رأي

الــردم الــرقمي

د. إسماعيل ساتي

لم يعد دفن الحقيقة يحتاج إلى إخفائها. في عصر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، يمكن أن تبقى الحقيقة أمام أعين الجميع، لكنها تصبح عصية على الرؤية وسط طبقات هائلة من المعلومات والتعليقات والصور ومقاطع الفيديو والروايات المتناقضة.
هذا ما أسميه «الردم الرقمي».

فالردم، في معناه المادي، لا يعني إزالة الشيء الموجود تحته، وإنما تغطيته بطبقات تجعل الوصول إليه صعباً. وبالمعنى الرقمي، قد لا تكون الغاية محو الحقيقة، بل إغراق الفضاء العام بما يكفي من المحتوى حتى تضيع الحقيقة بين ركامه. وهنا تكمن خطورة الظاهرة.

من تضليل الناس إلى إغراقهم:

عرف العالم التضليل الإعلامي والدعاية السياسية منذ زمن طويل. كانت الغاية إقناع الناس برواية معينة أو إخفاء رواية أخرى. أما اليوم، فلم يعد ضروريا أن تقنع الجمهور برواية محددة؛ يكفي أحيانا أن تقدم له روايات متناقضة، وتعيد نشرها آلاف المرات، وتخلط الخبر بالرأي، والحقيقة بالإشاعة، والقديم بالجديد. عندها لا يعود السؤال: «ما الحقيقة؟»، وإنما: «هل توجد حقيقة أصلا؟».

وهذه إحدى أخطر نتائج الردم الرقمي. فحين يفقد الناس القدرة على التمييز بين الحقيقة والكذب، لا يحتاج التضليل إلى الانتصار؛ يكفي أن يجعل الحقيقة واحدة من روايات كثيرة.

الردم لا يعني أن كل ما تحته كذب:

فالردم الرقمي لا يتكون بالضرورة من أخبار كاذبة. قد يتكون من أخبار صحيحة لكنها غير مهمة أو مكررة أو مجتزأة أو معروضة خارج سياقها. وفي الحرب السودانية، أعيد تداول صور لأطفال يعانون من الجوع والنزوح باعتبارها صوراً حديثة من السودان، بينما أظهر التحقق أن بعضها يعود إلى سنوات سابقة أو إلى مناطق أخرى. هنا لا تكون الصورة مزيفة؛ الزيف في القصة التي ألصقت بها.
وقد تبدأ المعلومة من مصدر واحد، ثم تنتقل عبر عشرات الحسابات والصفحات، فتبدو وكأنها صادرة عن مصادر مستقلة. وهنا يصبح التكرار وسيلة لصناعة الانطباع؛ فما نراه مراراً قد يبدأ في أذهاننا وكأنه حقيقة.

الخوارزمية شريك غير مرئي:

لا يمكن فهم الردم الرقمي من دون فهم الخوارزميات. فالمنصات لا تعرض لنا بالضرورة ما هو أكثر أهمية أو دقة، وإنما ما تتوقع أنه سيجذب انتباهنا ويبقينا أطول فترة ممكنة.
فالغضب أكثر جذبا من الهدوء، والصراع أكثر إثارة من التحليل، والعنوان الصادم أسرع انتشاراً من التقرير المتزن. وهكذا قد يصل المحتوى الأكثر إثارة إلى ملايين الناس، بينما يبقى التحقيق الرصين في زاوية ضيقة. المشكلة إذن ليست فقط فيمن ينتج المحتوى، وإنما أيضاً في النظام الذي يقرر أي محتوى يصل إلينا أولا.

الذكاء الاصطناعي .. الردم على نطاق غير مسبوق:

ضاعفت أدوات الذكاء الاصطناعي القدرة على إنتاج النصوص والصور والأصوات ومقاطع الفيديو، وتعديلها وإعادة صياغتها بسرعة هائلة.
وفي سياق الحرب السودانية، انتشر فيديو بدا وكأنه يوثق مقبرة جماعية في السودان، قبل أن يكشف التحقق أنه مولد بالذكاء الاصطناعي. هنا لا يجري تضليل الناس بخبر كاذب فحسب، بل يمكن صناعة مشهد بصري كامل لحدث لم يقع. وقد ظهرت كذلك مقاطع من ألعاب إلكترونية، أعيد تقديمها باعتبارها مشاهد حقيقية من المعارك السودانية. وهنا ننتقل من عصر «المعلومة المضللة» إلى عصر «الواقع المضلل».

أخطر استخداماته سياسي:

يصبح الردم الرقمي أكثر خطورة عندما يدخل المجال السياسي. فالسياسي الذي يريد تشويه خصمه لا يحتاج دائما إلى إثبات أنه فاسد أو كاذب. قد يكون أكثر فعالية أن يخلق حوله سحابة من الاتهامات والشائعات والأسئلة والتلميحات، بحيث يصبح التمييز بين الحقيقة والافتراء مهمة شبه مستحيلة. الهدف هنا ليس دائما أن يصدق الناس الكذبة، وإنما أن يتوقفوا عن البحث عن الحقيقة.

الدعاية التقليدية تقول: «صدقوا هذه الرواية». أما الردم الرقمي فيقول، بصورة غير مباشرة: «لا يمكنكم معرفة الحقيقة أصلا».

السودان: عندما يصبح الفضاء الرقمي امتدادا للحرب:

في السودان، لم تجر الحرب على الأرض وحدها؛ رافقتها معركة واسعة على الرواية والتفسير والصورة والذاكرة. تتعدد الروايات حول الحدث الواحد، وتنتشر مقاطع وصور خارج سياقاتها، وتتبادل الأطراف الاتهامات، ويعاد نشر المحتوى نفسه عبر شبكات واسعة. وهكذا يواجه المواطن السوداني تحديين في آن واحد: أن يعرف ماذا يحدث، وأن يعرف في الوقت نفسه هل ما يقرأه عن الذي يحدث صحيح أم جزء من المعركة نفسها.

وهنا تكمن الخطورة الأعمق؛ أن يؤدي استمرار الردم إلى إنهاك القدرة العامة على التحقق، فيصبح الناس أسرى لرواياتهم المسبقة لا للوقائع.

فائض المعلومات قد يكون أخطر من نقصها:

اعتدنا أن نعتبر نقص المعلومات مشكلة. لكن العصر الرقمي يطرح مشكلة معاكسة: فائض المعلومات.
عندما تكون المعلومات قليلة، يبحث الإنسان عنها. أما عندما تصبح بلا حدود، فإن المشكلة تصبح كيف نختار؟ وكيف نتحقق؟ وكيف نفرق بين المهم والهامشي، وبين الخبر والتحليل، وبين الحقيقة والدعاية؟

لهذا فإن مجتمع المعلومات لا يحتاج فقط إلى مزيد من المعلومات، بل يحتاج إلى مؤسسات ومعايير للفرز والتحقق.

كيف نواجه الردم الرقمي؟

لا يمكن مواجهة الردم بإضافة ردم جديد. المواجهة تبدأ بإعادة الاعتبار إلى المصدر والسياق والدليل والتحقق.
نحتاج إلى إعلام مهني قادر على فرز الوقائع، ومؤسسات مستقلة للتحقق من المعلومات، وتعليم رقمي يرفع قدرة المواطن على اكتشاف التلاعب. والأهم أن ندرك أن مشاركة المحتوى مسؤولية، وليست مجرد ضغط على زر. فكل مستخدم يمكن أن يصبح جزءا من ماكينة الردم عندما يعيد نشر معلومة لم يتحقق منها، أو يساهم في تضخيم محتوى مصمم لاستثارة الغضب والخوف.

استعادة الحقيقة من تحت الردم:

ربما لا تكون المعركة الحقيقية في العصر الرقمي بين الحقيقة والكذب فقط، وإنما بين الحقيقة والضجيج. الكذب يمكن كشفه أحيانا بالدليل. أما الضجيج فلا يحتاج إلى أن يكون كاذباً حتى يكون خطيراً، يكفي أن يكون كثيفاً ومتكرراً ومشتتاً وسريعا.

ولهذا فإن الدفاع عن الحقيقة لم يعد يعني فقط كشف الأخبار الكاذبة؛ بل يعني أيضا إزالة الطبقات التي تغطي الحقيقة، وإعادة ترتيب المشهد بحيث يستطيع الإنسان أن يرى ما هو جوهري وسط ما هو ثانوي. فالردم الرقمي قد لا يدفن الحقيقة إلى الأبد. لكنه يستطيع أن يجعل الوصول إليها أصعب، والبحث عنها أكثر كلفة، والناس أكثر شكاً وأقل ثقة.

في الماضي كانت السيطرة على المعلومات تعني منع الناس من الوصول إليها. أما اليوم فقد تعني إغراقهم فيها حتى يعجزوا عن الوصول إلى الحقيقة.

وهذه هي المفارقة الكبرى لعصرنا الرقمي:

لم تعد الحقيقة مهددة فقط بأن تخفى، وإنما أصبحت مهددة أيضا بأن تدفن تحت فائض من المعلومات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى