المراجع العام.. لينا زمن نفتش ليك: أين تقارير المال العام؟

*فيما أرى*

*عادل الباز*

السؤال ليس عن وجود تقارير المراجعة فحسب، بل عن موعد اكتمالها، والجهات التي تسلمتها، وسبب عدم نشرها للرأي العام.

1

أخبار الأسبوع الماضي أغلبها مبهجة، وهو من أنضر الأسابيع التي مرت على البلاد منذ أن حلت فيها لعنة التغيير القحتي، التي دخلت على البلاد والعباد «بالساحق والماحق والبلاء المتلاحق». لم أعرف عبارة تصف ذلك التغيير أكثر من هذه العبارة التي ظل السودانيون يذكرونها كلما ألم بهم بلاءٌ ماحق وساحق ومتلاحق. انظر كيف سحق التغيير كل قيمة نادى بها الشباب، فلا حصلوا على عدالة ولا نالوا حرية، وبدلاً من سلام أشعل التغيير في البلاد واحدة من أشد حروبها عنفاً. ثم أعد النظر كيف محق التغيير أي بركة نماء في اقتصاد البلاد، وهكذا دخلت البلاد في بلاءات متلاحقة، آخرها هذا الدمار الذي نشهده الآن.

2

في الأسبوع الماضي تم توقيع اتفاق يقضي بتشكيل مجلس للتنسيق الاستراتيجي بين السعودية والسودان، وفي ذات الأسبوع طار وفد للكويت ووقع اتفاقيات مهمة مع دولة الكويت. وفي تركيا شكلت زيارة الفريق ياسر العطا أهم منعطف في تاريخ العلاقات بين تركيا والسودان، مما سيكون له أثر بالغ على مجريات الميدان.

3

إلا أن حدثاً بالغ الأهمية أيضاً قد وقع بالداخل. جاء في الأنباء: «التقى رئيس مجلس السيادة الانتقالي، القائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان، اليوم بالقصر الجمهوري بالخرطوم، المراجع العام لجمهورية السودان صلاح الدين محمد عثمان».

ألم أقل لكم إن هذا أسبوع سعيد؟ أن يطل علينا المراجع العام بعد غيبة وصمت ليقول: أنا موجود وشغال، ويلتقي بالمسؤولين في الدولة في أعلى هرمها. حمد لله على السلامة.

لي ملاحظتان حول التصريحات التي أدلى بها المراجع العام عقب لقائه بالرئيس البرهان. الأولى أنه قال: «*إن الديوان يعكف حالياً على إعداد تقرير الأداء العام للدولة للعام 2025م*». يعني ذلك أن تقرير العام 2025 ليس جاهزاً، والعام يكاد ينتهي!

ذلك يعني أن الديوان بحاجة إلى عام كامل لمراجعة أداء الأجهزة والشركات الحكومية. وعندها تكون حلقات التسيب والنهب والسرقة التي طالت أموال الدولة قد اكتملت، واستقرت الأموال في جيوب الفاسدين.

لكن المفارقة أن الفقرة الأولى من الخبر تقول إنه «قدم لرئيس مجلس السيادة تقريراً شاملاً عن أداء قطاع البنوك والمصارف للعام المالي المنتهي في 2025م، والذي شمل بنك السودان المركزي والبنوك التجارية المتخصصة، وأشار إلى أن الأداء العام للقطاع المصرفي أظهر تحسناً ملحوظاً».

طيب، إذا كان تقرير عام 2025 تحت الإعداد، فكيف توصل المراجع إلى نتائج تخص تحسن أداء البنوك؟ أم أنه راجع البنوك أولاً وأتى بهذا الخبر السعيد للرئيس، مبشراً بأن أداء البنوك قد تحسن؟

أما عن تقرير 2024، فيقول المراجع إن الديوان «*راجع حسابات 598 وحدة حكومية وسفارات السودان بالخارج، وإنه بدأ تنفيذ خطة مراجعة حسابات العام المالي 2024* معنى ذلك، بحسب التصريح، أن مراجعة حسابات العام 2024 لا تزال غير جاهزة.

هنا تظهر الروايات المتعارضة بوضوح:

– *المراجع العام يقول إن تقرير الأداء العام للدولة للعام 2025 لا يزال قيد الإعداد*.

– *المراجع العام يقول إن تنفيذ خطة مراجعة حسابات العام المالي 2024 قد بدأ.*

– نائب المراجع العام، محمد النعيم، قال في تصريحات صحفية بتاريخ الأحد 2 أغسطس 2026: «*أكد النعيم أن ديوان المراجعة العامة سلّم تقارير المراجعة الخاصة بالأعوام من 2019 وحتى 2025 إلى الجهات المختصة*».

– وفي 10 نوفمبر 2025، قال المراجع العام، لدى لقائه الرئيس البرهان، إنه «*قدم تنويراً لرئيس مجلس السيادة حول سير الأداء بالديوان والتقارير المالية لمؤسسات الدولة المختلفة، بجانب التقرير المالي للوحدات الحكومية للعام 2024م*».

إذن هناك تناقض جوهري بين التصريحات، ويستلزم توضيحاً رسمياً لا يحتمل التأويل. هل اكتملت تقارير الأعوام من 2019 إلى 2025 وسُلّمت بالفعل إلى الجهات المختصة، كما يقول نائب المراجع؟ أم أن تقرير 2025 لا يزال تحت الإعداد، وأن مراجعة 2024 بدأت للتو، كما يفهم من تصريحات المراجع العام؟ وما التقرير الذي قُدم للرئيس البرهان في نوفمبر 2025؟

الصورة المرفقة توضح أن تقريراً قد سُلّم للرئيس البرهان، لكن يبقى السؤال: ما طبيعة ذلك التقرير؟ هل هو تقرير المراجعة النهائي، أم تنوير عن سير الأداء، أم تقرير مالي جزئي؟ وأيهما نصدق: المراجع أم نائبه، أم أن التصريحات تحتاج إلى توضيح حاسم يرفع الالتباس؟

لو كنت أعلم أن المراجع العام سيزور الرئيس البرهان، لطلبت من الرئيس سؤال المراجع بيان للراى العام يوضح سبب عدم نشر التقارير. وهل السبب هو عدم اجتماع الجهات المختصة، مجلس الوزراء ومجلس السيادة، كما يقول نائب المراجع؟ أم أن تلك التقارير لم تكتمل أصلاً؟

والأغرب أن نائب المراجع يشير مباشرة إلى مسؤولية المجلسين في عدم نشر التقارير المراجعة، ولم يتكرم لا رئيس مجلس السيادة ولا رئيس الوزراء بنفي التهمة عن نفسيهما. إنه لأمر سيئ أن يظن الناس أن أهم مجلسين في البلاد لا يباليان بما يمكن أن تنطوي عليه تلك التقارير من فساد ونهب مؤسسات وبنوك. سيكون ذلك محبطاً، ولا يجعل الناس يثقون بأن الدولة جادة في محاربة الفساد.

المطلوب من ديوان المراجعة العامة ليس مزيداً من العبارات العامة عن «سير الأداء»، بل بيان مكتوب ومحدد للرأي العام: ما التقارير التي اكتملت؟ ومتى سُلّمت؟ ولأي جهة؟ وما الذي حال دون نشرها؟ فالتقارير المالية ليست ملكاً للمراجعين أو للمؤسسات التي تُراجع، وإنما هي وثائق تتصل بالمال العام وحق المواطنين في المعرفة والمساءلة.

ولا يكفي أن تُراجع الأموال العامة؛ الأهم أن تُعلن نتائج المراجعة، وأن يعرف الناس ما الذي ثبت، ومن الذي تُوجَّه إليه المسؤولية، وما الذي اتُّخذ من إجراءات. الصمت على التقارير أو تأخيرها لا يحمي الدولة من الفساد، بل يفتح الباب للشك في أن محاربته ليست أولوية.

Exit mobile version