رأي

المغالاة في تفخيم اللغة العربية

خالد محمد أحمد

(1)

وصلني من صديقٍ عزيز مقطعٌ مصوَّرٌ قديم من برنامج (مقاربات) بعنوان “منزلة اللغة العربية بين اللغات المعاصرة” يستضيف العالم الجليل الدكتور عبد المجيد الطيب عمر، أستاذ اللغة الإنجليزية بجامعة أم القرى، للحديث عن مكانة اللغة العربية. ولما وجدتُ أن ما طُرِح فيه يتقاطع مع ما كتبتُه مؤخرًا في مقالتي “الدفاع عن اللغة العربية بين الحراسة والتحنيط”، رأيتُ أن أعود إلى مناقشة بعض الأفكار التي تضمَّنها، وخاصةً أنها ما تزال تُتداول حتى اليوم.

ما أودُّ تأكيده ابتداءً هو أن اختلافي مع الدكتور عبد المجيد في بعض ما طرحه لا ينتقص شيئًا من مكانته العلمية ولا من غزارة علمه؛ بل إنني بطبيعتي أكنُّ تقديرًا خاصًّا لكلِّ من أفنى عمره في خدمة اللغة العربية أو البحث فيها. غير أن توقير العلماء لا يعني التسليم بكل ما يقولون، كما أن محبة العربية لا ينبغي أن تجعل العاطفة تحلُّ محلَّ البرهان.

ولا جدالَ في أن العربية من أعظم لغات العالم، وأنها تمتلك ثروةً معجميةً هائلة، وقدرةً فائقةً على التعبير والإبانة؛ لكنني أتحفَّظ على محاولات إثبات تفوُّقها المطلق على سائر اللغات بالاستناد إلى أمثلةٍ متفرقة أو مقارناتٍ انتقائية؛ فمثلُ هذه الأحكام لا تستقيم إلا إذا قامت على دراساتٍ لغويةٍ مقارنةٍ واسعة، لا على شواهد تُنتَقى لتأييد نتيجةٍ مُسبقة.

في هذه الحلقة، تحدَّث الدكتور عبد المجيد عن مكانة اللغة العربية، ثم انتقل إلى مقارنتها باللغة الإنجليزية، مُستشهدًا بجملةٍ من الأمثلة التي بدا لي أنه أراد بها التدليل على أن الإنجليزية أعقد وأقلّ قدرةً على الإبانة من العربية. ومن هنا بدأت ملاحظاتي.

فعلى سبيل المثال، استشهد الدكتور بما ذكره من أن نحو 67% من الأفعال الإنجليزية أفعالٌ غير منتظمة (Irregular Verbs)، وعدَّ ذلك وجهًا من وجوه تعقيد اللغة. غير أنه لم يُشِر إلى أن متعلِّم العربية مطالبٌ بحفظ أبواب الأفعال الثلاثية المجرَّدة فعلًا فعلًا، من نحو “نصر ينصر”، و”ضرب يضرب”، و”فتح يفتح”، و”فرح يفرح”، و”كرم يكرم”، و”حسب يحسب” من غير قاعدةٍ صوتية عامة مطَّردة تكفي لمعرفة حركة المضارع في جميع الأفعال. فإذا انتقلنا بعد ذلك إلى إعراب الفعل المضارع، ازداد الأمر تعقيدًا. غير أن وجود الأفعال غير المنتظمة في الإنجليزية لا يُمثِّل وحده معيارًا على التعقيد؛ فكلُّ لغةٍ تُوزِّع جوانبَ التعقيد على مواضعَ مختلفةٍ من نظامها.

واستشهد الدكتور كذلك بترجمة قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وذهب إلى أن احتياج الإنجليزية إلى تسعِ كلماتٍ لأداء هذا المعنى في مقابل أربع كلماتٍ في العربية دليلٌ على تفوُّق العربية في الإبانة.

غير أنني لا أرى أن هذا المثال ينهض لإثبات تلك النتيجة؛ لأن اللغات لا تُوزِّع المعاني على الوحدات اللغوية بالطريقة نفسها، ولا تتساوى في العلاقة بين الكلمة والبنية الصرفية والتركيب النحوي؛ فالعربية لغةٌ ذات نظامٍ صرفي كثيفٍ تُضمَّن فيها كثيرٌ من الدلالات داخل الكلمة الواحدة عن طريق الضمائر المتصلة والمستترة، وعلامات التصريف، بينما تميل الإنجليزية إلى توزيع هذه الدلالات على كلماتٍ مستقلَّة.

ومن منظور التحليل اللغوي، فإن الكلمات الأربع في الآية الكريمة لا تُمثِّل أربع وحداتٍ دلالية بسيطة؛ إذْ إن بعض هذه الكلمات يشتمل في بنيته الداخلية على عناصرَ صرفية ونحوية تُؤدِّي معانيَ متعددة؛ فـ”إيَّاك” ليست وحدةً خالية من العناصر الدلالية، إذْ تحمل في بنيتها عنصر الخطاب المتمثِّل في الكاف المتصلة بها، كما تتضمَّن “نعبد” فعلًا وفاعلًا هو ضميرٌ مستتر تقديره “نحن”، وكذلك “نستعين”. ولذلك، فإن المقارنة بين اللغتين على أساس عدد الكلمات وحده ليست معيارًا علميًا صالحًا للحُكم على قدرة لغةٍ على الإبانة؛ لأن محلَّ المقارنة ينبغي أن يكون مقدار المعنى الذي تُؤدِّيه كلُّ لغةٍ بوسائلها البنيوية الخاصة، لا عدد الألفاظ التي استُعملت في التعبير عنه.

ويسري الأمرُ نفسُه على الوحدة الكتابية القرآنية ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾، التي يكثُر الاستشهاد بها للدلالة على تفوُّق العربية؛ إذْ يُقال إن كلمةً واحدة في العربية تقابلها سبعُ كلماتٍ تقريبًا في الترجمة الإنجليزية. غير أن هذا الاستدلال يغفل حقيقةً لغويةً مهمة، وهي أن هذه الكلمة الواحدة ليست وحدةً بسيطة، بل جملةٌ مكتملة العناصر من الناحية النحوية؛ فهي تتضمَّن همزة الاستفهام، والفعل، وفاعلًا مستترًا تقديره “نحن”، ومفعولين هما “كُم” و”ها”.

ويتجلَّى هذا الفهمُ في تصرُّفِ مترجم رواية “موسم الهجرة إلى الشمال” في أحد المواضع؛ إذْ لم يتعامل مع النصِّ بمنطق النقل الحرفي؛ ففي النصِّ العربي ورد:

“إذا لم يكن خائفًا فلماذا سألني هذا السؤال: “هل أنت ابنه؟”. سألني هكذا دون أن يدري هو الآخر لماذا نطق بهذه الكلمات الثلاث، وهو يعلم تمام العلم من أنا”.

وجاءت الترجمة الإنجليزية:

If he had not been frightened, why should he have asked me this question: ‘Are you his son?’. He asked me this question though he too was unaware of why he had uttered these words, knowing as he does full well who I am.

يُلاحَظ في هذا المثال أن المترجم حذف كلمة “الثلاث” في قوله: (these words)؛ لأن الحفاظ عليها يفترض تطابقًا عدديًا بين وحدات لغوية لا تتطابق في بنية اللغتين؛ فالسؤال العربي “هل أنت ابنه؟” يتكوَّن من ثلاث كلماتٍ؛ إذ تُعدُّ “ابنه” وحدةً كتابيةً واحدةً لاشتمالها على الاسم والضمير المتصل، بينما يُؤدَّى المعنى نفسه في الإنجليزية بعبارةٍ من كلمتين مستقلَّتين، وهما “his son”. ولذلك، فإن الإبقاء على كلمة “الثلاث” في الترجمة كان سيؤدِّي إلى فرض تناظرٍ شكلي غير موجود بين النظامين اللغويين.

ولو اتُّخذ اختزال المعاني في كلمةٍ واحدة معيارًا للحُكم على تفوُّق لغةٍ على أخرى، لأمكننا أن نسوق من الإنجليزية أمثلةً كثيرةً مقابلة؛ فكلمة (uncharacteristically)، على سبيل المثال لا الحصر، مشتقَّةٌ من عناصر متعدِّدة، وقد تُؤدَّى في العربية بتركيبٍ أطول. ولا يعني ذلك أن الإنجليزية تتفوَّق على العربية، كما لا يعني المثال القرآني تفوُّق العربية على الإنجليزية؛ وإنما يبيِّن أن كلَّ لغةٍ تمتلك طرائقها الخاصة في بناء المعنى وتوزيعه بين المفردة والتركيب، وأن الحُكم على غنى اللغة أو قدرتها على الإبانة لا يصحُّ أن يُبنى على معيارٍ واحدٍ معزول عن بقية الخصائص اللغوية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى