تقرير : انتصار غضل الله
في السودان اليوم، قد لا يكون الجوع مجرد معدة فارغة، بل طبقاً ممتلئاً يفتقد إلى ما يحتاجه الجسد من غذاء حقيقي.
فهل يكفي امتلاء الأطباق للحكم على الأمن الغذائي؟ أم أن الأزمة الحقيقية تكمن في ما غاب عن موائد الأسر السودانية من عناصر غذائية أساسية؟
في أحد الأحياء بالعاصمة السودانية الخرطوم، جلست الحاجة “زينب” أمام دفتر صغير احتفظت به لسنوات، تدون فيه تفاصيل مصروفات منزلها شهراً بعد آخر. وبين صفحات الدفتر القديمة توقفت عند قائمة تعود إلى عام 2023؛ سكر وزيت ودقيق وأرز ، معكرونة ولحوم وخضروات وفواكه ومنتجات ألبان كانت تشكل جزءاً طبيعياً من احتياجات الأسرة الشهرية.
وعندما قارنت تلك القائمة بما تشتريه اليوم في عام 2026، بدت الفجوة كبيرة؛ أصناف اختفت، وكميات تقلصت، وأسعار تضاعفت مرات عديدة، بينما ظلت القدرة الشرائية تتراجع تحت وطأة الحرب وارتفاع تكاليف المعيشة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل تتمثل الأزمة فقط في ارتفاع أسعار الغذاء؟ أم أن الخطر الأكبر يكمن في التحول التدريجي الذي أصاب المائدة السودانية، حيث تراجعت الأغذية ذات القيمة الغذائية المرتفعة لصالح بدائل أقل تكلفة وأضعف فائدة؟
فالجوع لا يظهر دائماً في صورة معدة فارغة، بل قد يتجسد في طبق ممتلئ يفتقر إلى البروتينات والفيتامينات والمعادن الضرورية لصحة الإنسان. وبين ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل وتآكل القوة الشرائية، باتت آلاف الأسر السودانية تواجه تحدياً يومياً لا يقتصر على توفير الطعام، وإنما يمتد إلى الحفاظ على تنوعه وجودته وقيمته الغذائية
تحدي كبير
وخلال جولة لـ«إيلاف» وسط عدد من الأسواق والأحياء السكنية، أكد مواطنون أن التحدي الأكبر لم يعد توفير الغذاء فقط، وإنما المحافظة على التنوع الغذائي الذي كانت تتمتع به الأسر قبل الأزمة.
وقالت “زينب” إن ميزانية الغذاء الشهرية لأسرتها كانت تتراوح بين 50 و100 ألف جنيه في عام 2023، وتشمل مختلف الاحتياجات الأساسية، بينما أصبحت اليوم تتجاوز أضعاف ذلك المبلغ رغم تقليص المشتريات والاستغناء عن العديد من الأصناف.
وأضافت أن اللحوم أصبحت تُشترى على فترات متباعدة، كما تراجعت كميات الفواكه ومنتجات الألبان بسبب ارتفاع أسعارها، مشيرة إلى أن الأولوية أصبحت للسلع الأساسية التي تضمن استمرار الوجبات اليومية.
تراجع بفعل الحرب
بحسب إفادات تجار ومواطنين ل”إيلاف” ، شهدت أسعار السلع الغذائية ارتفاعات كبيرة بين عامي 2023 و2026، شملت السكر والزيوت والدقيق والأرز والعدس ، إضافة إلى اللحوم والدواجن ومنتجات الألبان والخضروات، وقالوا أن أنماط الشراء تغيرت بصورة واضحة، حيث انخفضت الكميات التي يشتريها المستهلكون، واتجه كثير منهم إلى شراء الاحتياجات اليومية بكميات محدودة بدلاً من التسوق الشهري المعتاد
يتفق المواطن السر حمدنالله مع حديث زينب يقول ل”إيلاف ” أن الأسرة كانت تشتري قبل الحرب كميات كافية من الفاصوليا واللحوم والخضروات المتنوعة والسلع الضرورية الاخرى ، لكن الواقع الحالي فرض خيارات مختلفة تعتمد على الأرخص سعراً بغض النظر عن القيمة الغذائية.
وقال التاجر صابر ابراهيم ، إن بعض السلع التي كانت تُشترى بالجوال أو الكرتونة أصبحت تباع بالكيلو أو حتى بأجزاء أقل بسبب تراجع القدرة الشرائية للأسر.
مقارنة بين أسعار عدد من السلع الأساسية
الجوع الخفي
ويرى خبراء ومختصون أن الأزمة الحالية لا تنعكس فقط على حجم الإنفاق الأسري، وإنما على جودة الغذاء المتاح للأسر، خاصة مع تراجع استهلاك البروتينات الحيوانية والفواكه ومنتجات الألبان.
وحذر التجار من ما يعرف بـ«الجوع الخفي»، وهو حالة يحصل فيها الإنسان على سعرات حرارية كافية نسبياً، لكنه يفتقر إلى العناصر الغذائية الأساسية مثل البروتينات والفيتامينات والمعادن.
واكدوا أن استمرار هذا الوضع لفترات طويلة قد يؤدي إلى مشكلات صحية، خصوصاً لدى الأطفال والنساء وكبار السن، حتى وإن كانت الأسرة قادرة على توفير وجبات يومية بصورة منتظمة.
إختفاء اصناف
فيما يرى مراقبون أن الحرب والأزمة الاقتصادية أعادتا تشكيل المائدة السودانية بصورة ملحوظة، إذ اختفت بعض الأصناف من موائد العديد من الأسر، وتراجعت معدلات استهلاك الأغذية ذات القيمة الغذائية المرتفعة لصالح بدائل أقل تكلفة.
وبينما تواصل الأسر محاولاتها للتكيف مع الواقع الجديد، يبقى السؤال الأهم: هل تكفي القدرة على توفير الطعام وحدها للحكم على الأمن الغذائي؟ أم أن القضية أصبحت مرتبطة أيضاً بنوعية الغذاء وتوازنه وقدرته على تلبية الاحتياجات الصحية للأفراد؟
عودة وارتفاع الطلب
أكد الصحفي والمحلل السياسي السوداني خالد الفكي ل” ايلاف” أن الأوضاع المعيشية للأسر السودانية شهدت تدهوراً ملحوظاً منذ اندلاع الحرب، مشيراً إلى أن مقارنة بين العام 2023، قبل انطلاق الحرب، والوضع الراهن تكشف عن ارتفاع كبير في الأسعار وحالة من الغلاء الفاحش في الأسواق.
وأوضح الفكي أن تكلفة المعيشة ارتفعت بصورة غير مسبوقة وتجاوزت الأرقام القياسية المعتادة، لافتاً إلى وجود فجوة كبيرة بين الصادرات والواردات، إلى جانب الانخفاض المستمر في قيمة الجنيه السوداني مقابل العملات الأجنبية، خاصة الدولار الذي تجاوز حاجز 4.3، الأمر الذي أسهم في زيادة الضغوط الاقتصادية على المواطنين.
وأضاف الفكي، أن هذه العوامل مجتمعة انعكست بشكل مباشر على مستوى معيشة الأسر السودانية، وأدت إلى وتيرة متسارعة في ارتفاع أسعار الغذاء والسلع الاستهلاكية والمواد التموينية، ما شكل عبئاً كبيراً على الأسر في مختلف أنحاء البلاد.
وأشار إلى أن العودة الكبيرة للسودانيين إلى ديارهم خلال الفترة الماضية أسهمت كذلك في زيادة الطلب على السلع والخدمات، موضحاً أن تقديرات وإحصائيات غير رسمية تشير إلى عودة نحو 4.5 مليون مواطن إلى مناطقهم، وهو ما أدى إلى تسارع وتيرة ارتفاع الأسعار نتيجة زيادة الطلب على المنتجات المختلفة، خاصة السلع الاستهلاكية والمواد التموينية.
ولفت إلى أن زيادة الطلب لم تقتصر على المواد الغذائية فحسب، بل امتدت لتشمل السلع المرتبطة بعمليات الإعمار وتأهيل وصيانة المنازل، في ظل توجه أعداد كبيرة من العائدين إلى إعادة تأهيل مساكنهم واستئناف حياتهم الطبيعية بعد فترة النزوح.
منظومة اوسع
وحول ما إذا كان السودان يواجه اليوم مجرد أزمة ارتفاع في أسعار الغذاء، أم أزمة أعمق تتعلق بالتغذية والأمن الغذائي قد تمتد آثارها لسنوات حتى بعد انتهاء الحرب، أوضح الخبير في الأمن الغذائي المهندس عمار حسن بشير، أن القضية تتجاوز الجانب السعري ، وترتبط بمجمل منظومة الأمن الغذائي، بما في ذلك توفر الغذاء وإمكانية الوصول إليه وجودته والقيمة الغذائية التي يوفرها للمستهلكين.
و قال ل” ايلاف ” إن ارتفاع أسعار الغذاء في السودان ينعكس بصورة مباشرة على قدرة الأسر في الحصول على الغذاء والاستفادة منه ، مشيرا إلى أن السودان يواجه حالياً ارتفاعاً في أسعار المواد الغذائية، لكنه لا يواجه حالة انعدام شامل للأمن الغذائي،
ولفت إلى أن الحرب المستمرة في عدد من المناطق، بينها كردفان ودارفور وإقليم النيل الأزرق، ما تزال تلقي بظلالها على مختلف القطاعات الاقتصادية والخدمية وتؤثر على الأوضاع المعيشية والأمن الغذائي.
وأوضح أن النزاعات المسلحة تُعد من أبرز العوامل المؤثرة على الأمن الغذائي، مستشهداً بتجارب دول شهدت نزاعات ممتدة مثل سوريا واليمن، مبيناً أن ارتفاع الأسعار يمثل أحد مكونات الأمن الغذائي وليس المؤشر الوحيد للحكم على وجود أزمة غذائية شاملة.
عوامل متعددة
وأضاف بشير، أن المستهلك عندما يتوجه إلى الأسواق لشراء احتياجاته الغذائية يواجه تحديات مرتبطة بارتفاع الأسعار، الأمر الذي يضعف قدرته على الحصول على السلع الغذائية والاستفادة منها بالشكل المطلوب، مبيناً أن هذه الارتفاعات ترتبط بعوامل متعددة تشمل حجم الإنتاج ومستويات الطلب وكفاءة التوزيع والمؤشرات الاقتصادية العامة.
وأكد أن نقص الإنتاج في بعض الفترات أو المناطق، وارتفاع الطلب، وضعف عمليات التوزيع، كلها عوامل تسهم في زيادة الأسعار، مشيراً إلى أن تحديات ما بعد الإنتاج، وعلى رأسها سلاسل الإمداد الغذائية، تلعب دوراً محورياً في تحديد مستويات الأسعار بالأسواق.
وأوضح أن بعض مناطق الإنتاج تشهد وفرة كبيرة في السلع الغذائية، ما يؤدي إلى انخفاض أسعارها محلياً، بينما تواجه مناطق أخرى نقصاً في الإمدادات، الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع الأسعار نتيجة زيادة الطلب وقلة المعروض.
نموذج واضح
ولفت بشير، إلى أن اتساع الرقعة الجغرافية للسودان وتنوع بيئاته الزراعية والإنتاجية يؤديان إلى تفاوت ملحوظ في أسعار المواد الغذائية بين الولايات والمناطق المختلفة، موضحاً أن أسواق الشمالية تختلف عن أسواق وسط السودان وشرقه وغربه، كما تختلف عن أسواق النيل الأبيض وغيرها من المناطق بحسب طبيعة السلع ومصادر إنتاجها.
وأكد أن آثار الحرب تتجاوز مسألة ارتفاع أسعار الغذاء، مشيراً إلى أن الحرب خلفت دماراً واسعاً في البنية التحتية بمختلف قطاعات الاقتصاد، بما في ذلك الزراعة والصناعة والخدمات والطرق والأسواق.
وأضاف أن قطاع الكهرباء يمثل نموذجاً واضحاً لحجم الأضرار، إذ تعرض لتدمير واسع ما زالت آثاره مستمرة، ولم تستعد الشبكة الكهربائية كامل قدرتها التشغيلية حتى الآن، الأمر الذي انعكس على الخدمات والإنتاج الاقتصادي بصورة عامة.
رسائل ومعالجات
وفيما يتعلق بالرسالة التي يوجهها لصناع القرار بشأن حماية الأسر السودانية من تداعيات التضخم الغذائي، شدد بشير،على أهمية تبني سياسات واستراتيجيات طويلة المدى تستهدف تعزيز الإنتاج المحلي، وتطوير المخزون الاستراتيجي للسلع الأساسية، وتحسين سلاسل الإمداد والتوزيع، بما يسهم في استقرار الأسواق وضمان حصول المواطنين على غذاء كافٍ وآمن بأسعار مناسبة
واكد ، أن الغذاء ما يزال متوفراً في السودان، إلا أن ارتفاع الأسعار يرتبط بجملة من العوامل الاقتصادية والإنتاجية واللوجستية التي تتطلب معالجات استراتيجية طويلة المدى.
ودعا إلى تطوير برنامج وطني للمخزون الاستراتيجي للسلع الغذائية الأساسية، خاصة الحبوب مثل الذرة والقمح والدخن والأرز، بما يتيح التدخل في الأسواق عند انخفاض الإنتاج أو حدوث نقص في الإمدادات، ويسهم في الحد من تقلبات الأسعار.
امكانيات الدولة
وأوضح بشير، أن الدولة يمكنها دعم مخزونها الاستراتيجي عبر الشراء المباشر من المنتجين، مؤكداً أن نظم التخزين الحالية ما تزال متخلفة ولا تتناسب مع حجم السودان وإمكاناته الزراعية والإنتاجية.
وأشار إلى أهمية إنشاء صوامع حديثة ومراكز تخزين متطورة في الولايات ذات الكثافة الإنتاجية العالية، مثل النيل الأبيض والشمالية وكردفان ودارفور، بما يضمن الحفاظ على جودة المحاصيل وتقليل الفاقد الناتج عن الرطوبة والتلف.
كما شدد على ضرورة تحسين سلاسل الإمداد الغذائية وربط مناطق الإنتاج بمناطق الاستهلاك عبر شبكات نقل فعالة تشمل النقل البري والسكك الحديدية، معتبراً أن النقل الحديدي يمثل أحد أهم الوسائل لنقل السلع الغذائية بكفاءة من مناطق الإنتاج إلى الأسواق الرئيسية، وفي مقدمتها ولاية الخرطوم التي تُعد من أكبر مناطق الاستهلاك في البلاد.
دور التكايا
وأشار بشير، إلى أن «التكايا» لعبت خلال فترة الحرب دوراً مهماً في سد الفجوات التي أحدثها تعطل سلاسل الإمداد الغذائية، وأسهمت في إيصال الغذاء إلى آلاف الأسر والأفراد الذين تعذر عليهم الحصول على احتياجاتهم الغذائية بسبب ظروف الحرب والنزوح.
وأكد أن «التكايا» أدت خلال فترة الحرب دوراً محورياً في تعويض الخلل الذي أصاب سلاسل الإمداد الغذائية نتيجة النزاع، موضحاً أنها شكلت مبادرة خيرية وتطوعية أسهمت بصورة كبيرة في إيصال الغذاء والوجبات إلى المواطنين الذين لم يتمكنوا من مغادرة مناطقهم أو عاشوا ظروف الحرب القاسية.
وأشار إلى أن التكايا نجحت في سد جزء من الفجوة التي خلفها تعطل شبكات الإمداد والتوزيع، وأسهمت في توفير الغذاء للفئات الأكثر احتياجاً خلال فترات انقطاع الخدمات وصعوبة الحركة والتنقل.
وأضاف أنه مع عودة الاستقرار إلى ولاية الخرطوم وتزايد أعداد العائدين بصورة كبيرة خلال الفترة الأخيرة، بات من الضروري إعادة تفعيل سلاسل الإمداد الغذائية الأساسية بكامل طاقتها، عبر إعادة فتح الأسواق ومنافذ التوزيع وتعزيز حركة النقل والتوريد.
وأوضح أن الطلب على السلع الغذائية يشهد ارتفاعاً متسارعاً نتيجة التوافد الكبير للمواطنين وعودة النشاط الاقتصادي تدريجياً، الأمر الذي يتطلب وجود سلاسل إمداد قوية وفعالة تعمل بصورة مستمرة لتلبية احتياجات الأسواق وضمان انسياب السلع الغذائية للمستهلكين بصورة منتظمة، بما يسهم في الحد من الضغوط السعرية وتحقيق الاستقرار في الأسواق.
تماسك السودان
قال الخبير الاقتصادي د. محمد الناير إن أبرز العوامل التي تسببت في الارتفاع الكبير لأسعار المواد الغذائية خلال الفترة الأخيرة تتمثل في تداعيات الحرب التي شهدها السودان، موضحاً أن الحرب كانت أحد الأسباب الرئيسية التي قادت إلى ارتفاع أسعار السلع الغذائية بصورة كبيرة، باعتبار أن مساحات واسعة من البلاد لم تكن مستقرة خلال الفترة الأولى من النزاع، الأمر الذي أثر بشكل مباشر على الإنتاج وحركة الأسواق وسلاسل الإمداد.
وأضاف، أن من المعروف اقتصادياً أن أي دولة تعاني من الحروب تشهد انخفاضاً في قيمة عملتها الوطنية أمام العملات الأجنبية، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على أسعار السلع، إلى جانب ارتفاع معدلات التضخم والبطالة والفقر، مؤكداً أن جميع هذه العوامل مرتبطة بظروف الحرب وأسهمت في زيادة أسعار المواد الغذائية بصورة كبيرة.
وأشار الناير إلى أن الاقتصاد السوداني، ورغم الظروف الصعبة التي مر بها، لم يصل إلى مرحلة الانهيار الكامل، مبيناً أن السودان يمتلك إمكانيات وموارد طبيعية ضخمة، سواء في باطن الأرض أو على سطحها، وهي موارد مكنت الاقتصاد السوداني من الصمود في ظل التعقيدات التي صاحبت المشهد الاقتصادي. وأضاف أنه لو تعرضت أي دولة أخرى في العالم للظروف نفسها التي تعرض لها السودان، لكان من الممكن أن تشهد انهياراً اقتصادياً كاملاً، إلا أن الإمكانيات والقدرات التي يمتلكها السودان حالت دون ذلك، رغم حدوث تراجع ملحوظ في المؤشرات الاقتصادية المختلفة.
وأوضح أن الأوضاع ازدادت تعقيداً خلال الفترة الأخيرة بسبب إغلاق معبر أدري وما تبعه من ارتفاع في أسعار المحروقات، مشيراً إلى أنهم كخبراء اقتصاديين ظلوا ينادون منذ بداية الحرب بضرورة أن تتولى الدولة استيراد المشتقات النفطية بشكل مباشر.
هامش ربح
وقال: ل”ايلاف” “لو أن الدولة تولت استيراد الوقود منذ بداية الحرب ووضعت هامش ربح محدوداً، لكان بالإمكان طرح المشتقات النفطية بأسعار أقل من الأسعار الحالية بنحو 25 ألف جنيه، وهو ما كان سيساعد القطاع الإنتاجي بصورة كبيرة في تخفيف تكلفة الإنتاج، وبالتالي ينعكس إيجاباً على أسعار المواد الغذائية”.
وأضاف أن إغلاق مضيق هرمز وارتفاع أسعار المحروقات إلى مستويات قياسية أسهما بصورة كبيرة في زيادة أسعار السلع والخدمات، معتبراً أن أسعار المحروقات في السودان أصبحت من بين الأعلى في العالم، وهو ما أثر سلباً على مختلف الأنشطة الاقتصادية، خاصة أن الطاقة تمثل المحرك الأساسي للقطاعات الإنتاجية كافة، سواء الزراعية أو الصناعية أو الخدمية.
وفيما يتعلق بتأثير سعر الصرف وتكلفة النقل، أكد الناير أن تراجع قيمة العملة الوطنية أمام العملات الأجنبية كان أحد الأسباب الرئيسية لارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الغذاء، موضحاً أن ارتفاع تكلفة النقل، الناتج أساساً عن ارتفاع أسعار المحروقات، شكل عاملاً مهماً آخر في زيادة الأسعار، مشيراً إلى أن هذين العاملين كان لهما تأثير مباشر وكبير على أسعار السلع خلال الفترات الماضية.
حالة ثبات
وعن القوة الشرائية للأسر السودانية مقارنة بما كانت عليه قبل الأزمة، أوضح الناير أن هناك اختلافاً كبيراً بين الوضعين، مبيناً أن سعر الدولار قبل الأزمة كان في حدود 570 جنيهاً، بينما تجاوز حالياً 4 آلاف جنيه، وهو ما يعكس تراجعاً كبيراً في قيمة العملة الوطنية وانخفاضاً حاداً في القوة الشرائية للمواطنين.
وأضاف ، أن المرتبات ظلت شبه ثابتة رغم الزيادات الطفيفة التي أُجريت خلال الفترة الماضية، إلا أن تلك الزيادات لا تتناسب مع حجم التراجع في القوة الشرائية ولا مع الارتفاع الكبير في أسعار السلع الأساسية.
وأشار إلى أن أصحاب الدخول المحدودة كانوا الأكثر تضرراً من هذه التطورات الاقتصادية، لافتاً إلى أن أعداداً كبيرة من العاملين في القطاع الخاص فقدوا وظائفهم بسبب الحرب، بينما لم تتجه الدولة إلى تسريح العاملين في القطاع العام، لكنها اعتمدت على نحو 25% فقط من القوة العاملة لتسيير العمل في بورتسودان، ثم انتقلت النسبة نفسها، إلى الخرطوم، في حين لم تتم حتى الآن إعادة استدعاء ما يقارب 75% من العاملين، رغم استمرار صرف الرواتب لهم.
وأكد أن الرواتب التي تُصرف حالياً محدودة ولا تتناسب مع الارتفاع الكبير في تكاليف المعيشة، معرباً عن أمله في أن تتخذ الدولة قرارات ومعالجات تسهم في تحسين الأوضاع الاقتصادية وتخفيف الأعباء المعيشية على المواطنين.