في ثمانينيات القرن الماضي، شهدت كلية طب قصر العيني بجامعة القاهرة واقعةً لافتةً أصبحت من أشهر الوقائع المرتبطة بقضية النقاب داخل المؤسسات التعليمية. فقد دخل طبيب قاعة الامتحان متنكرًا في هيئة شقيقته، مرتديًا النقاب، وأدى الامتحان نيابةً عنها، ولم يُكشف أمره إلا بمحض المصادفة أثناء مغادرته القاعة بعد انتهاء الامتحان. وبعد فترة وجيزة، اكتُشف رجل آخر يتجول بين الطالبات داخل الكلية مرتديًا النقاب هو الآخر!
وعلى إثر هاتين الواقعتين، أصدر الدكتور هاشم فؤاد، عميد كلية الطب آنذاك، قرارًا بمنع ارتداء النقاب داخل الكلية. وقد أثار القرار غضب المتطرفين المنتمين إلى تنظيم الجماعة الإسلامية بقيادة الشيخ عمر عبد الرحمن، فانطلقت تظاهرات صاخبة تهتف: «هاشم فؤاد يا جبان ليه تستهزئ بالرحمن”!
وبهذه المناسبة ومع الحملة، التي بدا لي أنها انطلقت هذه الأيام على وسائل التواصل الاجتماعي بصورة منظمة ومنسقة، بغرض إثارة الغبار حول قرار قديم يحظر ارتداء النقاب على طالبات الجامعة الوطنية، خطر لي أن أقترح على القائمين بهذه الحملة تنظيم تظاهرات مماثلة يهتفون فيها: “بروف قرشي يا جبان ليه تتمسخر بالأديان”!
ولمن لا يعلم، فإن البروفيسور قرشي محمد علي هو مؤسس الجامعة الوطنية وأول مدير لها، وهو الذي صدر القرار في عهده. وفي عهده أيضًا حققت الجامعة الوطنية إنجازًا أكاديميًا رفيعاً بحصولها على المركز الثالث بين جامعات السودان، والمركز الأول بين الجامعات الخاصة.
والحقيقة أن مسألة منع النقاب في أماكن بعينها ليست قضية مستحدثة، وإنما هي موضوع ظل مطروحاً للنقاش على مدى عقود في كثير من الدول والمؤسسات التعليمية. ومن أبرز دوافع هذا المنع سهولة انتحال الشخصيات وما يترتب على ذلك من جرائم أكاديمية ومخالفات سلوكية، بل وجرائم جنائية في بعض الأحيان. ولذلك فإن الحظر، في أغلب الأحوال، ليس حظرًا عامًا، وإنما يقتصر على المدارس والجامعات وبعض المؤسسات التي تستلزم التحقق من هوية الأشخاص.
وأجد نفسي زاهدًا في الخوض في الجدل الفقهي حول النقاب لأنه منزع خلاف دائم واستبداد بالرأي المرجوح لدى بعض المتشددين. غير أن ذلك لا يمنع من التذكير بأن طائفةً كبيرة من كبار علماء الأمة، قديمًا وحديثًا، قطعوا بأن النقاب ليس واجبًا شرعيًا. وفي مقدمة هؤلاء الإمام أبو حنيفة النعمان، والإمام مالك بن أنس، ومن المعاصرين الشيخ محمد الغزالي، والدكتور يوسف القرضاوي، والشيخ محمود شلتوت، وشيخ الأزهر الإمام أحمد الطيب.
وفي علم الكافة أن الجامعة الوطنية جامعة خاصة، من بين ١٤٩ جامعة أفرخها عصر الإنقاذ في السودان، وكل الجامعات الأخرى، بلا استثناء، تستقبل الطالبات المنقبات دون قيد. ومن هنا يبرز سؤال مشروع: لماذا الإصرار على إلحاق الطالبات المنقبات بالجامعة الوطنية تحديدًا، رغم أنها الجامعة الوحيدة التي تتبنى هذا التنظيم، بينما تتوافر عشرات الجامعات الأخرى التي لا تفرض هذا القيد؟!
ثم أنه خطر لي أن أتفقد موقع الجامعة على الشبكة الدولية، فوجدت أن الطالب والطالبة، وكذلك ولي الأمر، يُطلب منهم قبل إكمال إجراءات القبول الاطلاع على اللوائح الأكاديمية ولوائح النشاط والسلوك، بما في ذلك الضوابط المتعلقة بالزي (ومنع النقاب)، ثم يوقعون إقرارًا يفيد بأنهم قرأوا تلك اللوائح ووافقوا عليها. والمفارقة أن بعض الطلاب وأولياء الأمور يوقعون على هذا الإقرار ابتداءً، ثم بعد اكتمال إجراءات القبول يشرعون في الاعتراض وإثارة الجدل وكأنهم فوجئوا بأمر لم يكونوا على علم به!
والحقيقة أن قرار منع النقاب ليس قرارًا طارئًا، بل يعود إلى عام 2019، وهو منصوص عليه في اللوائح الداخلية للجامعة منذ ذلك الوقت. وعندما أثيرت قضية رفض تسجيل طالبة بكلية الطب في مايو 2021، أصدرت الجامعة بيانًا رسميًا للرأي العام أكدت فيه أن منع النقاب يستند إلى لوائحها المعتمدة. فما الجديد إذن الذي يستدعي إعادة فتح الملف اليوم؟!
إن احترام اللوائح ليس انتقاصًا من الحريات، بل هو شرط لازم لاستقرار المؤسسات وحسن سيرها. ومن حق أي جامعة خاصة أن تضع من اللوائح التنظيمية ما تراه محققًا لمصلحتها الأكاديمية والإدارية، ما دامت تلك اللوائح معلنة سلفًا، ومطبقة على الجميع دون تمييز، ولا تخالف القانون. وفي المقابل، يبقى من حق الطالب أو ولي أمره أن يقبل بهذه اللوائح أو أن يختار مؤسسة تعليمية أخرى تتوافق مع قناعاته، وهو خيار متاح ومكفول للجميع.
أما تحويل قضية حُسمت منذ سنوات، وأُعلنت أحكامها بوضوح إلى معركة موسمية على وسائل التواصل الاجتماعي، فلا يخدم حقًا ولا يصحح ظلمًا ولا يضيف جديداً، وإنما يكرّس الاستقطاب، ويبدّد الطاقات، ويصرف الناس إلى معارك وهمية وجدل عقيم لا ثمرة منه.