المواصلات في السودان.. حين يستهلك الطريق معظم الراتب
Mazin
الأحداث – تقرير تحولت المواصلات في السودان من وسيلة للوصول إلى العمل أو الأسواق إلى عبء يثقل كاهل المواطنين في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية. وبين زيادة تعرفة النقل وارتفاع أسعار الوقود وتكاليف التشغيل، يجد العاملون وأصحاب الدخول المحدودة أنفسهم أمام معادلة صعبة، إذ يذهب جزء كبير من دخلهم في الطريق قبل أن يصلوا إلى نهاية الشهر.
يقول المعلم بولاية كسلا، سيد تمبه، إنه يعمل معلماً بالدرجة الأولى، ويتقاضى راتباً شهرياً يبلغ 325 ألف جنيه، مشيراً إلى أن تعرفة المواصلات لم تكن مستقرة طوال الفترة الماضية بسبب ندرة الجازولين.
وأضاف أن المدينة اضطرت إلى استخدام مختلف وسائل النقل، بما في ذلك عربات الشرطة والمرور والقلابات، لافتاً إلى أنه يضطر أحياناً إلى استخدام عربات الكارو، وفي أحيان أخرى الدراجات النارية، للوصول إلى مقر عمله.
وأشار تمبه، في حديثه لـ”الترا سودان”، إلى أن تعرفة ركوب التكتك وصلت إلى 5 آلاف جنيه للمشوار الواحد، ما يجعله بحاجة إلى 10 آلاف جنيه يومياً للذهاب إلى العمل والعودة منه. وأوضح أنه عند احتساب أيام العمل باستثناء أيام الجمعة، فإنه يحتاج إلى ما بين 250 و260 ألف جنيه شهرياً للمواصلات، أي ما يعادل نحو 77% إلى 80% من راتبه الشهري.
وأضاف أنه فكر عدة مرات في ترك المهنة بسبب ارتفاع تكاليف المواصلات مقارنة براتبه، وأوضح أنه اضطر إلى ممارسة مهنة إضافية لتوفير احتياجات أسرته والاستمرار في العمل، مشيراً إلى أنه استغنى عن كثير من متطلبات الحياة، حتى إن مبلغ 70 ألف جنيه المخصص لشراء وجبة لا يكفي لتغطية احتياجات أسرة مكونة من خمسة أفراد ليوم واحد.
أما الخبير الاقتصادي هيثم فتحي، فيرى أن زيادة أسعار النقل والمواصلات تحدث تأثيرات اقتصادية واجتماعية مباشرة على المواطنين والأسواق، من بينها ارتفاع معدلات التضخم وزيادة الأعباء المعيشية على الأسر، إلى جانب فرض ضغوط إضافية على دخول الموظفين والطلاب الذين يعتمدون على التنقل اليومي.
المواصلات تستنزف الدخول وقال فتحي، في حديثه لـ”الترا سودان”، إن رفع تعرفة النقل وزيادة أسعار الوقود يؤديان إلى ارتفاع تكاليف شحن ونقل المنتجات الغذائية والبضائع، وهو ما ينعكس بدوره على الأسعار النهائية للسلع في الأسواق ويزيد من الضغوط التضخمية.
وأوضح أن تأثير ارتفاع تكلفة النقل يمتد إلى تكاليف التشغيل في القطاعات الصناعية والتجارية المختلفة، ما يعني زيادة محتملة في تكاليف الإنتاج والتمويل، الأمر الذي ينعكس على أسعار السلع والخدمات.
وأضاف أن اعتماد قطاعي التصنيع والتوزيع بصورة كبيرة على الوقود يجعل تأثير الزيادة في أسعار المحروقات مباشراً وسريعاً على الأسواق، مشيراً إلى أن ارتفاع تكاليف الإنتاج قد يؤدي إلى زيادة أسعار عدد من المنتجات، مع تحميل المستهلك النهائي هذه الأعباء الإضافية.
وشدد فتحي على ضرورة تدخل الحكومة لضبط الأسواق ومراقبة الأسعار، إلى جانب التحكم في حجم المعروض من السلع الأساسية، بما يحد من تفاقم التضخم ويقلل من تأثير الزيادات على المستهلكين.
ويرى أن معدلات التضخم مرشحة للارتفاع خلال الفترة المقبلة، الأمر الذي قد يؤثر على قرارات بنك السودان المركزي ويستدعي دراسة الأوضاع الاقتصادية بعناية لضبط السياسة النقدية.
وأشار إلى أن التراجع المستمر في سعر صرف الجنيه السوداني يحد من استفادة الاقتصاد المحلي من انخفاض أسعار النفط عالمياً، موضحاً أن استمرار تراجع العملة المحلية أمام الدولار قد يحرم الأسواق السودانية من الاستفادة من انخفاض الأسعار العالمية، متوقعاً استمرار الضغوط على سعر الصرف حتى نهاية العام الحالي.
وتوقع فتحي إخفاق الحكومة في ضبط الأسعار في ظل غياب الرقابة والتفتيش على الأسواق، بعد أيام قليلة من إعلان التعرفات والأسعار الجديدة، الأمر الذي يترك المواطنين في مواجهة الزيادات دون تدخل فعال، كما حدث في مرات سابقة.
وأضاف أن ارتفاع تكاليف التشغيل سينعكس أيضاً على أجور المواصلات، ما يزيد الأعباء على المواطنين الذين يعتمدون على التنقل اليومي للوصول إلى أماكن العمل والمدارس والجامعات والمرافق الصحية.
وأوضح أن ارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة، إلى جانب زيادة أجور النقل، دفع كثيراً من المواطنين إلى السير لمسافات طويلة للوصول إلى وجهاتهم داخل المدن في محاولة لتقليل نفقات المواصلات.
أعباء المواصلات تثقل الأطباء أما الطبيب بولاية شمال كردفان، الذي فضل عدم ذكر اسمه، فقال لـ”الترا سودان” إن راتبه الشهري يبلغ مليوناً و200 ألف جنيه، جملة ما يتقاضاه من المراكز التي يعمل فيها، وإن تكلفة المواصلات من منزله إلى المستشفى الذي يعمل به تصل إلى 6 آلاف جنيه يومياً، مشيراً إلى أنه ينفق نحو 156 ألف جنيه شهرياً على المواصلات وحدها لمكان عمل واحد.
وأوضح الطبيب أنه لم يفكر في ترك العمل رغم ارتفاع تكاليف المواصلات، مؤكداً أنه يتحمل هذه الأعباء لأن الطب مهنة إنسانية في المقام الأول. وأضاف أنه يعمل في عدة مراكز لتغطية تكاليف المواصلات والمعيشة.
وبين معلم يقتطع ما يقارب 80% من راتبه للمواصلات، وطبيب يتحمل تكاليف التنقل إلى المستشفى ومراكز عمل أخرى لتغطية نفقات المعيشة، تتسع دائرة الأعباء التي يواجهها العاملون في السودان. فارتفاع تعرفة النقل لم يعد مجرد زيادة في النفقات اليومية، بل أصبح عاملاً يهدد استقرار الأسر ويضعف القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية، في وقت تتآكل فيه الدخول تحت وطأة الغلاء.
ومع استمرار ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف التشغيل، يبقى المواطن أمام خيارات محدودة: إما استنزاف راتبه في الطريق إلى العمل، أو البحث عن بدائل قد لا تكون متاحة للجميع، فيما تظل الحاجة ملحة إلى حلول تحد من ارتفاع تكاليف النقل وتحمي ما تبقى من دخول المواطنين. نقلا عن “الترا سودان”