الموسم الزراعي المطَري بوسط السودان: كيف تتبخّر آمال الزراعة رغم الوعود المبذولة

في القضارف وسنار والنيل الأبيض وكسلا، وهي ولايات مركزية في الزراعة المطَرية في المناطق الواقعة تحت سيطرة القوات المسلّحة، وتوصف بأنها «ولايات آمنة»، ينتظر المزارعون انسياب الوقود والتمويل المادي والعيني، من أجل مجابهة تكاليف الإنتاج لهذا الموسم، وهم ينظرون إلى أرضهم التي تعهّدوها هذا العام بالرعاية والنظافة من الشجيرات الصغيرة، ولسان حالهم يقول: «إننا نحرث أرضنا بالأمل، لكنّ الأمل لا يأتي إلينا بالوقود والبذور ولا يَسقي الزرع».

ولم يكن الموسم الماضي يسيراً عليهم أيضاً، لكنهم زرعوا بدأب وتعب وجهد، لأنّ «إرادة المزارع وميله الفطري للإنتاج» كما يقول عوض الله مالك الخزين، المزارع بهضبة البطانة، في الأراضي الواقعة بحدود ولاية كسلا، جعلتهم «يشيلوا فوق الدَّبَر» من أجل أن يزرعوا ليأكلوا هم وغيرهم. وفي هذا الموسم أيضاً يقول الخزين: «سنزرع بأي شكل وبأي صورة، حتى لا تتوقف عجلة الإنتاج في زراعتنا؛ التي هي حياتنا».

يبدأ المزارعون في شرق ووسط السودان نظافة الأرض عادةً في أبريل، وخلال مايو حتى الأسبوع الأول من يونيو يحرثونها، وبعد أول مطرة يبذرون التقاوي. وغالباً ما تهطل المطرة الأولى خلال النصف الأول من يونيو وفي بعض المناطق تتأخّر حتى يوليو. هذا الموسم، في بعض المناطق مثل سنّار والنيل الأبيض، تأخّرت مرحلة بذر التقاوي حتى مطلع أغسطس؛ وهذا لأنّ المطر تأخّر أو هطل بمعدّلات لا تساعد على ريّ الأرض على نحو يهيئ النباتات للنمو.

وبينما تتعلّق أنظار المزارعين في تلك المشاريع بسَماءٍ تُنذر بشحّ الأمطار، وتؤكّد لهم التنبّؤات الجوية ذلك، يصدمهم غياب السياسات التمويلية. ومع استمرار عجز البنوك الزراعية والتجارية عن توفير سقف التمويل المطلوب لإنقاذ الموسم، يجد المُزارع في تلك المناطق نفسَه وحيداً ومقيدّ اليدين، في معركة يفترض أنها مدعومة حكومياً لتأمين الغذاء لملايين المواطنين والنازحين.

وفي ولاياتٍ تمثّل الرئة التي يتنفّس منها السودان غذائياً في ظلّ الحرب الجارية، تدور رَحَى أزمة صامتة أبطالُها مزارعون أنهكهم الخذلان، وأرقام رسمية تقول إنَّ الوضع مؤمّن والتمويل جاهز، لكن يبدو أنها أرقام في أوراق الحكومة، وعلى أسطح مكاتب المسؤولين في الوزارة والبنك، فقط. إذ إنّ جولة في سهول البطانة، من القضارف إلى امتدادات النيل الأبيَض وسنار، تُريك إلى أي حدّ شحت الأمطار هذا الموسم، وبالقدر نفسه تُريك الغياب التامّ للاعتمادات المالية، وغياب أيّ مظاهر للتمويل والتحضير والعمل المأجور في الزراعة، إلا من نفير هنا وهناك وقد تجمّعت له أيادي المزارعين، وتتقاطع حال المزارع العاجز إزاء التمويل اللازم لتحضير أرضه، مع إخفاق السياسات الاقتصادية في حماية الموسم المطَري الأهمّ، ليُترك الأمن الغذائي السوداني في مهبّ الريح.

تعليقاً على حديث الحكومة أعلن وزير الزراعة والري الاتحادي في اجتماعٍ عقَده إبان زيارته إلى ولاية سنار، في 16 يونيو الماضي، وحضره المدير العام للبنك الزراعي السوداني ووالي ولاية سنار ومسؤولين في العمل الزراعي والمصرفي، أنّ الوزارة تستهدف زراعة «نحو 31 مليون فدان في ولايات السودان» خلال الموسم الزراعي المقبل، وكشف عن رفع مقترحات إلى الجهات العليا بالدولة لتخفيض تكلفة الوقود الزراعي، إلى جانب سياسات لدعم الجمعيات الزراعية وتعزيز دورها في تمويل الإنتاج.

بدَوره، أكّد مدير البنك الزراعي الاتحادي د. صلاح عبد الرحيم خلال الاجتماع التزام البنك بقيادة «محفظة تمويل الموسم الصيفي والدخول بقوة لتوفير الوقود والتقاوي والأسمدة عبر صيغ تمويلية متنوعة (رأسمالي، سَلم، وتمويل أصغر)، مع منح الأولوية للجمعيات الزراعية المنظمة وفق سياسات بنك السودان المركزي».

يقول نائب رئيس اتحاد مزارعي القطاع الزراعي المطَري بالسودان، غريق كمبال، في مقابلة مع «أتَـر» إنّ الحكومة في الخرطوم لا تملك خياراً غير الاهتمام بالموسم الزراعي، لأنه المخرج الوحيد الذي يحقق الاستقرار الاقتصادي والأمن الغذائي، ويوفر فرص عمل لأعداد كبيرة من السودانيين، وذلك لاتساع مساحاته. ويلفت النظر إلى أن الموجودين في المدن يتوجهون في موسم الأمطار إلى قراهم لزراعة مزارعهم.

ودعا كمبال إلى قيام اجتماع لمسؤولي الولايات التي تُمارَس فيها الزراعة المطرية وتزرع بكميات كبيرة، وهي القضارف وسنار والنيل الأزرق وكسلا والنيل الأبيض وجنوب كردفان، «لترتيب أوضاع الموسم الزراعي المطَري، وحلّ الأزمات وعلى رأسها أزمات البترول، ومقاومة سلوك الحكومة التي تعتمد على البترول كمورد اقتصادي لها، وهو ما لا يستقيم في دولة زراعية تتحدّث عن نجاحٍ للموسم الزراعي، ويتنافى مع سياسة التحرير الاقتصادي التي تعلنها الدولة منذ زمن، وتتحدّث عن أنها تلتزم بها».

وينبِّه كمبال إلى أنه بعد الحرب وتوقف النشاط الزراعي في المناطق التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع وحلفائها، كانت هنالك محاصيل حصرية تُنتَج في مناطق الزراعة بدارفور وكردفان، مثل الفول السوداني والحبوب الزيتية الأخرى والدخن، داعياً إلى الانتباه إليها، متوقّعاً حدوث أزمة كبيرة فيها هذا العام، خاصة مع توقف الزراعة هناك. ويدعو الحكومة إلى تركيز جهدها هذا الموسم في تمويل المزارعين في مناطق سيطرتها تمويلاً كاملاً، حتى تتمكّن بقية مناطق الزراعة المطرية من سد الفجوة، في تلك المحاصيل المهمة في الأمن الغذائي بالداخل وحركة الصادر. يقول كمبال: «لتوقُّف الزراعة في إقليم دارفور وجزء من كردفان تأثير ظهر في صادر الصمغ العربي والسمسم، وهذا من مهدّدات الاقتصاد الكُلّي، ويجب تعويضها هنا في مناطق سيطرة الحكومة».

ويقول غريق كمبال، إنه في حال لم تَفِ الحكومة بالتزاماتها تجاه الموسم الزراعي فإنهم، في اتحاد مزارعي القطاع المطّري، يتوقعون، فشل الموسم. ويضيف: «الزراعة هي الشيء الوحيد الذي لا تجدي معه الأماني نفعاً. والوضع الزراعي المنهار لا ينقذه مسؤول يجلس في كرسي، ويتحدّث عن إنجاح الموسم الزراعي»، داعياً إلى البدء في تمويل المزارعين تمويلاً كاملاً، وتحديد أسعار استلام المحاصيل منهم بوضوح قبل استلام التمويل، حتى لا يُفاجأ المزارع في نهاية الموسم، بأسعار مدخلات مرتفعة، وسعر هزيل للسَّلم.

في سنار: مساحات شاسعة تنتظر
في ولاية سنار يقف المزارع علي محمد خير الله على تخوم أرضه، مُطيلاً النظر إلى مساحات شاسعة تنتظر الحرث، لكنّ أطرافه تبدو مكبلة بواقعٍ قاسٍ؛ فلا آليات زراعية تدور محرّكاتها في ظل الانعدام التام للوقود، ولا بذور جاهزة لتعانق التربة، بينما يبقى التمويل الزراعي حبيسَ وعودٍ لم ترَ النور.

ويقول علي لـ«أتَـر» إنه على الرغم من الإعلانات المتكرّرة عن فتح محافظ التمويل الزراعي، فإن المزارعين يصطدمون دوماً، بنقص حادّ في السيولة النقدية، واشتراطات ائتمانية من قبل البنوك تتجاهل ظروف الحرب التي خلقت ضغوطاً اقتصادية خانقة. واتهم علي البنوك بأنها لم ترفع سقوف التمويل لتواكب معدّلات التضخم الهائلة، لذلك لا تغطي المبالغ المصدقة – إنْ وُجدت – إلا نسبة ضئيلة جداً من التكلفة الفعلية المطلوبة لتحضير الأرض.

وكان منبر وكالة سونا، قد استضاف مدير عام وزارة الإنتاج بولاية سنار، الذي قال إن ولايته تستهدف زراعة 5 ملايين فدان في هذا الموسم بالقطاعين المرْوي والمطَري، وكشف عن رصدهم 60 ترليون جنيه لتمويلها كمرحلة أولى بمحفظة من عدد من البنوك. وأكّد اكتمال خطة الوزارة لتوفير جميع المدخلات والمقوّمات الزراعية من آليات وأسمدة وتقاوي ومواد بترولية (جازولين)، مع التركيز على التمويل المربوط بالتقانة الزراعية الحديثة والتأمين الزراعي.

ويقول عضو اللجنة التسييريّة لمزارعي ولاية سنار، محمد حمد ود الشريف، لـ«أتَـر»، إن نسبة المساحات البُور في ولاية سنار تتجاوز 20% من إجمالي الأراضي الصالحة للزراعة، وذلك بسبب الفساد المستشري في قطاع التمويل، وبسبب العجز في تمويل المزارعين، وهي نسبة مرشحة للزيادة سنوياً، وفقاً لود الشريف، إذ أصبح المزارع الحقيقي عاجزاً عن الزراعة، والمؤسّسات التي أُنشئت لخدمته تحوّلت إلى أداة لإفقاره.

ويشير ود الشريف إلى أنه في الوقت الذي تتحدّث فيه الحكومة عن تمويل المزارعين فإنّ البنك الزراعي يموّل الفدان بواقع 23,000 جنيه فقط، وهو مبلغ لا يساوي قيمة الجازولين لحرث مرة واحدة، دعك من حرثتين أو ثلاث. ودعا إلى رفع سقف تمويل الفدان إلى 120,000 جنيه كحدّ أدنى لموسم 2026، بناءً على دراسة تكلفة حقيقية تُعدّها لجنة مشتركة من المزارعين والخبراء وبنك السودان، وتُراجَع سنوياً.

ويطالب ود الشريف بإنشاء منصّة إلكترونية شفافة لطلبات التمويل تحت إشراف بنك السودان، تمنع الوساطة والتزوير، وتُظهِر بيانات التمويل للرأي العام تحقيقاً لمبدأ الشفافية، مشدّداً على أهمية إيقاف رهن الأراضي الزراعية مقابل التمويل فوراً، واستبداله بنظام التأمين الزراعي التعاوني، حمايةً لصغار المزارعين من الإفقار وفقدان الأرض، وضرورة تفعيل دَور وزارة الزراعة في تقديم الإرشاد والدعم الفني، ومحاسبة كلّ إدارة لا تؤدي بدَورها الميداني.

في النيل الأبيض: فجوة بين التكلفة والأسعار
وفي ولاية النيل الأبيض، قال تجمّع مزارعي الولاية إن الارتفاع الكبير في تكلفة مدخلات الإنتاج، إذ قفزت أسعار الوقود والأسمدة والتقاوي إلى أرقام فلكية، ما يضاعف من تكلفة تحضير الأرض والزراعة إلى حدّ يُعجز الغالبية العظمى من المزارعين، كما يقول التجمّع في بيان صادر عنه، طالعته «أتَـر».

​وفي وصف «الفجوة الكبيرة بين التكلفة وأسعار السوق» قال التجمّع إنها بلغت مستويات كارثية، وأضاف أن «أسعار المحاصيل بالأسواق، لا تتناسب مع حجم الأموال الطائلة التي تُنفق على العملية الإنتاجية»، ما يعني دخول المزارعين في دوامة من الخسائر الحتمية والديون الملاحقة. وقال إن استمرار هذا الوضع دون تدخّل عاجل وحاسم سيعني أمراً واحداً: عزوف المزارعين عن الإنتاج، وخروج مساحات شاسعة من دائرة الزراعة، مما يهدّد الأمن الغذائي تهديداً مباشراً، ويدفع بالقطاع الزراعي في الولاية نحو حافة الانهيار. وطالَب بالتدخّل الفوري من قِبل الدولة لتوفير وقود الزراعة والمدخلات وإعفائها من الرسوم الجمركية والرسوم الاتحادية والولائية والمحلية، ووَضْع سياسات تسعيرية عادلة ومُجزية للمحاصيل تضمن هامش ربح يحمي المُزارع ويشجّعه على الاستمرار، فضلاً عن فتح نوافذ تمويلية عاجلة وميسّرة عبر البنك الزراعي لمواكبة متطلبات هذا الموسم «الحَرِج». ويقول الأمين العام لتجمّع مزارعي ولاية النيل الأبيض، أحمد حسن عبد الرحيم، في مقابلة مع «أتَـر» أجريت في يونيو الماضي، إنّ هناك عقبات وتحديات كبيرة تواجه المُزارع بولايته، أبرزها تأخُّر وصول التمويل من البنك الزراعي، الذي وصفه بأنه قدَّم تمويلاً «خجولاً» في العام الماضي، متمنّياً ألا يكون العام الحالي مثل سابقه. ويضيف قائلاً: «أسعار الوقود في الوقت الحالي تفوق طاقة المزارعين، ولا يستطيع أي مزارع الزراعة، في ظل ظروف مثل هذه». مشيراً إلى أنّ البنوك، في الموسم الماضي، كانت تُعطي المُزارع 5 براميل من الجازولين، وحاجته الفعلية قرابة 50 برميلاً، شدّد عبد الرحيم على ضرورة أن يكون هناك تمويل كافٍ هذا العام، وسعر سَلم مُجزٍ ومحفز، ونبّه إلى ضرورة إعطاء تمويل مادي للمزارعين وعدم الاكتفاء بالوقود والأسمدة فقط.

ويقول عبد الرحيم إن المزارعين الآن يتأهّبون للزراعة، وينتظرون الدعم من الحكومة، وأضاف: «رغم إنهاك المزارع حالياً جراء ارتفاع الوقود، فإنه في حالة تأهّب وترقب لموسم زراعي ناجح، ولانفراج في موضوع سعر الوقود الزراعي، ولا يستطيع (أتخن) مزارع أن يموّل نفسه تمويلاً ذاتياً لارتفاع التكلفة الإنتاجية وتدني أسعار المحصولات»، وزاد قائلاً: «نحن حالياً في يونيو، وأي تأخير يفاقم المشكلة». لافتاً إلى أنّ عبء إطعام العالقين في مناطق النزاع بكردفان ودارفور يقع على مزارعي ولاية النيل الأبيض، «لذا فإنّ دعمهم هو قضية وطنية في المقام الأول».

في القضارف: زراعة تعني الخسارة وفي ولاية القضارف، يقول المزارع جعفر عبدالحكيم بركة، إنه لن يزرع هذا العام لأنه لا يرى مؤشرات تمويلية واضحة، مع ارتفاع أسعار الوقود ومدخلات الإنتاج، ويتساءل بركة في حديثه لـ«أتَـر»: «كيف أزرع وثمن برميل الجازولين يساوي 18 جوالاً من الذرة؟» ويضيف: «أي زراعة تحت هذه الظروف تعني الخسارة».

ويقول خبير زراعي مقيم بالقضارف، فضّل حجب اسمه، إنّ الزراعة المطرية أضحت مغامرة مالية أكثر من كونها نشاطاً إنتاجياً. ويخبر «أتَـر» بأنّ «المُنتِج يدفع مليارات الجنيهات في الوقود والتقاوي والمبيدات والترحيل، ثم ينتظر المطر: إنْ تأخَّر خسَّر، وإن زاد أضرَّ، وإن نجح الموسم قد تنهار الأسعار»، معتبراً ذلك هو السبب الرئيس في تراجع المساحات الزراعية. ويقول الخبير الزراعي إنه بلا وقود مستقرّ ورسوم مُرضية وتمويل حقيقي وبنية تحتية تحترم قيمة الزراعة، ستظلّ الزراعة المطرية تتحمل أكبر مخاطرة، بأقل ضمانات. ويخبر بأنّ ولاية القضارف تفرض رسوماً محلية بواقع 1.5% لكل مدخل إنتاج يدخل الولاية.

وكانت وزارة الإنتاج والموارد الاقتصادية بولاية القضارف قد أعلنت عن خطتها التأشيرية للموسم الزراعي 2026-2027، مستهدفة زراعة مساحة سبعة مليون وستمائة ألف فدان بالمحاصيل الزراعية المختلفة، بزيادة مائة ألف فدان عن العام الماضي. وخصّصت الوزارة مساحة 4.5 مليون فدان للذرة، و800 ألف فدان للسمسم، و700 ألف فدان للدخن، و550 ألف فدان للفول السوداني، و300 ألف فدان للقطن و200 ألف فدان لزهرة الشمس و500 ألف فدان لحَبّ البطيخ «التسالي»، و50 ألف فدان للمحاصيل الأخرى.

وصرح عمّار عبد الله سليمان، مدير عام وزارة الإنتاج والموارد الاقتصادية بولاية القضارف، لوكالة سونا، بأن الاستعدادات للموسم الزراعي الجديد اكتملت. قائلاً: «إنّ إجمالي التمويل المطلوب هذا العام 600 ترليون، مقارنة مع 143 ترليون للعام الماضي»، وإنّ 24 بنكاً بالولاية قد وافق على «إنشاء محفظة بنكية بقيمة 12 ترليون جنية لتمويل صغار المنتجين بالولاية»، وقال إنّ الموسم يقتضي «190 ألف برميل جازولين، و11 ألف طنّ من التقاوي».

وأعلنت اللجنة المفوضة لمزارعي القضارف، في 21 يونيو الماضي، عن فشل مساعيها لإعفاء الجازولين الزراعي من الرسوم والجبايات الاتحادية. وقالت اللجنة في بيان اطّلعت عليه «أتَـر»، إنّ الأمر ستترتب عليه آثار مباشرة ستضرب استقرار الموسم الزراعي الحالي. وأوضحت أنها تلقّت موافقة على المطلب من جهات سيادية عليا، إلا أنّها قالت إنّ «تقديرات» من وزارة المالية الاتحادية، حالت دون نجاح المساعي.

وبدأت اللجنة المفوّضة لمزارعي القضارف في السعي لإعفاء الجازولين الزراعي من الجبايات في مايو الماضي، وعقدت لقاءات مع مسؤولين بالدولة، حيث أكّدت اللجنة أنّ استمرار فرض الرسوم والجبايات على الجازولين والمدخلات الزراعية سيؤدّي إلى آثار سالبة تتمثّل في عزوف أعداد كبيرة من المزارعين عن الزراعة، ومن ثمّ انحسار الرقعة المزروعة، بما يمثل تهديداً مباشراً للأمن الغذائي للولاية والسودان.

وفي الاثنين 22 يونيو، أعلن مدير البنك الزراعي أثناء زيارته لولاية القضارف، عن زيادة سعر السَّلَم لجوال الذرة من 100 ألف جنيه إلى 200 ألف جنيه، وقال في تصريحات صحفية إنّ الزيادة أتت نتيجة للارتفاع الكبير في أسعار وقود الجازولين بأكثر من 100%، وكذلك بقية المدخلات الزراعية الأخرى، وأكّد أنّ البنك الزراعي سيموِّل جزءاً من مدخلات الإنتاج، دعماً لمزارعي الولاية.

إنقاذ الموسم مسألة بقاء
ويقول المهتم بالشؤون الزراعية بالولاية، محمد سلمان، لـ«أتَـر» إنّ المزارعين وصغار المنتجين يعيشون أوضاعاً قاسية للغاية بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج، حيث إنّ سعر برميل الجازولين بطلمبات مدينة القضارف يبلغ 1,8,37.000 جنيه، وإن 40% من القيمة هي رسوم حكومية، والجزء الأكبر منها رسوم اتحادية على الوقود.

ويقول الخبير الزراعي عبد المنعم محمد إبراهيم لـ«أتَـر»: «إنّ إنقاذ الموسم المطري في السودان لم يعد مسألة اقتصادية حصراً، بل هو أيضاً معركة بقاء تتعلّق بحياة الملايين، فالأرض لا تستجيب للوعود، والمطر لا ينتظر الإجراءات المصرفية؛ وما لم تتحرك آليات الدولة بجديةٍ تُوازي حجم الخطر، فإنّ سلة غذاء السودان قد تتحوّل –في غفلة من السياسات– إلى أرضٍ بور».

ويلفت إلى أن الخلل لا يقتصر على التمويل المحلّي والوقود، بل يمتدّ إلى ندرة مدخلات الإنتاج الحيوية كالتقاوي المحسنة والأسمدة والمبيدات. ويعزو ذلك مباشرةً إلى عجز البنك المركزي عن توفير النقد الأجنبي الكافي لعمليات الاستيراد في الوقت المناسب، ما يترك المزارعين فريسةً لأسعار تجارية مضاعفة.

وفي المحصلة، بينما تصرّح الحكومة بأرقام ضخمة لتمويل الموسم الزراعي، تعكس المؤشرات تراجُعاً حاداً في التمويل الزراعي على الأرض، وضعفاً في توفير مدخلات الإنتاج في أهم ولايات القطاع المطري (القضارف، سنار، كسلا، والنيل الأبيض). وبحسب خبراء تحدّثوا لـ«أتَـر»، فإنّ النتيجة المباشرة هي أزمة طاحنة على الأرض، في هذه المساحات الشاسعة التي يُعوَّل عليها لإنقاذ السودان من شبح المجاعة. يأتي ذلك بينما تبدو السياسات الحكومية الداعمة غائبة تماماً، ووسط هذا العجز الرسمي والتحذيرات المناخية من تدنّي معدّلات الهطول، ترتفع أصوات المزارعين الذين وجدوا أنفسهم عالقين بين ثلاثة تروس: بنوك قد تُغلق خزائنها في أي وقت، وتكاليف إنتاج باهظة، وموسم قد لا يحصدون منه سوى الخسارة.

وبينما تتحدّث التقارير الحكومية عن تأمين الوقود للموسم الزراعي، فإن الجازولين يغيب في كثير من الأحيان غياباً تاماً عن المحطات بالسعر الرسمي، ليَظهر بأسعار فلكية في الأسواق الموازية. وقد قفز هذا الارتفاع الجنوني بتكلفة حرث الفدان الواحد إلى أرقام تتجاوز القدرة المالية لمعظم المزارعين، وتجعل من عملية تحضير الأراضي معادلة خاسرة اقتصادياً.

Exit mobile version