رأي

برلين والسودان: بين الدبلوماسية الرمزية وإدارة النفوذ من خارج الشرعية!؟

السفير.د. معاوية البخاري

في توقيت بالغ الحساسية من تاريخ السودان، والحرب تدخل عامها الرابع بحلول ١٥ أبريل الجاري، تختار المانيا ان ينعقد مؤتمر برلين دون دعوة الحكومة السودانية، ودون توافق وطني، وفي ظل رفض رسمي وشعبي واسع. هذه المفارقة تطرح سؤالاً مركزياً: لماذا تصر ألمانيا على عقد مؤتمر بشأن السودان في غياب الدولة نفسها؟ وما الذي يعكسه هذا السلوك من مقاصد تتجاوز العناوين المعلنة، الي التدخل في الشأن الداخلي ومحاولة فرض الإرادة والأجندات ؟

من حيث الشكل، يبدو المؤتمر وكأنه امتداد لنهج دولي متسق يسعى إلى “تنسيق الجهود” تجاه الأزمات، بغطاء إنساني، لكنه من حيث المضمون يعكس تحوّلاً أكثر عمقاً في إدارة الملف السوداني: نقل مركز القرار من الداخل إلى الخارج، ومن مؤسسات الدولة إلى شبكات التأثير الدولية، بما في ذلك المنظمات، والخبراء، وبعض الفاعلين غير الرسميين.

أولاً: تجاوز الدولة… أم إعادة تعريفها؟

تصريح رئيس الوزراء السوداني  د ادريس بأن الحكومة “غير معنية بمخرجات المؤتمر” يكشف عن أزمة مزدوجة: شرعية داخلية قائمة بسند شعبي يقاوم محاولات الخارج للبقاء ودحر التمرد وتداعياته المريرة بفعل الحرب، وشرعية خارجية زائفة يجري إعادة تشكيلها عبر منصات دولية. حين يُعقد مؤتمر دولي دون الدولة المعنية، فذلك لا يعني فقط تهميشها، بل قد يشير إلى محاولة إعادة تعريف من يمثلها، ومن يملك حق التحدث باسمها، وطرح ملف الشرعية والسيادة على النحو الذي يديره الغرب وجهود حامل القلم المتكررة في ذات النهج بريطانيا وفرنسا داخل مجلس الامن وخارجه … وفي السودان بقيادة فولكر بيرتس عبر يونيتامس.

هذا النمط ليس جديداً في الحالة السودانية؛ فقد سبق أن شهدت مراحل انتقالية تم فيها توسيع دائرة الفاعلين على حساب مؤسسات الدولة، الفترة التي لازمت (الثورة). وهو ما بلغ ذروته خلال عمل بعثة الامم المتحدة المتكاملة لدعم المرحلة الانتقالية في السودان بقيادة الالماني فولكر بيرتس ، حيث تحولت البعثة من دور داعم إلى فاعل سياسي مباشر في هندسة العملية السياسية برمتها مع التمرد وشركائه بالداخل والخارج ووجهت بوصلتها لهذا الهدف حتي الاتفاق الإطاري والحرب.

ثانياً: ألمانيا… من الوساطة إلى هندسة المسارات

لا يمكن قراءة السلوك الألماني بمعزل عن تاريخ طويل من الانخراط في الملف السوداني، سواء عبر الدعم الإنساني، أو رعاية الحوارات، أو استضافة الفاعلين السياسيين والمسلحين من الجنوب وولايات دارفور الكبرى . لكن الجديد اليوم هو الانتقال من دور الوسيط إلى ما يمكن تسميته بـ”هندسة المسارات”.

فألمانيا، بوصفها قوة أوروبية كبرى، تدرك أن النفوذ في أفريقيا – والسودان تحديداً – لا يُبنى فقط عبر الحكومات، بل عبر المجتمعات المحلية، ومنظمات المجتمع المدني، والشبكات البحثية. من هنا، يمكن فهم الحضور الألماني الممتد في مناطق مثل وادي هوار بدارفور وغيرها تحت مظلة العمل الأنثروبولوجي، والذي يتجاوز البعد الأكاديمي إلى بناء معرفة دقيقة بالبنية الاجتماعية والقبلية، ومستقبل الثروة والسلطة بالبلاد، وهي معرفة تُعد أداة استراتيجية في إدارة النزاعات.

ثالثاً: المعرفة كأداة نفوذ

العمل الأنثروبولوجي ليس بريئاً دائماً في سياقات الصراع. فالدراسات الميدانية التي تُجرى لعقود تتيح فهماً عميقاً للتركيبة الاجتماعية، وأنماط الولاء، ومسارات النزاع، وهو ما يمكن توظيفه لاحقاً في تصميم تدخلات سياسية أو إنسانية ذات أثر بالغ والمانيا بارعة فيه .

في هذا السياق، يصبح السؤال: هل تسعى ألمانيا إلى إنتاج “خريطة اجتماعية” للسودان تُستخدم كبديل عن الدولة المركزية؟ وهل يتحول الفاعلون المحليون – من قبائل وحركات مسلحة – إلى شركاء مباشرين في هذه الرؤية، على حساب الدولة الوطنية؟ وهل هي داعمة لانفصال يجري من خلف الكواليس الخ!؟كلها أسئلة مشروع حين تتجاوز دولة مباديء التعامل الندي بين الدول والأمم.

رابعاً: مؤتمر بلا حكومة… لمن تُكتب المخرجات؟

حين يُعقد مؤتمر دون الحكومة، فإن مخرجاته غالباً ما تُصاغ لتخاطب فاعلين آخرين: منظمات دولية، مانحين، قوى إقليمية ومحلية، وربما حتى كيانات موازية. وهذا يعيد إنتاج نموذج “الإدارة الدولية للأزمات”، حيث تُدار الدول الهشة عبر شبكات خارجية، بدلاً من تمكين مؤسساتها.

في هذه الحالة، لا يكون الهدف بالضرورة فرض حلول مباشرة، بل خلق واقع جديد يجعل من هذه المخرجات مرجعاً معترفاً به دولياً، حتى وإن رفضته الحكومة. ومع الوقت، قد تجد الدولة نفسها مضطرة للتعامل مع هذا الواقع، خاصة إذا ارتبط بالتمويل أو الاعتراف الدولي.

خامساً: بين التاريخ والراهن… هل تغيرت الأجندة؟

يرى كثيرون أن ألمانيا ظلت حاضنة لبعض الحركات المسلحة، وأن دورها لم يتغير بتغير الأنظمة في السودان. ورغم أن هذا الطرح له سنده من وقائع التاريخ والبنوة الألمانية للعديد من القيادات والمجموعات عبر هيرمانسبورغ وفلوتو وفريدريش ليبرت وسلسة مؤتمرات ودراسات مشهودة بالمدن الألمانية إلى يومنا هذا ، إلا أنه يعكس شعوراً واسعاً بعدم الثقة في النوايا الدولية خاصة الاوربية.

الحقيقة أن السياسة الخارجية لأي دولة تُبنى على المصالح، لا على الأنظمة. ومن هذا المنظور، فإن ما يبدو ثباتاً في “الأجندة الألمانية” قد يكون في الواقع ثباتاً في المصالح: الاستقرار الإقليمي، الحد من الهجرة غير النظامية، مكافحة الإرهاب، وضمان الوصول إلى الموارد.

سادساً: كيف يمكن قراءة الإصرار الألماني؟

الإصرار على عقد المؤتمر رغم الرفض والحملة الدبلوماسية والإعلامية ، يمكن تفسيره بعدة مستويات:

•رسالة سياسية: أن المجتمع الدولي لن ينتظر توافقاً داخلياً قد يطول.

•إعادة تموضع: محاولة لقيادة الجهد الأوروبي في الملف السوداني.

•إدارة المخاطر: خاصة ما يتعلق بالهجرة والأمن الإقليمي والمصالح الذاتية.

•اختبار البدائل: البحث عن شركاء جدد داخل السودان في ظل ضعف وهشاشة البنية التي عليها الدولة والنظام السياسي جراء الحرب ، على نحو ما بتصورنه.

خاتمة: بين السيادة والفراغ

ما يجري ليس مجرد خلاف دبلوماسي حول مؤتمر، بل هو تعبير عن أزمة أعمق تتعلق بمفهوم السيادة في الدول الهشة. فحين تضعف الدولة، تتقدم الأطراف الخارجية لملء الفراغ،  بدوافع عدائية، أو بدافع حماية مصالحها.

لكن الخطر يكمن في أن يتحول هذا “الملء” إلى إعادة تشكيل دائمة للدولة من الخارج، بما يفقدها قدرتها على استعادة زمام المبادرة الداخلية، والقدرة على الصمود.

في النهاية، لا يمكن للسودان أن يواجه هذا النمط من التدخل الخارجي إلا عبر استعادة تماسكه الداخلي، وبناء مؤسسات قادرة على التفاوض من موقع قوة. فالعالم لا ينتظر الدول الضعيفة، بل يعيد تشكيلها وتوجيه بوصلتها على شاكلة ما جرى في المانيا وقبلها في بريطانيا.

في مواجهة مؤتمر برلين، لا يكفي أن تكتفي الدولة السودانية برفضٍ لفظي أو تنديدٍ دبلوماسي تقليدي، فهذه أدوات استُهلكت ولم تعد رادعة في سياق دولي يتقدّم فيه الفعل على الموقف. المطلوب هو الانتقال إلى مستوى “الفعل السيادي المنظَّم” الذي يضع كلفة سياسية وقانونية لأي مسار يتجاوز الدولة أو يحاول الالتفاف عليها. ويمكن للسودان،

أولاً، أن يدوّل موقفه لا عبر الشكوى، بل عبر المبادرة؛ بطرح ملف متكامل أمام المنابر متعددة الأطراف كانت إقليمية او دولية  يحدّد بوضوح حدود الشرعية الدولية في التعاطي مع الأزمات الداخلية للدول، ويُعيد تعريف مبدأ “عدم تجاوز الحكومات المعترف بها” كخط أحمر، مستندًا إلى قواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة والمنظومات الاقليمية التي ينتمي اليها.

وثانيًا، الانتقال من ردّ الفعل إلى بناء تحالفات مانعة، عبر تنسيق موقف إفريقي–عربي – إسلامي مشترك يرفض إنتاج منصات بديلة تتحدث باسم الدول دون تفويضها، بما يحوّل أي محاولة أوروبية منفردة إلى عبء دبلوماسي لا مكسبًا سياسيًا.

وثالثًا، استخدام أدوات الضغط المتاحة—السياسية والاقتصادية—بشكل ذكي، عبر إعادة تقييم أنماط التعاون الثنائي مع الدول المنخرطة في هذه المسارات، وربطها بمستوى احترامها لسيادة السودان ووحدته، بما يبعث برسالة واضحة أن تجاوز الدولة ليست له كلفة صفرية.

ورابعًا، وهو الأهم، استعادة زمام المبادرة داخليًا؛ فكل فراغ في الشرعية أو التماسك الوطني يُملأ خارجيًا. إن بناء جبهة داخلية متماسكة، ورؤية وطنية جامعة، ومؤسسات فاعلة، هو خط الدفاع الأول ضد أي تدويل انتقائي أو وصاية مقنّعة.

بهذا المعنى، فإن معركة السودان ليست فقط ضد مؤتمر هنا أو مبادرة هناك، تنجح او تفشل ، فقد داومت هذه الدول على المتاجرة في شأننا . بل علينا أن نعمل ضد نمط متصاعد من “إدارة الأزمات بالإنابة”. والرد الحقيقي لا يكون بالانسحاب من المشهد، بل بفرض حضور فعلي يوازي الجرم —وفق قواعد تُعيد الاعتبار للدولة، وتُلزم الآخرين بالتعامل معها لا القفز في حواجزهم التي يصنعونها.!؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى