ثقافة وفنون

المخرج بدرالدين هجو: الدراما صناعة وليست مناسبة موسمية.. والسودان لا تنقصه الحكايات

تواجه الدراما السودانية تحديات عديدة تتصل بالنص والإنتاج والتوزيع، في وقت فرضت فيه الحرب والنزوح والتحولات الاجتماعية واقعاً جديداً على الكاتب والمخرج. ومع اتساع حضور المنصات الرقمية ودخول الذكاء الاصطناعي إلى صناعة المحتوى، تتجدد الأسئلة حول مستقبل الدراما السودانية وقدرتها على التعبير عن المجتمع.
في هذا الحوار مع «الأحداث»، يتحدث المخرج بدرالدين هجو عن تجربته الإخراجية، وأزمة النص والإنتاج، وكيفية تناول الحرب والنزوح بعيداً عن المباشرة، إلى جانب رؤيته لبناء الشخصيات السودانية، وحدود العلاقة بين الكاتب والمخرج والمنتج، وما تحتاجه الدراما لاستعادة حضورها.
حوار :ماجدة حسن
بداية، نتعرف على تجربتك في الدراما.. متى بدأت؟ وما أبرز الأعمال التي أخرجتها؟
علاقتي بالدراما قديمة جداً، وبدأت من وقت مبكر، لأنني كنت دائماً مؤمناً بأنها ليست مجرد مهنة، وإنما وسيلة للتعبير عن المجتمع والإنسان وقضاياه. عملت في مجالات مختلفة داخل الوسط الفني والإعلامي، من الكتابة إلى الإخراج والإنتاج، وهذا منحني فرصة لرؤية العمل الدرامي من أكثر من زاوية.
ومن الأعمال التي أعتز بها تجربة «دنيا دوارة»، إلى جانب أعمال أخرى مثل «فترة انتقالية» و«غريب» و«عسل مسموم»، وصولاً إلى تجاربي الحالية، ومنها «عابر»، الذي سيكون في رمضان 2027 بإذن الله، إلى جانب عدد من المشاريع الأخرى.
بالنسبة لي، كل عمل أخرجه هو تجربة جديدة، ولا أحب أن أتعامل مع نفسي باعتبار أنني وصلت إلى محطة نهائية؛ فما زلت أتعلم وأجرب وأبحث عن شكل أفضل للدراما السودانية.
كيف تقيم واقع الكتابة الدرامية والنص السوداني اليوم؟
عندنا كتاب موهوبون جداً، وعندنا أفكار وقصص يمكن أن تتحول إلى أعمال عظيمة، لكن المشكلة ليست في الموهبة وحدها. أحياناً يكون لدينا كاتب ممتاز، لكنه لا يجد المشروع الذي يمنحه المساحة والوقت والميزانية المناسبة، وأحياناً يكون لدينا مشروع إنتاجي، لكن النص لا يأخذ حقه من التطوير.
النص الدرامي ليس مجرد فكرة جميلة وحوار سوداني، وإنما بناء وشخصيات وصراع وإيقاع وتطور درامي ومنطق للأحداث. وأعتقد أننا نحتاج إلى ثقافة تطوير النص قبل التصوير، لأن كثيراً من المشكلات التي تظهر أثناء التصوير يكون أصلها في مرحلة الكتابة.
هل تكمن أزمة الدراما السودانية في قلة الكتاب أم غياب المشاريع الإنتاجية؟
أعتقد أن المشكلة أكبر من ذلك. لدينا كتاب ومخرجون وممثلون ومواهب شابة، ولدينا جمهور متعطش للدراما السودانية، لكن ما ينقصنا هو المشروع الصناعي المتكامل.
في كثير من الأحيان نتعامل مع العمل الدرامي كتجربة فردية؛ مخرج يحاول، ومنتج يجتهد إذا وجد، وكاتب يكتب، وممثلون يعملون بحماس. لكن الدراما صناعة تحتاج إلى منظومة: شركات إنتاج حقيقية، وتمويل مستمر، وتدريب، وورش كتابة، ومنتجين يفهمون الدراما، ومنصات توزيع، والأهم الاستمرارية. لا يمكن أن نبني صناعة إذا كان كل موسم يبدأ من الصفر.
إلى أي مدى تعكس الدراما السودانية واقع المجتمع؟ وهل واكب الكاتب التحولات الكبيرة التي يعيشها السودان؟
السودان تغير بصورة كبيرة جداً، والدراما مطالبة بأن تتغير معه، لكن لا أعتقد أن المطلوب من الكاتب أن يجري خلف الحدث فقط. الكاتب الحقيقي يحاول أن يفهم ماذا فعل الحدث بالإنسان.
الحرب والنزوح والاغتراب والفقد والانقسام الاجتماعي كلها غيرت الإنسان السوداني. أصبحنا أمام شخصيات ومخاوف وأحلام جديدة، وحتى العلاقات الأسرية والاجتماعية تغيرت. لذلك نحن بحاجة إلى كتابة سودانية معاصرة لا تكتفي بتكرار الصورة القديمة للمجتمع.
كيف يمكن تناول الحرب والنزوح والاغتراب دون الوقوع في المباشرة؟
أفضل طريقة هي أن نحكي عن الإنسان وليس عن الشعارات. بدلاً من أن أجعل الشخصية تجلس وتشرح الحرب للمشاهد، أجعل المشاهد يرى أثرها عليها: رجل فقد بيته، امرأة تنتظر خبراً من شخص غائب، طفل تغيرت أحلامه، شاب اضطر إلى الهجرة، وأسرة تفرقت بين أكثر من بلد.
هذه التفاصيل الصغيرة أحياناً تكون أقوى من ألف خطاب مباشر. الدراما لا تحتاج إلى أن تقول للمشاهد إن الحرب مؤلمة، بل تجعله يعيش الألم مع الشخصية، وهو بنفسه يصل إلى النتيجة.
هل الدراما مطالبة بتوثيق هذه المرحلة أم تقديم معالجة إنسانية تتجاوز الحدث؟
الاثنان، لكنني أميل أكثر إلى المعالجة الإنسانية. التوثيق مهم جداً، لأن الدراما يمكن أن تحفظ ذاكرة المجتمع، لكن إذا تحولت إلى تقرير إخباري فقدت وظيفتها الفنية.
أنا أريد أن أقدم شخصية سودانية تعيش الحرب، وليس أن أقدم محاضرة عنها. الأحداث تتغير، لكن الإنسان يبقى. وبعد عشرين سنة ربما ينسى الناس تفاصيل بعض الأحداث، لكنهم سيتذكرون الشخصية التي أحبوها، أو التي أبكتهم، أو الحكاية التي جعلتهم يشعرون بأنهم كانوا جزءاً منها.
هل توجد موضوعات يجب التعامل معها بحذر في الدراما؟
بالتأكيد. هناك موضوعات مرتبطة بالدين والسياسة والحرب والقبيلة والمجتمع، وهذه تحتاج إلى وعي كبير، ليس خوفاً من تناولها، وإنما من تناولها بطريقة سطحية أو تحريضية.
أنا مع الجرأة في الدراما، لكن الجرأة ليست الاستفزاز. المخرج والكاتب لديهما مسؤولية، لأن الشخصية التي نقدمها يمكن أن تؤثر في وعي المشاهد، لذلك يجب ألا تتحول الدراما إلى منصة لتصفية الحسابات أو تكريس الكراهية.
هل اللهجة السودانية عنصر قوة أم تحدٍّ للوصول إلى جمهور أوسع؟
اللهجة السودانية في رأيي عنصر قوة وليست مشكلة. المشكلة ليست في اللهجة، وإنما في طريقة تقديمها. اليوم العالم يشاهد أعمالاً بلغات ولهجات مختلفة، ومع ذلك تصل إلى الجمهور لأن القصة صادقة وممتعة.
وأنا أؤمن بأن العمل السوداني يجب أن يكون سودانياً في روحه وشخصياته ولهجته، وفي الوقت نفسه يكون إنسانياً في موضوعه. إذا حاولنا أن نتخلى عن هويتنا خوفاً من عدم وصول العمل إلى الجمهور العربي، فقد نخسر أهم شيء نملكه، وهي خصوصيتنا.
كيف يمكن بناء شخصيات سودانية حقيقية بعيداً عن التنميط؟
أول شيء أن نتوقف عن كتابة «السوداني النموذجي». ما في سوداني واحد. عندك المثقف والجاهل، والطيب والمجرم، والمتدين والمنافق، والغني والفقير، والشجاع والجبان، والإنسان الذي يتغير حسب الظروف.
الشخصية الحقيقية فيها تناقضات. حتى الشخصية الشريرة لا أريدها أن تكون شريرة لأنها شريرة فقط، بل أريد أن أفهم: لماذا أصبحت هكذا؟ ماذا تريد؟ ماذا تخاف؟ وما الشيء الذي يمكن أن يجعلها تنهار؟ كلما فهمت الشخصية أكثر أصبحت أكثر صدقاً.
قدمت اعتذاراً عن عمل قبل فترة. هل لا يُمنح المخرج السوداني المساحة الكافية لتنفيذ رؤيته؟ وإلى أي مدى يتدخل المنتج أو الكاتب؟
أنا أؤمن بأن العمل الدرامي شراكة، لكن لكل شخص مساحة ومسؤولية واضحة: الكاتب صاحب النص، والمنتج صاحب المشروع والمسؤول عن الجانب الإنتاجي، والمخرج مسؤول عن الرؤية البصرية والتنفيذ.
المشكلة تبدأ عندما تختلط الأدوار. أنا كمخرج محترف أحتاج إلى مساحة أمارس فيها رؤيتي، وهذا لا يعني أنني أعمل بعيداً عن المنتج أو الكاتب. بالعكس، أنا مؤمن جداً بالحوار والتعاون، لكن التعاون شيء وفرض الرؤية شيء آخر.
واعتذاري عن العمل الذي ذكرتِه كان بسبب عدم وجود توافق في الرؤية وطريقة العمل، وليس بسبب ضعف النص، فالحكاية مكتوبة بطريقة جميلة. وفائز حسن من الكتاب المظلومين، وإذا وجد المنتج الشاطر والإمكانات المناسبة، فمن الممكن أن يكون من ركائز كتاب الدراما. وأعتقد أن الانسحاب باحترام أفضل من أن يستمر الإنسان في عمل لا يستطيع أن يقدم فيه أفضل ما عنده.
هل غيّرت المنصات الرقمية شكل الكتابة الدرامية؟ وهل أصبحت السرعة والترند يؤثران في جودة النص؟
بالتأكيد تغير كل شيء. المنصات الرقمية أعطتنا فرصة عظيمة، لأنها كسرت احتكار القنوات التقليدية وسمحت لصانع العمل بالوصول مباشرة إلى الجمهور.
لكن في المقابل أصبح هناك ضغط كبير باتجاه السرعة والترند والمشاهدة، وأحياناً يقع الكاتب في فخ كتابة ما يضمن التفاعل بدلاً من أن يكتب ما يخدم القصة.
أنا مع مواكبة العصر، لكن ضد أن يتحول الترند إلى كاتب يقرر لنا ماذا نكتب. العمل الجيد يمكن أن ينجح رقمياً، لكن بشرط ألا نضحي بالقصة والشخصيات من أجل مشهد ينتشر يومين على السوشيال ميديا.
هل يشكل الذكاء الاصطناعي فرصة أم تهديداً للرؤية الدرامية؟
أراه فرصة كبيرة، لكن بشرط أن نعرف كيف نستخدمه. الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد الكاتب في البحث، وترتيب الأفكار، واقتراح الاحتمالات، وتطوير بعض الجوانب، وحتى في مراحل ما قبل الإنتاج.
لكن لا يمكن أن يمنحني تجربة عشتها أنا. الآلة يمكن أن تعرف معنى الغربة، لكن الإنسان الذي عاشها يعرف وجعها بطريقة مختلفة. لذلك أنا لا أخاف من الذكاء الاصطناعي، وإنما أخاف من أن يستخدمه الإنسان بديلاً عن موهبته. الأداة لا تصنع الفنان، بل الفنان هو الذي يعرف كيف يستخدم الآلة.
ما الذي تحتاجه الدراما السودانية لتستعيد حضورها؟
أعتقد أن علينا أن نتوقف عن البحث عن المتهم الوحيد. المشكلة منظومة كاملة. نحتاج نصوصاً أفضل، وإنتاجاً أقوى، وشركات ومؤسسات ترعى الصناعة، ومنصات عرض وتوزيع، وتدريباً وتأهيلاً، ونحتاج إلى دولة ترعى وتنتج الدراما، وتوزيع عادل للفرص بين المخرجين، بدلاً من دعم مخرج ومجموعة بعينها.
لكن أهم شيء في رأيي هو أن نؤمن بأن الدراما صناعة وليست مناسبة موسمية. وإذا أردنا دراما سودانية قوية، علينا أن نصنع بيئة يستطيع فيها الكاتب أن يكتب، والمخرج أن يخرج، والممثل أن يتطور، والمنتج أن يستثمر، والجمهور أن يجد أعمالاً سودانية باستمرار.
أنا متفائل، لأنني أرى الآن جيلاً جديداً من الشباب السوداني يمتلك الموهبة والرغبة في التعلم والعمل. وأنا شخصياً سعيد جداً بهذا الجيل، وخصوصاً المواهب التي ألتقي بها في المملكة، وأشعر أن رحلة اكتشاف المواهب وتقديمها يجب أن تستمر.
وفي النهاية، أعتقد أن السودان لا تنقصه الحكايات. السودان بلد مليء بالحكايات والشخصيات والصراعات والتجارب، وما ينقصنا هو أن نحول هذه الحكايات إلى صناعة حقيقية، وأن نمنحها الإنتاج والوقت والوعي الفني الذي تستحقه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى