يجب أن يترافق مع برنامج واسع لزيادة عدد الشركات المدرجة.. فالسودان يحتاج إلى إدخال شركات قوية في قطاعات الزراعة والتعدين والطاقة والاتصالات والصناعة والنقل والخدمات اللوجستية والبنية التحتية.
كما يمكن تشجيع الشركات الخاصة والعائلية المؤهلة على التحول إلى شركات مساهمة عامة، بما يتيح لها الوصول إلى رأس المال بدلاً من الاعتماد الكامل على التمويل المصرفي.
الصكوك والتمويل الإسلامي.. ميزة سودانية:
يمتلك السودان تجربة طويلة في مجال التمويل الإسلامي، وهذه الخبرة يمكن تحويلها إلى ميزة تنافسية لسوق الخرطوم.. فإلى جانب الأسهم، يمكن تطوير سوق للصكوك وصناديق الاستثمار وأدوات تمويل البنية التحتية والصكوك الخضراء وغيرها من المنتجات التي تتناسب مع احتياجات الاقتصاد السوداني.
وقد يكون الجمع بين التمويل الإسلامي والتكنولوجيا المالية والسوق الرقمي فرصة حقيقية لخلق نموذج سوداني قادر على المنافسة إقليمياً.
الثقة تبدأ من الحوكمة:
لن تنجح البورصة بالتكنولوجيا وحدها.. فالمستثمر يريد أن يعرف أين يضع أمواله، وما حقيقة الشركة التي يستثمر فيها، وما المخاطر، وكيف يتم حماية حقوقه.. لذلك يجب تعزيز الحوكمة والإفصاح والرقابة، وتطوير منصة إلكترونية موحدة لإفصاحات الشركات، مع تشديد الرقابة على التلاعب بالأسعار والتداول بناءً على المعلومات الداخلية.. فالثقة هي رأس المال الحقيقي لأي سوق مالي.
الذكاء الاصطناعي يدخل قاعة التداول:
يمكن لسوق الخرطوم أن يستفيد من أحدث التقنيات العالمية في بناء نظام رقابي أكثر ذكاءً.. فالذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات يمكن أن يساعدا في اكتشاف التداولات غير الطبيعية، ورصد محاولات التلاعب، وتحليل تحركات السيولة، والتعرف على الأنماط التي يصعب اكتشافها بالوسائل التقليدية.. وبذلك تنتقل الرقابة من متابعة المخالفة بعد وقوعها إلى الرقابة الاستباقية.
المستثمر السوداني في الخارج.. فرصة استثمارية كبيرة:
يمثل السودانيون في الخارج مصدراً مهماً لرأس المال.. ومن الممكن إنشاء منصات استثمار رقمية تتيح للمغتربين الوصول إلى سوق الخرطوم والاستثمار في الأسهم والصكوك وصناديق الاستثمار وفق أطر قانونية واضحة.
والهدف هو تحويل جزء من المدخرات الخارجية من تحويلات للاستهلاك إلى رأس مال طويل الأجل يساهم في الإنتاج وإعادة الإعمار.
من التعاون الإقليمي إلى الاندماج العالمي:
يمتلك سوق الخرطوم علاقات وعضويات إقليمية وعربية وأفريقية، وهذه قاعدة مهمة يمكن البناء عليها.. لكن المرحلة المقبلة يجب أن تنتقل من مجرد التعاون إلى تطوير مستويات أكبر من التكامل والربط مع أسواق المال الإقليمية والدولية.
فالسوق السوداني يحتاج إلى أن يصبح أكثر قدرة على جذب المستثمرين المؤسسيين، واستقطاب رأس المال الخارجي، وتوفير بيئة استثمار تتوافق تدريجياً مع المعايير الدولية.
الإنسان قبل التكنولوجيا:
التكنولوجيا مهما تطورت لا تستطيع وحدها بناء سوق ناجح.. هناك حاجة إلى كوادر متخصصة في أسواق المال، والتداول الإلكتروني، والتحليل المالي، وإدارة المخاطر، والأمن السيبراني، والحوكمة، والتكنولوجيا المالية والذكاء الاصطناعي.
كما يجب نشر الثقافة الاستثمارية بين المواطنين، لأن توسيع قاعدة المستثمرين يتطلب فهماً حقيقياً للأسهم والصكوك وصناديق الاستثمار والمخاطر والعوائد.
التحدي الحقيقي ليس:
متى تعود بورصة الخرطوم؟
بل هو:
كيف نجعل عودتها بداية لبورصة سودانية جديدة، رقمية، شفافة، آمنة، قادرة على جذب رأس المال وتمويل الإنتاج وإعادة الإعمار؟
إن السودان لا يحتاج إلى استعادة بورصة الأمس، وإنما إلى بناء بورصة المستقبل؛ بورصة تكون التكنولوجيا فيها وسيلة، والحوكمة أساساً، والثقة رأس مالها، والسيولة محركها، والاستثمار المنتج هدفها.
وعندها لن تكون بورصة الخرطوم مجرد سوق لتداول الأوراق المالية، بل ستصبح أحد المحركات الرئيسية لاقتصاد السودان الجديد، وأداة لتحويل المدخرات إلى استثمارات، والاستثمارات إلى إنتاج، والإنتاج إلى نمو وفرص عمل ومستقبل أكثر استدامة.