عبدالعزيز يعقوب – فلادلفيا
١٥ مايو 2026
ليست كل الجغرافيات خرائطاً وحدوداً صامتة. فهناك أمكنةٌ يمرّ عليها التاريخ مروراً عابراً، وأمكنةٌ يسكنها التاريخ ويعيد كتابة نفسه فوق تضاريسها جيلاً بعد جيل. والقرن الإفريقي من تلك البقاع التي تبدو كأنها وُلدت على حافة التوتر الدائم؛ فلا هو يستقر استقراراً كاملاً، ولا ينهار انهياراً نهائياً، بل يظل معلقاً بين الدولة والفوضى، وبين البحر والنهر، وبين الحلم الإمبراطوري وخوف التفكك.
وكما أشرنا في الحلقة الأولى من هذا المكتوب، فإن هذا الإقليم الممتد من ضفاف البحر الأحمر وباب المندب إلى مرتفعات الحبشة ووادي النيل، لم يكن يوماً هامشاً بعيداً عن حركة العالم، بل ظل أحد أكثر مفاصله حساسية واضطراباً. فمن يقترب من القرن الإفريقي لا يقترب من جغرافيا محلية محدودة، بل من عقدةٍ تتلاقى فيها التجارة بالطاقة، والهجرة بالأمن، والمياه بالموانئ، والنفوذ الدولي بتاريخ طويل من الصراع المكتوم.
ولهذا لم تُترك المنطقة يوماً خارج حسابات القوى الكبرى. فهنا تتحول الموانئ والحدود والأنهار إلى أدوات نفوذ وصراع تتجاوز معناها الجغرافي التقليدي، وتصبح الدولة نفسها جزءاً من معادلات البحر والمياه والممرات الإستراتيجية.
ومع النصف الثاني من القرن العشرين، دخل القرن الإفريقي واحدةً من أكثر مراحله اضطراباً. فقد جاءت الحرب الباردة لتلقي بثقلها فوق تناقضاته التاريخية، فتحولت المنطقة إلى رقعة شطرنج مفتوحة بين واشنطن وموسكو، تتقاطع فوقها الحسابات العسكرية والاستخبارية والمصالح البحرية.
اقترب نظام جعفر نميري من الولايات المتحدة، بينما أصبح منغستو هيلا مريام أحد أبرز حلفاء الاتحاد السوفيتي في إفريقيا بعد وصوله إلى السلطة عام 1974.
ومنذ تلك اللحظة، لم تعد العلاقة بين السودان وإثيوبيا مجرد علاقة جوار، بل غدت امتداداً لصراع دولي أوسع، تتداخل فيه الأيديولوجيا بالموانئ، والأمن بالحدود، والنفوذ بالسلاح.
حاول منغستو إعادة تشكيل إثيوبيا كدولة مركزية صارمة تحت راية الماركسية، لكنه كان يواجه بلداً شديد التعقيد، متعدد القوميات والهويات والتواريخ المحلية. ولأجل تثبيت سلطته، بنى نظاماً أمنياً قاسياً، وأطلق حملات قمع واسعة، وخاض حروباً طويلة ضد الحركات الإريترية والمعارضة الإثيوبية، خصوصاً في تيغراي.
غير أن القبضة الأمنية، مهما بدت صلبة، كثيراً ما تُخفي تحتها تشققات تتسع بصمت حتى لحظة الانفجار. فالدول التي تُدار بالخوف قد تبدو قوية في ظاهرها، لكنها تستنزف تماسكها الداخلي تدريجياً من حيث لا تشعر.
وفي المقابل، دعمت إثيوبيا الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق، وقدمت لها التدريب والسلاح والدعم اللوجستي، فتحولت الحرب الأهلية في جنوب السودان من نزاع داخلي إلى جزء من شبكة صراعات إقليمية معقدة، عُرفت آنذاك بما يشبه “حزام الجيوش الشعبية” المدعوم من الاتحاد السوفيتي وحلفائه في المنطقة.
لكن الخرطوم بدورها لم تقف خارج لعبة التوازنات المضادة. فقد احتضن السودان، بدرجات متفاوتة، فصائل المعارضة الإثيوبية والإريترية، بما في ذلك الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي وغيرها من الحركات المناوئة لأديس أبابا.
ولم يكن ذلك مجرد مناورة سياسية عابرة، بل خط استقرار اول للسودان و تعبيراً عن إدراك سوداني استخباري مهني قديم بأن اضطراب إثيوبيا لا يبقى داخل حدودها طويلاً، بل يتسرّب سريعاً عبر القبائل والأسواق واللاجئين والسلاح، حتى يبلغ الداخل السوداني نفسه.
وخلال الثمانينيات، تحولت الحدود الشرقية للسودان إلى شريان مفتوح للحرب والنجاة معاً.
كان اللاجئون الإثيوبيون والإريتريون يعبرون نحو السودان هرباً من المجاعة والاقتتال، بينما كانت الجماعات المسلحة تعبر في الاتجاه المعاكس بحثاً عن التمويل والسلطة والتحالفات والسلاح.
وهكذا لم تعد الحدود تفصل بين الدول بقدر ما أصبحت مساحة رمادية تتداخل فيها الدولة بالقبيلة، والسياسة بالبقاء، والحرب بالمجاعة، حتى بدا القرن الإفريقي كله وكأنه يعيش داخل دائرة متصلة من القلق والتوتر المتبادل.
وفي عام 1991، انهار نظام منغستو بعد سنوات طويلة من الاستنزاف العسكري والعمل الاستخباري والانهيار الاقتصادي والعزلة الدولية. ولم يكن سقوطه مجرد نهاية حاكم، بل انهيار نموذج كامل حاول إخضاع التعدد القومي الإثيوبي بالقوة الصلبة والقبضة الأمنية.
ثم ما لبث أن وقع التحول الأخطر بعد ذلك بعامين، حين استقلت إريتريا، لتفقد إثيوبيا منفذها المباشر إلى البحر الأحمر للمرة الأولى منذ قرون. وقد جاء ذلك، إلى حد بعيد، نتيجة لمسار طويل من العمل السياسي والاستخباري بدأ في عهد نميري، قبل أن تجني السلطة السودانية اللاحقة بعض ثماره الإستراتيجية.
ولم يكن ذلك مجرد تغير حدودي، بل لحظة أعادت تشكيل الوعي الإستراتيجي الإثيوبي بأكمله؛ إذ وجدت الدولة التي اعتادت النظر إلى نفسها بوصفها وريثة إمبراطورية تاريخية نفسها فجأة محاصرة داخل اليابسة، تحميها التضاريس وحدها، وتعتمد على موانئ الآخرين كي تتنفس اقتصادياً وتتحرك تجارياً.
ومنذ تلك اللحظة، لم يعد البحر الأحمر في الوعي الإثيوبي مجرد ممر ملاحي، بل تحول إلى هاجس وجودي يرتبط بالأمن القومي ومكانة الدولة ومستقبلها الإقليمي.
وفي المقابل، بدأت النخب الإثيوبية تكبح شيئاً من اندفاع تطلعاتها الإمبراطورية، وأعادت النظر في عناصر القوة الأخرى التي ما تزال تمتلكها الدولة. وإذا كان البحر قد خرج من السيطرة المباشرة، فإن النيل الأزرق ظل الورقة الجيوسياسية الأهم داخل الجغرافيا الإثيوبية.
فهنا، في هذا الإقليم القلق، لا تصبح المياه مجرد مورد طبيعي، بل تتحول إلى عنصر قوة، وأداة نفوذ، وجزء من معادلات البقاء نفسها.
وهكذا، مع نهاية الحرب الباردة، دخل القرن الإفريقي مرحلة جديدة فان
إثيوبيا فقدت البحر لكنها احتفظت بالمنابع، بينما ظل السودان عالقاً بين هشاشة الداخل وصراعات النخب السياسية التي استنزفت كثيراً من الأهداف القومية الكبرى، وأضعفت قدرة الدولة على إدارة محيطها الإستراتيجي، إلى جانب ضغوط الجوار وتعقيدات الإقليم.
أما القرن الإفريقي، فلم يكن يخرج من صراع بقدر ما كان ينتقل من طور إلى آخر؛ إذ بقيت الأسباب العميقة للنزاعات كامنة تحت السطح، تنتظر لحظة جديدة تعود فيها الجغرافيا لتفرض منطقها من جديد.
نواصل