د. إسماعيل ساتي
في تعقيبه على مقالي الأخير حول انهيار العملة الوطنية، لفت المهندس عادل عبدالفتاح هبلوج انتباهي مشكوراً إلى قضية ربما تكون أكثر إلحاحاً من كثير من القضايا التي ننشغل بها اليوم، وهي أزمة الكهرباء.
وقد ذكر المهندس عادل حقيقة بسيطة ولكنها عميقة الدلالة: لا توجد تقريباً أي منشأة إنتاجية أو خدمية أو تجارية أو سكنية لا تعتمد على الكهرباء بصورة مباشرة أو غير مباشرة. فالمصانع تحتاج الكهرباء للإنتاج، والمزارع تحتاجها للري، والمستشفيات تحتاجها لتشغيل أجهزتها، ومحطات المياه تعتمد عليها في الضخ، وشبكات الاتصالات لا تعمل بدونها، بل حتى أبسط الأنشطة التجارية والخدمية والترفيهية هي مرتبطة بها.
ومن هنا فإن أزمة الكهرباء ليست مجرد أزمة خدمية، وإنما هي أزمة تمس كل قطاعات الاقتصاد والحياة العامة.
لقد ألحقت الحرب أضراراً واسعة بالبنية التحتية للكهرباء. فالأضرار لم تقتصر على محطات التوليد، بل امتدت إلى المحطات التحويلية وخطوط النقل وشبكات التوزيع، وهي مكونات مترابطة لا يمكن لأي جزء منها أن يؤدي وظيفته بمعزل عن الآخر.
وفي كثير من الأحيان ينصرف النقاش العام إلى حجم التوليد الكهربائي المتاح، بينما تكمن المشكلة الأولية في أن جزءاً مهماً من شبكة النقل والتحويل تعرض للتدمير أو التدهور، مما يجعل إيصال الكهرباء إلى المستهلكين تحدياً لا يقل أهمية عن إنتاجها.
ومع استعادة الدولة السيطرة على أجزاء واسعة من البلاد وبدء عودة المواطنين إلى مناطقهم واستئناف الأنشطة الاقتصادية، ارتفع الطلب على الكهرباء بصورة متسارعة، في وقت لا تزال فيه القدرات الإنتاجية والشبكات الناقلة تعاني من آثار الحرب. وهنا تبرز المفارقة التي يغفل عنها كثيرون: فكل نجاح في إعادة الإعمار وعودة المواطنين والأنشطة الاقتصادية يرفع الطلب على الكهرباء، بينما لا تزال القدرة على توفيرها محدودة، مما يؤدي إلى اتساع الفجوة بين العرض والطلب.
ومن منظور الفكر المنظومي، فإن الاستثمار في الكهرباء لا ينبغي النظر إليه باعتباره عبئاً على المالية العامة أو استنزافاً للعملات الأجنبية، بل باعتباره أحد أهم الاستثمارات المنتجة في الاقتصاد الوطني. صحيح أن إعادة تأهيل المحطات الحرارية وخطوط النقل والمحطات التحويلية تتطلب موارد مالية كبيرة وعملة صعبة قد تكون شحيحة في الظروف الحالية، لكن الصحيح أيضاً أن عدم القيام بهذه الاستثمارات سيكلف الاقتصاد أضعاف ذلك مستقبلاً. فكل مصنع يتوقف بسبب انقطاع الكهرباء يعني إنتاجاً أقل وصادرات أقل ووظائف أقل. وكل مشروع زراعي يعجز عن الري يعني انخفاضاً في الإنتاج وزيادة في فاتورة الاستيراد. وكل منشأة تضطر للاعتماد على المولدات الخاصة تعني تكلفة أعلى على الاقتصاد واستهلاكاً أكبر للوقود المستورد.
وبعبارة أخرى، فإن الإنفاق على الكهرباء ليس استهلاكاً للعملة الصعبة، بل هو استثمار يساعد على توفير العملة الصعبة في المستقبل من خلال زيادة الإنتاج وتقليل الاستيراد.
ولهذا فإن الأولوية في مرحلة ما بعد الحرب ينبغي ألا تقتصر على إعادة بناء المباني والمنشآت، بل يجب أن تشمل إعادة بناء البنيات التحتية الاستراتيجية التي يقوم عليها النشاط الاقتصادي بأكمله. وتأتي الكهرباء في مقدمة هذه البنيات.
إن إعادة تأهيل المحطات الحرارية المتضررة، وصيانة المحطات التحويلية، وإعادة بناء خطوط النقل الرئيسية، وتحديث شبكات التوزيع، والتوسع في مشروعات الطاقة الشمسية والطاقات المتجددة، ينبغي أن تصبح جزءاً من خطة وطنية عاجلة للتعافي الاقتصادي. كما أن هذه الخطة يجب أن ترتبط بخطط إعادة تأهيل مصفاة الجيلي، وتطوير قطاع النفط، وتحديث البنية التحتية للنقل والسكك الحديدية والموانئ، لأن هذه القطاعات تشكل معاً منظومة مترابطة لا يمكن فصل بعضها عن بعض.
لقد اعتدنا في السودان على التعامل مع الأزمات بمنطق إطفاء الحرائق؛ نعالج المشكلة الأكثر إلحاحاً اليوم ثم ننتقل إلى المشكلة التالية غداً. لكن بناء الدول لا يتم بهذه الطريقة. فالكهرباء ليست بنداً من بنود الإنفاق يمكن تأجيله إلى حين تحسن الظروف، وإنما هي شرط أساسي لتحسن الظروف نفسها.
ولهذا أعتقد أن السؤال لم يعد: هل نستطيع تحمل تكلفة إعادة بناء قطاع الكهرباء؟ بل أصبح: هل يستطيع السودان تحمل تكلفة عدم إعادة بنائه؟