المسيرات… ما قصتها ومن وراءها؟

الأحداث – تقرير
تزايدت بشكل ملفت استهدافات الطائرات المسيرة خلال شهر اكتوبر الماضي والتي كان آخرها السبت حيث رصدت مراصد القوات المسلحة طائرة مسيرة حلقت في الاجواء ما بين مدينتي الدلنج وكادقلي وتحديدا في منطقة الدشول الواقعة في الطريق الرابط بين المدينتين وإلى الشمال من كادقلي حاضرة ولاية جنوب كردفان حيث حبست مجموعات كبيرة من المواطنين انفاسها تحسبا لاستهداف المسيرة اهدافا مدنية او مرافق حيوية كالتي حدثت عصر يوم الاربعاء الماضي واحدثت اضرارا كبيرة في محطة وقود تابعة لشركة النيل ومحطة كهرباء إلى الشمال الغربي من سوق المدينة الكبير بينما اصابت المقذوفة الثالثة موقف تالودي المكتظ بالمواطنين والواقع شرقي السوق الكبير للمدينة وكان حي الدرجة الثالثة الواقع إلى الجنوب الشرقي ايضا من السوق نصيبه من المقذوفة الرابعة من المسيرة حيث رصدت المنصات الطبية عددا من الاصابات المتفاوتة بين اكثر من 18مواطنا نالتهم المقذوفات الاربع.

الاوضاع التي شهدتها مدينتي كادقلي والدلنج والمناطق المحيطة بهما تكررت في انحاء متفرقة من البلاد منها مدينة شندي بولاية نهر النيل حيث اعلنت لجنة امن المحلية برئاسة المدير التنفيذي عصر الجمعة الماضية عن تعرض محطة كهرباء المدينة لقصف بطائرة مسيرة مما ادى لتلف المحولات الرئيسة بالمحطة والتي تغذي كل المدينة وبعض المناطق والقرى المحيطة بها مما أدى لحالة اظلام تام تجري الآن بشكل جاد محاولات إعادة الحال إلى ما كان عليه ونفس ماحدث في شندي حدث في محطة المرخيات التحويلية الواقعة شمال غرب مدينة ام درمان حيث تم استهداف المحطة بمسيرات بشكل مباشر مما خلف خسائر كبيرة داخل المحطة وفي نفس الوقت حدث إطفاء كامل في انحاء واسعة من العاصمة الاتحادية وكذلك كانت محطة ام دباكر بولاية النيل الابيض قد تعرضت لذات
القصف بالطيران المسير وكانت الاضرارفيها كبيرة وربما احتاج اصلاح تلفها عدة أشهر وفقا لاشارات اشار بها مصدر وثيق الصلة بمرفق الكهرباء وتكررت ذات المشاهد واستمرت منذ بداية هذا العام في مدن الفاو والحواتة وسنجة ومشكور وكادقلي والابيض والرهد اب دكنة وام روابة حيث شملت ولايات القضارف وسنار والنيل الابيض والجزيرة وجنوب كردفان وشمال كردفان.

ولسنا في حاجة لرصد الآثار التي تخلفها هذه الاستهدافات الممنهجة للمرافق الحيوية والتي لها بعد انساني واجتماعي لأن توقف محطات الإمداد الكهربائي ومستودعات ضخ الوقود ومحطات توزيعه يؤدي إلى حالة شلل تام للخدمات العامة في مرافق الكهرباء والمياه والمستشفيات والمدارس حيث يؤدي انقطاع التيار الكهربائي وتوقف مولدات الكهرباء بالمستشفيات والمرافق الصحية إلى توقف عملها مما يعرض حياة المرضى للخطر خاصة في حالة العمليات الجراحية إذ ان انقطاع التيار الكهربائي بسبب ضرب محطات الكهرباء ومحطات الوقود بالطيران المسير يجعل المستشفيات والمرافق الصحية في حالة اشكالات مزدوجة وتعرض الادوية للتلف خاصة التي تحتاج في تخزينها إلى درجة حرارة معينة من البرودة والمعدات الطبية التي تحتاج لحفظ وتخزين بمخازن مبردة او درجة حرارة منخفضة.
وكذلك من الآثار التي تخلفها استهدافات الطيران المسير للمرافق الحيوية انهيار شبكات الاتصالات والتي تعرضت محطات الارسال والتقوى فيها إلى التلف مما يؤدي إلى
تذبذب خدمات شركات الاتصالات مما يؤدي لتعثر التحويلات المصرفية والبنكية عبر الهواتف النقالة مما يحرم الكثير من الاسر من الحصول على متطلباتها اليومية الحياتية من مأكل ومشرب ودواء ومعاملات تجارية وخدمية والانتقال من جهة الى أخرى

ثمة تساؤل مهم وآخر متفرع منه لابد من طرحه والاجابة عليه وهو (ما وراء هذه المسيرات)؟ ومن وراء المسيرات؟ وللاجابة على ذلك لابد من التقرير بأن هذه الحرب الماثلة بالبلاد منذ 15 أبريل 2023م هي حرب وجودية تستهدف السودان الجغرافيا والتاريخ والموارد الضخمة الموجودة فيه في ظاهر الارض وباطنها علاوة على موقعه الاستراتيجي المتفرد و حالة التعدد والتنوع التي تميز مجموعاته السكانية وهي بدأت بمخطط استيلاء قوات الدعم السريع التي تمردت على الدولة التي كانت جزءا منها ولما فشلت تحولت إلى حرب مدن لاخراج سكانها وافراغ المساكن والمتاجر والمصانع والورش والمؤسسات التعليمية والثقافية ونهب ما بداخلها وتدمير بنياتها الاساسية ومعالمها الحضارية والاثرية بشكل ممنهج ولما فشلت كل مخططات وخطط المليشيا المتمردة وداعميها اتجهت نحو تصميم خطة ضرب المرافق الحيوية مثل مستودعات الوقود ومحطات توزيعه ومحطات توليد ونقل وتوزيع الكهرباء عبر استخدام الطيران المسير الذي يعمل بتقنيات عالية وبدون طيران وذلك لتحقيق اكثر من هدف.. فعلاوة على استهداف البنيات التحتية وتدمير المرافق الحيوية وقلة تكلفة الطيران المسير اذا ما قورنت بتكاليف الحرب الأخرى المتمثلة في تحريك وإمداد وتشوين وتموين القوات وانتشارها وتسليحها وتأهليها وتدريبها بالاضافة الى هدف اساسي وهو ايقاف عمليات العودة الطوعية للمواطنين العائدين إلى مساكنهم وإلى اعمالهم في الولايات والمدن التي استعادتها القوات المسلحة والقوات المشتركة والمساندين لها وذلك بزيادة الضغط النفسي عليهم وخفض روحهم المعنوية حيث يشكل
الطيران المسير خطرا محدقا بجميع المواطنين المدنيين الآمنين ولكن الأهم من ذلك في استخدام الطيران المسير بهذه الكثافة وفي اكثر من مدينة وبشكل متزامن هو صرف انظار الرأي العام العالمي والمحلي عن التصدعات والانشقاقات الاخيرة التي حدثت داخل المليشيا وعزوف الكثير من الحواضن الاجتماعية من تحشيد ابنائها وتقديمهم لميادين القتال بعد تعرض زملائهم الآخرين للكثير من المرارات داخل المليشيا والتي مارست عليهم حالة من التمييز بينهم وبين ابناء الماهرية وهي الاثنية الاقرب لآل دقلو حيث حظي المنتمون اليها بامتيازات كبيرة وغير مسبوقة بينما عانى غيرهم من الجوع والمرض والاصابات وأهوال الحرب ما عانوا.
وقد صممت دولة الامارات العربية المتحدة الداعم الأكبر للمليشيا خطة حرب المسيرات لتوسيع دوائرالاظلام وترويع المواطنين الآمنين والمرافق الحيوية لزيادة الضغوط الاقتصادية عليهم حتى ينفضوا من تأييد الحكومة والجيش ..ولكن هيهات وفي نفس الوقت لصرف الانظار عن الهزائم التي منيت بها المليشيا على الأرض.

وللاجابة على التساؤل المتفرع من التساؤل الاساسي الخاص ب (من وراء المسيرات)؟ ومن ما سبق اتضح ان دولة الامارات العربية المتحدة الداعم للمليشيا هي تقف من وراء تزويدها بالمسيرات لتحقيق الاهداف التي ذكرتها آنفا ولكن تساؤل (من وراء المسيرات)؟ الاجابة عليه بشكل آخر وهي ان هناك دول جوار معادية هي من وراء ادخال الطيران المسير للبلاد ولكن وزارة الخارجية والتعاون الدولي وعلى لسان وكيلها السفير معاويه عثمان خالد اكدت ضلوع اثيوبيا في انطلاق الطيران المسير من داخل أراضيها وقد أكد أن اجهزة الرصد الخاص بالدفاع الجوي قد اكدت ذلك بالإضافة إلى ذلك فقد تواترت معلومات مؤكدة ان عمليات إدخال الطائرات المسيرة إلى السودان عبر حدوده تتم بالتنسيق مع بعض الدول المجاورة له والتي استمالتها دولة الامارات العربية المتحدة لصفها حيث يتم تهريب طائرات مسيرة كاملة عبر الحدود البرية لدول الجوار المعادية او ادخالها جوا عبر مطارات ومهابط في مناطق سيطرة الدعم السريع اذ يتم نقلها عبر دول حليفة للمليشيا مثل اثيوبيا وتشاد وليبيا حفتر كذلك تقوم المليشيا عن طريق شركات تابعة لدولة الامارات المتحدة من شراء الطائرات المسيرة من دول التصنيع بشكل مباشر كالصين والولايات المتحدة الامريكية.

ومن الضروري الاشارة إلى ان اكبر المساندين لعمليات الطيران المسير وتزايد استهدافاتها هم المتعاونون مع المليشيا الذين يمثلون خلايا نائمة لها مما يستدعي تضييق الرقابة عليهم وكشفهم وافساد مخططاتهم اذ تبدأ مهامهم من الحدود حيث يباشرون عمليات ادخالها وتهريبها للداخل وبعد دخولها السودان يقومون بعمليات اعادة تركيبها بواسطة فنيين متعاونين مع المليشيا واختبار تشغليها وربطها بالاجهزة التقنية وهناك نوع آخر من المتعاونين مع المليشيا وهم الاخطر حيث تعتمد المنصات التقنية في إطلاق الطائرات المسيرة عليهم اذ يقدمون المعلومات المتكاملة والمتمثلة في تحديد الاحداثيات الجغرافية عن طريق تقنية ال(GPS)
عن المناطق العسكرية والمرافق الحيوية (محطات الكهرباء توليدها ونقلها وتوزيعها)ومستودعات الوقود ومحطات توزيعها وناقلاتها من الموانئ والمستودعات إلى محطات التوزيع بالإضافة إلى تقديم معلومات دقيقة عن حركة القيادات العسكرية والسياسية والتنفيذية ومناطق سكنها وارسال كل ذلك للجهات المشغلة للمسيرات لتحديد اهدافها بدقة.
وتمثل عملية تأكيد الهدف البصري وهي رصد المواقع بالعين المجردة وتصوير تأكيد وجود الهدف قبل اطلاق المسيرة وتنفيذ الضربة لضمان عدم ضرب موقع تم اخلاء المتواجدين به اخطر العمليات التي يقوم بها المتعاونون والذين يقومون بعمليات أخرى ايضا خطيرة ومنها وضع الشرائح والمستشعرات حيث يقوم المتعاون بزرع شرائح الكترونية في مقار او سيارات خاصة بمستهدفين لتوجيه الطائرة المسيرة نحوها.
عموما نخلص إلى ان تزايد عمليات الطيران المسير يشير بجلاء إلى ان تساؤل (ما وراء الطيران المسير في حرب السودان الماثلة) إلى تحول استراتيجي خطير في الحرب مما يتطلب مواجهته بكل السبل.
نقلا عن “أصداء سودانية”

↑
Exit mobile version