تحت شجرة في وادي منطقة كرنوي غرب السودان على الحدود مع دولة تشاد، تجلس فاطمة آدم عيسى وتحاول استعادة شكل بيتها الذي تركته، بينما ينام أطفالها على التراب.
فقبل 10 أيام فقط، أجبرها الجوع ودوّي قصف المسيّرات على الفرار من منزلها بمنطقة هرمبا، ولم تحمل سوى ملابس ممزقة وبعض الحشائش لإشعال النار.
تقول فاطمة (45 عاما) للجزيرة نت: “لا نملك شيئا. أطفالي ينامون على التراب، لم يتذوقوا طعاما منذ الأمس، ولا نجد ما نأكله سوى أوراق الشجر مع حفنة من دقيق الذرة، بعد أن نفدت كل مؤننا في الأيام الأولى من النزوح”، وتضيف: “ننتظر مساعدة لا تأتي”.
أسباب عدة
وتتعدد الأسباب التي دفعت 21 ألف شخص إلى مغادرة قراهم واللجوء إلى الوديان في محلية كرنوي، وهي عوامل مترابطة ضاعفت حجم الكارثة، أهمها:
الجفاف وقلة الأمطار اللذان ضربا المنطقة خلال الموسم الزراعي الأخير، وأديا إلى فشل المحاصيل وفقدان مصادر الرزق.
نضوب الآبار الجوفية في معظم القرى، مما حرم السكان من أبسط مقومات الحياة اليومية.
تردي الأوضاع الأمنية، مع تكرار قصف المسيّرات والاشتباكات بين قوات الدعم السريع والجيش السوداني وحلفائه من القوة المشتركة.
انهيار شبه تام للخدمات من صحة ومياه وتعليم، بعد استهداف المرافق الحيوية وهجرة الكوادر.
بلا مخيم
يقول منسق غرفة طوارئ كرنوي عبد العزيز مادبو أحمد -للجزيرة نت- إن نحو 21 ألف شخص نزحوا من قرى “هرمبا” و”أبو قمرة” و”ضل بارد” و”قرقرة” و”عد الخير” و”بجروبا” وغيرها، وهم منتشرون في الوديان تحت الأشجار، فلا يوجد مخيم قريب يستقبلهم ولا مركز إيواء يحصيهم، بينما تقع المخيمات داخل السودان على مسافة بعيدة يصعب الوصول إليها.
ويضيف أن ثلاثة أشخاص من أسرة واحدة قُتلوا وأُصيب ثلاثة آخرون الأسبوع الماضي بقصف مسيّرة تابعة لقوات الدعم السريع استهدف مدنيين قرب كرنوي، حيث نُقل المصابون إلى تشاد.
العيش في العراء
ولا تقتصر معاناة النازحين على فقدان المأوى، بل تمتد إلى كل تفاصيل الحياة اليومية. فهم يفترشون التراب تحت الأشجار، ويحتمون من شمس النهار بقطعة قماش بالية، وينامون على الأرض المكشوفة دون بطانيات تقيهم البرد.
وتقول النازحة سمية عبد الكريم إبراهيم للجزيرة نت: “نطبخ مرة واحدة كل يومين إن توفر الدقيق والبصل، ننام على التراب، ونستيقظ على أصوات الأطفال يبكون من الجوع”.
وتفتقد الأسر مقومات الحياة الكريمة؛ فلا مراحيض، ولا عيادات، ولا مدارس، ولا يوجد مكان تغتسل فيه النساء.
نزوح مزدوج
ومأساة هؤلاء النازحين ليست هي الأولى، بل إنها امتداد لمأساة نزوح مزدوجة عاشها آلاف السكان. ويقول الناشط المحلي عثمان أبكر صالح -للجزيرة نت- إن معظم هؤلاء النازحين عاشوا سنوات في معسكرات اللاجئين بشرقي تشاد، ثم عادوا طوعا إلى قراهم في محلية كرنوي، أملا في استعادة حياتهم والعودة إلى الزراعة ومصادر رزقهم.
ومع اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، دفعهم القتال مرة أخرى إلى مغادرة مناطقهم عدة مرات، لكنهم لم يجدوا هذه المرة مخيما قريبا يستقبلهم، ولم يتمكنوا من العبور إلى تشاد بسبب بُعد المسافة، فاستقروا في العراء تحت الأشجار.
ويقول الناشط صالح إنهم “عادوا ليجدوا الحرب في انتظارهم، ففروا مجددا ولكن إلى العراء هذه المرة”.
ويقول استشاري علم الاجتماع الدكتور محمد سليمان حامد أتيم إن العيش في العراء بسبب النزوح القسري ليس مجرد غياب للمأوى، بل هو “تفكيك كامل للنسيج الاجتماعي وانهيار لكل مقومات الحياة الكريمة”.
ويوضح أتيم -في حديث للجزيرة نت- أن الأسرة التي تُجبر على مغادرة قريتها والاستقرار في العراء تحت شجرة تفقد ثلاثة أشياء دفعة واحدة: الأمان، والانتماء، والكرامة.
ويشير إلى أن “المرأة تتحمل العبء الأكبر، فهي المسؤولة عن الطعام والماء ورعاية الأطفال، في وقت لا تجد فيه حتى مكانا للاغتسال”.
ويحذّر من أن استمرار هذا الوضع “سيؤدي إلى تحوّل النزوح المؤقت إلى واقع دائم، وظهور مجتمعات هامشية تعيش خارج أي نظام أو حماية”.
أزمة مياه
وتواجه الأسر النازحة أزمة مياه حادة، إذ لا توجد آبار كافية في الوديان التي لجؤوا إليها. ويقول الناشط المحلي آدم إسحاق النور -للجزيرة نت- إن معظم مصادر المياه في القرى الأصلية إما نضبت أو خرجت عن الخدمة نتيجة استهدافها بالطائرات المسيرة.
ووثقت غرفة طوارئ كرنوي استهداف سوق كرنوي بطائرة مسيرة تابعة لقوات الدعم السريع في 11 مايو 2026، مما أدى إلى تعطيل إحدى الآبار الرئيسية بالكامل ونفوق عدد من الماشية.
وفي 3 نوفمبر 2025، استهدفت طائرة مسيرة مستشفى كرنوي للأطفال، مما أسفر عن مقتل سبعة مدنيين على الأقل، في حادثة وصفتها شبكة أطباء السودان بأنها “جريمة حرب مكتملة الأركان”.
نداء عاجل
ووجّه منسق غرفة طوارئ كرنوي عبد العزيز مادبو أحمد نداء عاجلا إلى الجهات الإنسانية، وقال إن “الأوضاع تتطلب استجابة عاجلة تشمل توفير مياه صالحة للشرب، والغذاء، والأدوية، والخدمات الصحية، والتغذية العلاجية للأطفال، ومواد الإيواء، ومستلزمات النساء والأطفال”.
ودعا مادبو أحمد إلى “إيجاد حلول عاجلة لإعادة الأطفال الذين انقطعوا عن الدراسة إلى التعليم”، محذراً من أن استمرار الأزمة سيؤدي إلى تفاقم أوضاعهم الإنسانية والتعليمية.