رأي

الفخ الإثيوبي: مسيّرات في السماء… وأجندة إقليمية على الأرض

فيما أرى

عادل الباز
١
لماذا أطلقت إثيوبيا المسيّرات الإماراتية من بحر دار باتجاه الخرطوم وكوستي وغيرها؟ ولماذا الآن تحديدًا؟
الإجابة عن هذا السؤال لا تكمن في الحدث ذاته، بل في فهم الهدف منه وتوقيته. فهذه الضربات، في جوهرها، لا تستهدف إسقاط الحكومة، ولا إضعافها بالمعنى العسكري المباشر، كما أنها ليست مجرد محاولة لإثارة الذعر كما يتوهم البعض. وهي كذلك لا تبدو، في ظاهرها، جزءًا من خطة لتسعير الحرب أو لإكراه الحكومة على القبول بهدنة تُفرض عليها وفق مسار الرباعية. ما يحدث أعمق من ذلك بكثير.
٢
إطلاق المسيّرات الإماراتية من الأراضي الإثيوبية لا يمكن قراءته فعلًا عسكريًا معزولًا، بل هو جزء من محاولة أكثر تعقيدًا، تهدف إلى جرّ السودان إلى صراع إقليمي مفتوح. وهو الهدف الأشد خطورة على الإطلاق؛ إذ بمجرد انتقال المواجهة إلى هذا المستوى، يمكن الترويج لفكرة أن السودان بات مصدر تهديد لأمن الإقليم، مما يبرر تدخلًا دوليًا وإقليميًا لفرض وقف إطلاق النار، حتى في حال رفض الحكومة ذلك.
ويأتي هذا المسار في أعقاب فشل محاولات الضغط الدبلوماسي التي جرت عبر مؤتمرات لندن وجنيف وبرلين، وعبر الإيغاد والاتحاد الأفريقي.
كان بالإمكان إطلاق هذه المسيّرات من داخل السودان، وقد حدث ذلك بالفعل في مراحل سابقة. لكن اختيار الأراضي الإثيوبية هذه المرة ليس تفصيلًا عابرًا، بل خطوة محسوبة بعناية، تهدف أولًا إلى اختبار ردود الفعل الإقليمية والدولية، وثانيًا إلى إعادة تشكيل طبيعة الصراع نفسه، واستجلاء مدى إمكانية جرّ السودان إلى حرب مع إثيوبيا.
وهي خطوة من شأنها تحقيق عدة أهداف في آنٍ واحد. في المقدمة، يأتي هدف إنقاذ المليشيا من وضعها الميداني المتدهور، في ظل الضغط المتصاعد عليها مع تقدم العمليات العسكرية نحو مواقعها في كردفان ودارفور. فهذه الهجمات لا تسعى إلى تحقيق نصر مباشر، بقدر ما تسعى إلى إشغال الجيش وإبطاء تقدمه وتشتيت جهوده.
وعلى المستوى السياسي، يُراد فرض تسوية تُعيد المليشيا وقياداتها إلى المشهد، لا على ما كانت عليه، بل بصورة أقوى، وكأن شيئًا لم يحدث منذ الخامس عشر من أبريل ٢٠٢٣.
وفي الوقت ذاته، تمثل هذه الهجمات اختبارًا عمليًا لمنظومة الدفاع الجوي السوداني؛ إذ يتيح إطلاق المسيّرات من مسافة بعيدة نسبيًا — كبحر دار — قياسَ عمق الرصد وقدرة الاعتراض المبكر، وجمع معلومات دقيقة عن نقاط الضعف تمهيدًا لأي تصعيد لاحق. كما أن تكرار هذه الهجمات يُفضي إلى استنزاف منظومات الدفاع الجوي عبر استهلاك الذخائر في مواجهة أهداف منخفضة الكلفة، وهي استراتيجية استنزاف معروفة في الحروب الحديثة.
٣
يمتد التأثير إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فاستدراج السودان إلى مواجهة مع إثيوبيا قد يجرّ مصر بدورها إلى دائرة الصراع، مما يفتح الباب أمام تصعيد إقليمي واسع يخدم أجندة إشعال المنطقة بأكملها.
وفي الداخل، تستهدف هذه الضربات البنية التحتية الحيوية، ليس لإحداث أضرار مادية فحسب، بل لزرع الإحباط في النفوس، لا سيما مع سقوط ضحايا مدنيين جراء هجمات المسيّرات.
أما على المستوى الدولي، فإن توظيف الأراضي الإثيوبية يُقدَّم دليلًا على أن الصراع تجاوز حدوده الوطنية، مما يخلق ذريعة جاهزة لتدويل الأزمة تحت عنوان “التهديد الإقليمي”، ويمنح منظمات كالإيغاد والاتحاد الأفريقي مبررًا للتدخل.
ولا يمكن فصل هذا المسار عن فشل المحاولات السابقة في النيل الأزرق، حيث لم تتمكن المليشيا، رغم الدعم الذي تلقته، من تحقيق تقدم نوعي يُحدث الأثر المطلوب أو يشتت جهود الحكومة، مما دفع إلى البحث عن أدوات بديلة، كان من بينها توظيف المسيّرات لضرب المدن.
٤
أمام هذا المشهد، يصبح السؤال الأهم: كيف يمكن إفشال هذا المخطط؟
المبدأ الأساسي هو عدم الانجرار إلى الحرب مع إثيوبيا، مهما تصاعدت الاستفزازات؛ فجرّ السودان إلى هذا الصراع هو الهدف الاستراتيجي المركزي لهذه الهجمات. ومن هنا، فإن المواجهة الحقيقية لا تكون بردّ فعل عسكري مباشر، بل عبر تحرك متوازن على ثلاث جبهات:
أولاً: الجبهة الدبلوماسية
يصبح التحرك الواسع ضرورة لا خيارًا، ليس على المستوى الأفريقي وحده، بل العربي والدولي أيضًا، لوضع الحقائق أمام المجتمع الدولي كاملةً. وربما كان من الأجدى التريّث قليلًا في سحب السفير من أديس أبابا، لأن العمل داخل أروقة الاتحاد الأفريقي يظل بالغ الأهمية. وقد عكس خطاب وزير الخارجية الأخير قدرًا عاليًا من التوازن والحكمة، يمكن البناء عليه لتفعيل حملة دبلوماسية منظمة تشارك فيها كل السفارات السودانية.
ثانيًا: الجبهة الإعلامية
المعركة لا تقل أهمية. المطلوب خطة مدروسة تستهدف الإعلام الأفريقي والإقليمي والدولي، وتعمل على كشف حقيقة ما يجري بالأدلة والوقائع والصور. ويمكن الاستفادة من منصات كالقاهرة والرياض لتوسيع هذا الحضور، إضافة إلى عقد مؤتمرات صحفية إقليمية منتظمة تخاطب الرأي العام بصورة مباشرة.
ثالثًا: الجبهة الاستخباراتية والأمنية
يظل الدور حاسمًا في رصد هذه العمليات وإحباطها قبل وقوعها، عبر الأدوات والشبكات المتاحة.
٥
حتى الآن، تبدو بعض ردود الفعل الإقليمية إيجابية، ولا سيما مواقف مصر والسعودية اللتين أدانتا الهجمات وحذّرتا من خطورة التصعيد، وهو مكسب ينبغي البناء عليه وتطويره بسرعة.
لكن في نهاية المطاف، يبقى التحدي الحقيقي داخليًا: كيف يُدير السودان هذا الاستفزاز دون أن يقع في الفخ؟ فالانجرار وراء الخطاب العاطفي وردود الفعل غير المحسوبة قد يحقق للآخرين ما عجزوا عن تحقيقه عسكريًا وسياسيًا.
ورغم صراحة الاعتداء الإثيوبي وفجاجته وإنكارها الاعتداء، فإن الدخول في صراع مباشر الآن معها لن يخدم مصلحة السودان، بل قد يفتح الباب أمام حرب إقليمية واسعة ليست هذه لحظتها المناسبة. الأولوية اليوم واضحة لا لبس فيها: دحر التمرد واستعادة الدولة.
وقد أثبتت التجربة أن السودان قادر، عبر أدواته الدبلوماسية والاستخباراتية، على إدارة أزمات معقدة. فقد صبرنا على تشاد حتى استطعنا خلخلة موقفها وهزيمتها استخباراتيًا، كما نجحنا دبلوماسيًا في تحجيم العدوان الليبي بوساطة مصر. ويمكننا اليوم، بذات الأدوات، أن نُضعضع الموقف الإثيوبي ونحاصره دبلوماسيًا وسياسيًا وإعلاميًا، دون أن نُدفع إلى حرب يريدها الآخرون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى