رأي

برلين… إعادة تدوير الفشل

فيما ارى

عادل الباز

1
لم يكن مؤتمر برلين سوى حلقة جديدة في سلسلة مؤتمرات تعيد إنتاج الأزمة السودانية أكثر مما تسعى لحلها؛ تغيّر المكان، وبقي النص كما هو.
في ظل ضجيج كثيف وجدل متطاول، انعقد مؤتمر برلين وانتهى إلى النتائج ذاتها التي انتهت إليها مؤتمرات لندن وباريس وجنيف وغيرها، وكأننا أمام مشهد يتكرر بنفس النص والأدوار. البيان الختامي أورد ثلاث قضايا رأيت من الأهمية التوقف عندها، ليس لأنها جديدة، بل للنظر في آليات تنفيذها على أرض الواقع.
2
نص البيان في الفقرة الثامنة على: «أعلن المانحون الدوليون اليوم تقديم نحو 1.5 مليار يورو، من بينها أكثر من 811 مليون يورو من الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء، للاستجابة للاحتياجات الإنسانية في السودان والدول المجاورة التي لا تزال تستقبل أعداداً كبيرة من اللاجئين الفارين من النزاع».
ما هي الضمانات وما هي الآليات التي سيستخدمها الاتحاد الأوروبي ودوله لإيصال تلك المبالغ إلى المستحقين؟ والسبب في هذا السؤال أن المؤتمرات الثلاثة السابقة (لندن وباريس وجنيف) قدمت تعهدات إجمالية بلغت 4.1 مليار دولار على الورق، لم يُنفَّذ منها سوى 22% فقط على أرض الواقع. وهذه النسبة تكفي وحدها لإسقاط أي حديث جديد عن التزامات. إذا عجزت هذه الدول خلال ثلاث سنوات عن الوفاء بتعهداتها تجاه أسوأ أزمة إنسانية، فما الذي يجعلنا نعتقد الآن أن هؤلاء سيلتزمون هذه المرة بتعهداتهم؟!
3
القضية الثانية تتعلق بالمسار السياسي، وهو ما جاء في الفقرة الرابعة من البيان: «ووفّر منصة مخصصة لتعزيز ندائهم الجماعي من أجل خفض التصعيد والتقدم نحو حل سياسي للنزاع».
نداء جماعي ممن؟ من جماعة صمود وأردول والجاكومي؟! أبرز المشاركين في المهزلة.
هل هؤلاء — مع كامل الاحترام للجاكومي وأردول — يمثلون الصوت الجماعي للسودانيين؟! من انتخبهم؟ وعلى أي أساس أصبح هؤلاء يتحدثون باسم السودان ويمثلونه في المؤتمرات الدولية، في الوقت الذي تُعزل فيه الحكومة التي يتعامل معها العالم كله كحكومة شرعية؟!
إنها مفارقة لافتة أن يُتحدث باسم السودانيين بينما تُتجاهل الجهة التي يعترف بها العالم كسلطة قائمة. ما يحيرني أن هؤلاء تمت دعوتهم بحسب البيان «لمناقشة إطلاق حوار سياسي سوداني–سوداني يمكن أن يمهد الطريق لانتقال مدني في السودان بمجرد التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار». من الذي يطلق الحوار؟ أهي الخماسية؟ إذا كان ذلك، فلماذا الحديث عن أن الحوار عملية سودانية بحتة إذا كانت الخماسية تحدد الأجندة والمشاركين وتموله؟
ما يجري في هذه الحالة لا يبدو تمثيلاً سياسياً بقدر ما هو إعادة توزيع لأصوات السودانيين وفق هوى الخارج.
يقول د. الشفيع خضر في مقاله «على تخوم مؤتمر برلين حول السودان» بالقدس العربي عشية المؤتمر، متحدثاً عن الدفع قدماً بعملية سياسية سودانية خالصة: «شخصياً، لا أتوقع شيئاً من هذا السمنار، ولا أعتقد أن المنظمين أصلاً يتوقعون شيئاً، وكأنهم أصروا على وجود القوى المدنية على هامش المؤتمر كمجرد ديكور خارجي، أو «صحبة راكب». ومع ذلك، أتمنى أن يستغل الحضور فرصة تواجدهم معاً في قاعة واحدة في البحث، بهدوء، عن كيفية خفض التصعيد، ليس في ميدان القتال، وإنما في ميدان السياسة بين أطراف القوى المدنية والسياسية». وهو محق في ذلك.
إن سرقة أصوات السودانيين ومحاولة اختيار فئة يرضى عنها الغرب بأنها تمثل أصوات السودانيين نوع من أنواع الخداع السياسي الدولي الذي لن يمر. وستكتشف الخماسية — ولعلها تعرف الآن — أن هؤلاء الذين دعتهم كممثلين للشعب السوداني هم في أفضل الأحوال يمثلون كياناتهم وذواتهم فقط. يحدث ذلك في الوقت الذي تُعزل فيه الحكومة التي يتعامل معها العالم كله كحكومة شرعية. ولذا فإن ما خرج به المؤتمر لن يلزم الشعب السوداني ولا حكومته، ولن يترتب عليه أي شيء، وسيذهب هباءً منثوراً كما سبقه من مؤتمرات، أو في أحسن الأحوال ضجيج بلا أثر.
4
القضية الثالثة التي تستحق التوقف عندها هي ما نص عليه البيان حين قال: «أن هذه العملية أساسية لضمان مستقبل شامل ومدني وديمقراطي للسودان. ويهدف هذا الانخراط المدني إلى تكملة جهود الوساطة الدولية الجارية، بما في ذلك عمل الرباعية بشأن وقف إطلاق النار، ومشاورات الخماسية دعماً لحوار سياسي سوداني–سوداني مستقبلي».
هذه العبارة تعني أن مقترحات الرباعية التي رفضتها الحكومة السودانية قد أُقحمت في البيان الختامي بطريقة ملتوية. للحكومة خطتها وأجندتها التي أعلنتها لوقف إطلاق النار، فما الذي يجعل المؤتمر يقبل بخطة الرباعية ويرفض خطة الحكومة، ثم يُقال لنا إن هذه عملية سودانية خالصة؟ أي أنهم يطبخون القرارات التي يريدونها ثم ينسبونها للشعب السوداني؛ تُطبخ في الخارج وتُقدَّم في الداخل باعتبارها إرادة وطنية.
5
يسرني أن أختم هذا المقال بفقرة من مقال صديقي د. الواثق كمير («مؤتمر برلين: زوبعة في فنجان أم ضجة بلا داعٍ؟») يقول فيها:
«أن التحفظ على المؤتمر لا يختزل في اصطفاف ضيق، بل يرتبط أيضاً بطبيعة المؤتمر نفسه، ومنهجه، وسؤال التمثيل فيه. فإحدى أعقد نقاط الخلاف لا تتعلق فقط بالحضور أو المقاطعة، وإنما بتحديد من يشارك، وبأي صفة، وبأي نسبة تمثيل، ومن يُستبعد، ومن يملك الادعاء بأنه يمثل هذا القطاع أو ذاك. كما أن القوى المناهضة للدعم السريع، في كثير من الحالات، لا تقبل الجلوس مع من تعتبرهم قريبين من الحكومة أو الإسلاميين، فيما ترفض هذه الأطراف بدورها الجلوس مع من تراهم جزءاً من المعسكر المقابل أو غطاءاً سياسياً له. وفي ظل هذا الانقسام الحاد، يصبح مجرد جمع هذه الأطراف في مكانٍ واحدٍ إنجازاً محدوداً، وليس كمقدمة طبيعية لتوافق سياسي».
يا ليت الخماسية كانت قد قدمت الدعوة لخمسة من عقلاء السودان لكي يهدوها إلى صراط مستقيم يغنيها عن هذا الفشل والتخبط المستمر والانحياز الأعمى لربائبها!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى