رأي

ويل للمطففين يا لطيف!! (1)

فيما ارى
عادل الباز
1
أزعجني بعض الأصدقاء برسائلهم يسالوني : هل اطلعت على ما كتبه لطيف عنك؟ لا… ما الخبر؟ وماذا كتب هذا المصيبة؟ لم ألبث إلا قليلاً حتى أرسل لطيف نفسه مقاله الذي جاء رداً على مقال لي بعنوان (الحكومة تخذل شعبها). وبعد أن فرغت من قراءة مقاله، أرسلت له رسالة مقتضبة: (انتظرني في ترعة كافوري)، ترعة كافوري، تلك قريبة من منزل صديقي لطيف العامر، حيث قضينا أجمل أمسيات الأنس، وكم طربنا فيه لرقة لحن، وسعدنا بكرم أهله الفياض، حياهم الغمام.
2
الحقيقة أنني سعدت بخروج لطيف من أقبية التسجيلات المملة إلى فضاء الكتابة التحليلية، التي يجيدها واحترفها طيلة عمره، واعتدنا عليها بحقها وباطلها، وكنا نستمتع بها ونرد عليها. ثم إنني اشتقت لرجل عاقل من الضفة الأخرى نتحاور معه.
المفاجأة كانت صادمة حين قرأت نص مقاله (ما لا يرى الباز فيما يرى)، إذ أذهلني تدهور صحته الكتابية والتحليلية، حتى أشفقت عليه. وتساءلت بين أصحابي وأصحابه: ماذا جرى لصديقي لطيف؟ هل كتب ما كتب تحت تأثير وعكة صحية؟ أم علة فكرية؟ أم تأثير مخدرات أخرى؟
تلقيت إجابات كثيرة، أهمها أن لطيف قد ارتدى “كدمولا” ماركة (د.ع.س) في رأسه فتعثر فهمه، وآخرون قالوا لي إنه وضع على عينيه نظارة ماركة (ص.م.د) فاعتل نظره!!. بالطبع لم أصدقهم؛ لأنني أعرف أن لطيف رجل أنيق، يحب ربطات العنق والبدل الزرقاء، ولا يكاد يعرف لبس الطواقي، فكيف يرتدي “كدمولا”!!. لا، هذا ليس صحيحاً.. أما حكاية أنه وضع على عينيه نظارة من تلك الماركة فلا أظن أن ذلك صحيحاً أيضاً؛ لأن النظارات التي اعتاد أن يضعها في عينه ترى بوضوح، وهؤلاء رؤاهم دائماً مغبشة. ذلك أيضاً ليس صحيحاً؟
إذن ما هذا الذي كتبه لطيف؟ بدا أن للسن أحكاماً، فلطيف صحافي مخضرم عاصر ثلاثة أجيال من الصحفيين.. ابتداءً من جيل أستاذه الأول محجوب محمد صالح، وجيل فضل الله محمد وإدريس حسن، ثم جيل حسن ساتي وآمال عباس وفيصل محمد صالح، وأخيراً جيل نازك شمام ولينا يعقوب وهو دفعة الأميرة سارة أبو!!. هذه المدة الطويلة التي قضاها في دهاليز الصحافة بصراعاتها ومشاكلها لا بد أنها تركت أثراً ما في قدراته التحليلية والذهنية. فللعمر أحكام… فلا بد من مراعاة فروق الوقت وعامل السن. ولذا قررت أن أرد عليه في هذا المقال بلطف، فليس منا من لا يوقر الصحفيين المخضرمين، خاصة الذين أصابهم الزهايمر المبكر فنسوا حتى تاريخهم القريب!!. دعونا نلحق بلطيف في حافة الترعة قبل أن يغرق في أوهامه.
3
لنتأمل هذه الفقرة الافتتاحية التي هي جوهر كل المقال، إذ يقول: (فات على الباز أن الحكومة التي يتحدث عنها لا تملك من الأمر شيئاً) بمعنى ان كل الأمر بيد العسكر، أي هم الحكام الفعليون بحسب مقال لطيف!!… عجباً… ترى ما مشكلة لطيف أصلاً مع “حكم العسكر”؟ ثلاثون عاماً لم نسمع من لطيف مشكلة مع (حكم عسكر الإنقاذ) حتى يوم سقوطهم. العسكر طوال تلك المدة هم الأحباب والصحاب والرفاق، هم الذين تتزين بهم مجالسه وتستمد منهم الأخبار الخاصة، وتتزين بهم صفحات صحفه ويتباهى بالقرب منهم!!.. ”نظام الإنقاذ الديكتاتوري الفاسد بتاع الكيزان” (بعد التغيير بالطبع) كان نظاماً عسكرياً وجاء بانقلاب. “عسكر الإنقاذ حكموا السودان 30 عاماً، فما المشكلة أن يدير “عسكر الثورة” حلفاء الأمس السودان منفردين من وجهة نظر لطيف؟ أم أن عساكر الإنقاذ المقربين وحدهم من يحق لهم حكم البلاد؟ لا ينبغي للطيف بالذات أن يكون له رأي في “حكم العسكر”، فلقد لاذ بالصمت ثلاثين عاماً ولم نعرف له نضالاً ضد حكم العسكر؟ يا ربي نسي لطيف تلك الأيام… أم أنه عامل السن؟ التاريخ لا يزال ندياً يا حبيب. ويل للمطففين يا لطيف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى