رأي

المراجع العام لاذ بالصمت… وترك لنا الرماد!

فيما أرى
عادل الباز
هل يظن السيد المراجع العام أن صمته وإخفاء التقارير عن الرأي العام سيُنجيه من المطاردة، ويُدفن القضية في النسيان؟ هذا الصمت هو الاستراتيجية السقيمة التي اعتادتها المؤسسات الحكومية في تعاملها مع الصحافة، وهو السبب الذي يجعل المراجع العام لا يستجيب لنداءاتنا المتكررة بشأن الإفراج عن تقرير 2025. فالتقرير ليس ملكًا شخصيًا للمراجع، بل هو وثيقة عامة تخص كل مواطن سوداني.
لا يظنّن أحد أن مطاردتنا للسيد المراجع العام بقصد استهدافه شخصيًا، فلا صلة لنا به ولا نعرف عنه شيئًا. إنما نعرفه حارسًا أمينًا — أو هكذا يُفترض — لأموال المواطنين، وضابطًا للأداء العام، ومصلحًا لمؤسسات الدولة من خلال تقويم أدائها المالي.
نطارد السيد المراجع العام لأننا نعلم أن ما في التقرير من بلايا — بحسب ما كُشف منها جزء يسير — يُشير إلى أن ما يحمله من فساد وتجاوزات لا يمكن أن يخطر على البال. يكشف التقرير عن بلايا لا حصر لها، منها: عشرات الشركات ترفض تسليم دفاترها للمراجعة، وبنوك حكومية تم نهبها “على عينك يا تاجر”، وملايين الدراهم والدولارات مهدرة، وأعضاء مجالس إدارة الشركات الخاسرة يتقاضون الآلاف من الدولارات سنويًا مقابل اجتماعين فقط في العام.
بالإضافة إلى ذلك، ذهبت ملايين الدولارات لا تعود عوائدها إلى الخزينة ولا يُعرف مصيرها، وشركات وجهات حكومية تصدّر الذهب وتذهب عوائده إلى حيث لا يُدرى. عشرات الشركات الحكومية تخسر سنويًا بالملايين، ورؤساؤها وأعضاء مجالس إدارتها يتقاضون الآلاف من الدولارات. هذه ليست مجرد أرقام وإحصائيات، بل هي دماء الشعب ومستقبل أجياله.
إننا، يا سيادة المراجع، عندما نطارد التقرير إنما نستهدف وضع هذا الفساد المستشري في أروقة الدولة والمؤسسات أمام أعين الرأي العام. إنها أفضل طريقة لمعالجة خلل تلك المؤسسات، إما بإغلاقها أو تصفيتها أو إعادة النظر في أدائها، ووقف نزيف إهدار المال، وإغلاق بوابات الفساد.
فبدلًا من أن يكون السيد المراجع عونًا للصحافة، أصبح حارسًا للفساد والتجاوزات، بل هو ضد إصلاح تلك المؤسسات. هل يعلم أحدكم مثلاً كم تبلغ مديونية بنك النيلين وكم تم نهبه؟ 175 مليون درهم منهوبة لا يُعرف مصيرها. وليس بنك النيلين وحده. عشرات المؤسسات الحكومية تعاني النزيف نفسه، فيما يبقى المواطن يعاني الفقر والغلاء.
إن المجهودات الصارمة والممتازة التي يقوم بها بنك السودان المركزي حاليًا لا يمكن أن تأتي نتائجها دون كشف الخلل في المؤسسات البنكية الحكومية واسترداد أموالها. وهذا ما يعمل عليه بنك السودان حاليًا. ومن المؤكد أن نشر تقرير المراجع العام سيساعد البنك في أداء مهامه، لأنه وثيقة موثوقة ومقياس (ترمومتر) يوضح مدى درجات الشفافية التي تتعامل بها الدولة في المال العام، ويساعد في النهاية على إصلاح جهاز الدولة.
لا نطارد، يا سعادة المراجع، جهات محددة أو أشخاصًا بعينهم، إنما نكافح الفساد المؤسسي لصالح صحة البيئة الاقتصادية والسياسية، وهذا هو دورنا. ولذا نكرر النداء تلو النداء بضرورة الإفراج عن تقارير المراجع العام.
فذلك أفضل من أن تتخبط الصحافة وتنشر عن قضايا الفساد بلا مرجعية موثوقة، فيمتلئ فضاء “الإسافير” بقصص فساد لا أساس لها واتهامات لمؤسسات وشخصيات لا تستحق التشهير. كلما كانت الدولة شفافة ووفرت المعلومات الموثوقة، قلت الشائعات، وتحسنت بيئة العمل، وأصبح المناخ أقل تلوثًا بقصص الفساد. الشفافية ليست رفاهية، بل هي ضرورة وجودية لأي دولة تريد أن تنهض وتتقدم.
فغير أن ذلك يساعد الدولة ومؤسساتها في مكافحة الفساد، فإن له أثرًا مباشرًا على نظافة بيئة الأعمال، مما يسهل الدعوة للاستثمارات الخارجية. تُرى من الذي سيأتي ليستثمر في بيئة اقتصادية وسياسية لا شفافية فيها وموبوءة بالفساد؟ لا أحد. إن الشفافية هي الشرط الأساسي للجذب الاقتصادي، وصحة البيئة الاقتصادية والقانونية هي أول ما يسأل عنه المستثمرون.
لا يعرف أحد السبب الذي يدفع المراجع العام لإخفاء هذا التقرير بهذا الحرص العجيب. هل هناك جهات أعلى تأمره بذلك؟ هل يعتقد أنه لا ضرورة لإعلان الحقائق للملأ ويتعمد ترك الشعب في عماه؟ هل يتستر على فساد شخصيات أو مؤسسات متنفذة لا يمكن كشف أمرها؟ أم أن كل تلك الأسباب مجتمعة وراء إخفاء التقرير؟
تأكد، يا سيادة المراجع العام، أن يومًا ستخرج فيه الحقائق للرأي العام، ويومها لن يكون لك أي فضل، بل ستطاردك الاتهامات بأنك أخفيت تقريرك وتركت الفساد ينخر في عظم الدولة. يومها ستصب عليك اللعنات.
أما نحن، فسنظل نطارد التقرير حتى يرى النور. فاستعد لمعركة طويلة، هي معركتنا مع الفساد. هذا وطن فداه الآلاف بأرواحهم، فأقل ما يمكن أن نفعله هو أن نمنع تخريبه بالفساد من الداخل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى