تبادل الأسرى بين الجيش والدعم السريع.. نافذة في جدار حرب السودان؟

الأحداث – تقرير
في أول خطوة منذ اندلاع الحرب في السودان قبل أكثر من 3 سنوات، أعلنت الأمم المتحدة أن قيادتي الجيش وقوات الدعم السريع وافقتا على آلية لبناء الثقة تشمل تبادل الأسرى العسكريين والمحتجزين المدنيين.

ويعتقد مراقبون وناشطون أن الملف في مرحلة المناورة، ويُستخدم إعلاميا وسياسيا لإظهار المرونة الإنسانية وتحميل الطرف الآخر مسؤولية أي تعطيل أو إخفاق في إنجاح التبادل والالتزام بالقانون الدولي الإنساني.

ولم تشهد الفترة السابقة إفراجا عن أسرى ومحتجزين سوى عمليات محدودة أحادية الجانب لاعتبارات إنسانية أو ضغوط دولية، مثل تسليم عسكريين ثم مدنيين مصريين كانت تحتجزهم الدعم السريع في عام 2024.

وأعلنت الدعم السريع إطلاق سراح 739 عنصرا من الجيش والشرطة في يونيو 2024. وفي مارس الماضي، ذكرت أنها أطلقت سراح 260 محتجزا من سجن دقريس في دارفور.

في المقابل، قال الجيش السوداني في محطات سابقة إنه سلم دفعات من أسرى الدعم السريع للجنة الدولية للصليب الأحمر من بينهم 230 أسيرا، و30 طفلا قاصرا في سبتمبر 2023.

وقال مبعوث الأمم المتحدة إلى السودان بيكا هافيستو، في مقابلة مع موقع المنظمة الإلكتروني السبت الماضي، إنه ناقش مع رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) إجراءات بناء الثقة، بما في ذلك إمكانية تبادل الأسرى، والإفراج عن المحتجزين المدنيين.

وأضاف: “أنشأ كلا الجانبين آلية معينة لمناقشة هذا الموضوع معنا”، ورأى أن هذه الخطوات على الرغم من محدوديتها، تعكس تقدما إيجابيا وسط الأزمة السودانية.

ولا توجد أرقام رسمية موثقة دقيقة تُحدد إجمالي عدد الأسرى والمحتجزين لدى الطرفين، حيث يتعاملان مع الملف بوصفه خيارا أمنيا وعسكريا حساسا، وتُحاط الأرقام الحقيقية بتكتم شديد، حسب ناشطين في العمل الإنساني.

كما لم تتمكن اللجنة الدولية للصليب الأحمر أو المنظمات الأممية من زيارة كافة مراكز الاحتجاز التابعة للطرفين بسبب الأوضاع الأمنية والقيود الميدانية واستمرار العمليات العسكرية.

ووفقا لمنظمات حقوقية، توجد أعداد كبيرة من المدنيين والمختفين قسرا والمحتجزين، خاصة في مناطق سيطرة الدعم السريع، مما يجعل الفصل بين الأسرى العسكريين والمدنيين أمرا معقدا. وتشير تقارير حقوقية وأممية إلى وجود عشرات الآلاف من المحتجزين والمفقودين والأسرى العسكريين موزعين على مراكز احتجاز غير معلنة ومعسكرات مختلفة.

وحسب مذكرة رسمية رفعتها بعثة السودان الدائمة لدى الأمم المتحدة إلى مجلس الأمن في 13 يونيو الماضي، تحتجز الدعم السريع في سجن دقريس في نيالا حاضرة ولاية جنوب دارفور نحو 19 ألفا و800 معتقل وأسير حرب، بينهم:

3,795 من الجيش.
4,270 من الشرطة.
5 آلاف مدني جرى نقلهم من مدينة الفاشر.
544 من جهاز المخابرات العامة.
73 من الكوادر الطبية.
5,434 مدنيا من مختلف المهن.
690 امرأة.
وتتحدث المذكرة عن أن المعتقلين “يعيشون أوضاعا إنسانية وطبية كارثية”، ويتعرضون لـ”التعذيب الممنهج والمعاملة القاسية والمهينة، والعنف الجسدي وتتفشى وسطهم الأمراض”.

وفي سجن شالا جنوب غرب الفاشر، تتفاقم الأوضاع بشكل أكثر كارثية، وبحسب مصدر مطلع تحدث للجزيرة نت، فضّل عدم ذكر اسمه، يضم السجن أكثر من 800 محتجز أغلبهم عسكريون ومن بينهم أطفال ونساء.

وفي 24 يونيو الماضي، قالت شبكة أطباء السودان إن عدد الوفيات وسط المدنيين المحتجزين قسرا بسجن دقريس، ارتفع إلى أكثر من 215 شخصا خلال شهرين.

وكشف مسؤول سوداني للجزيرة نت – طلب حجب اسمه – أن الدولة مهتمة بملف المحتجزين والمخطوفين والمفقودين، وشكّل البرهان لجنة للعمل على إطلاق سراحهم والتفاوض بشأنهم برعاية الأمم المتحدة.

ورفض المسؤول الحكومي تحديد عدد أسرى الدعم السريع لدى الجيش، وقال إن هذه القضية “لا يتم التعامل معها عبر الإعلام”، واتهم قوات “حميدتي” بخطف آلاف المتقاعدين من الجيش والشرطة والمخابرات من منازلهم واحتجازهم في ظروف سيئة وترحيلهم إلى دارفور قبيل طردها من ولاية الخرطوم.

وكان وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم قد رحب بمبادرة بيكا هافيستو لتبادل الأسرى، وأكد – في تصريح نشرته وكالة السودان للأنباء الرسمية في 25 يوليو الماضي – التزام الحكومة بالإجراءات القانونية والدولية المتبعة في مثل هذه الحالات.

وتجنب مسؤول في الدعم السريع تواصلت معه الجزيرة نت التعليق على المبادرة الأممية، وقال إن الملف تحت إشراف قائد القوات وليس لديه تفاصيل بشأنه.

لكن المتحدث باسم ما يسمى تحالف “تأسيس” أحمد تقد لسان ذكَر أن النقاش الهاتفي بين المبعوث الأممي وحميدتي الذي يرأس التحالف كان في المراحل الأولية، وعدّها “اتصالات استكشافية” لمعرفة إن كانت هناك إمكانية لتبادل الأسرى.

وكشف خلال حديث نشره موقع “راديو دبنقا” الثلاثاء الماضي أن الأسئلة التي جاءت من رئيس التحالف هي “أنهم ليس لديهم ثقة في الخرطوم ويريدون معرفة هوية الأسرى الذين لدى الجيش وعددهم”، وأضاف أنه لم يتم الاتفاق على تكوين آلية لمناقشة قضية الأسرى، وأوضح: “الأمر في رأينا انتهى بالمحادثة الهاتفية”.

وفي حديث للجزيرة نت، يرى الناشط في المجال الإنساني طارق سليمان أن للجيش والدعم السريع مصلحة واقعية في التعاطي مع هذا الملف، رغم استمرار التصعيد العسكري، وتتوزع هذه المصالح بين دوافع تحقيق مكاسب سياسية ودبلوماسية، وأخرى عسكرية ومعنوية أبرزها:

بالنسبة للجيش:

رفع الروح المعنوية واستجابة للمجتمع المحلي، حيث يواجه ضغوطا أو تساؤلات شعبية ومن عائلات الأسرى والمفقودين لمعرفة مصير أبنائهم وإعادتهم، وبالتالي فإن استعادة الضباط والجنود تعزز الحاضنة الاجتماعية داخل المؤسسة العسكرية.
تحسين الصورة؛ إذ يُظهر التفاعل مع المبادرات الإنسانية الأممية التزام المؤسسة العسكرية بـالقانون الدولي الإنساني، ويُبرزها كجهة مسؤولة أمام المجتمع الدولي ومؤسساته.
يستعيد الجيش كوادر وضباطا ذوي خبرة وميدانيين شاركوا في المعارك وستمثل عودتهم قيمة عسكرية ونوعية.
بالنسبة للدعم السريع:

تسعى لإعادة تصدير نفسها بوصفها طرفا نظاميا وسياسيا محاور للشرعية والتفاوض، وتعاونها مع الأمم المتحدة يمنحها نافذة للتعامل الدولي والتخفيف من العزلة.
تخفيف العبء اللوجيستي والأمني، حيث يتطلب احتجاز أعداد كبيرة من العسكريين والمدنيين حراسة وموارد غذائية وطبية ومراكز احتجاز آمنة وسط ظروف الحرب والمواجهات، مما يشكل عبئا لوجيستيا وأمنيا كبيرا على قواتها.
يدرك الطرفان أن أي مسار تفاوضي مستقبلي سياسي أو عسكري يحتاج إلى “إجراءات بناء ثقة” غير مكلفة سياسيا، وتعد الملفات الإنسانية وتبادل الأسرى الأقل كلفة والأسهل استخداما اختبارا لنوايا الطرف الآخر.

من جانبها، قالت عضو هيئة محامي دارفور رحاب مبارك حسن إن مبادرة الأمم المتحدة لتبادل الأسرى والمحتجزين المدنيين مؤشر إيجابي لبناء الثقة.

وأضافت للجزيرة نت أن “السلطات السودانية تحتجز العشرات، بينهم نساء في سجون مدن أم درمان وبورتسودان وسنجة وود مدني وكسلا للاشتباه في تعاونهم مع الدعم السريع، وينتظرون محاكمتهم”.

كما تشير إلى أن الدعم السريع تحتجز أكثر من 2500 مدني في سجن دقريس بجنوب دارفور، بينهم عشرات النساء، وأن عدد المدنيين المحتجزين لا يقل عن عدد الأسرى العسكريين الذين ينظم القانون الدولي الإنساني طريقة التعامل معهم وتبادلهم.

ثمة تقديرات بأن مبادرة المبعوث هافيستو تأتي ضمن رؤية أممية تهدف إلى اختراق إنساني ملموس يقلل من حدة التوتر ويفتح قنوات تواصل مباشرة أو غير مباشرة بين أطراف الصراع، تمهيدا لمسار أوسع يُعنى بتسهيل مرور المساعدات الإنسانية وفتح ممرات آمنة لتبادل المحتجزين في مناطق العمليات، وصولا إلى بحث وقف إطلاق النار.
نقلا عن “الجزيرة نت”

↑
Exit mobile version