العيد في حضرة أستاذي إبراهيم محمد زين: سردية إسلامية المعرفة وصحبة أساتذة أخيار

 

د. أبوبكر محمد أحمد محمد إبراهيم

سعدت أنا وأسرتي هذا العام، ولأول مرة في الغربة، بالعيد مع والدتي -حفظها الله تعالى- واثنين من أخواتي وبنت أختي، حفظهم الله جميعًا. وقد أنعم الله علينا بشفاء الوالدة بعد أن قضت في مستشفى حمد لما يزيد عن ستة أشهر، وأدت صلاة العيد معنا -حفظها الله- في مسجد المانع الذي يؤم المصلين فيه الشيخ عبد الرشيد صوفي، ذلكم الحافظ لكتاب الله والعابد الورع. وتلك من نعم الله علينا التي نسأله سبحانه أن يوفقنا لشكرها.

 

ولربما بسبب وجود الوالدة معنا، حفظها الله ومد في أيامها في العمل الصالح، لم أخطط -لأول مرة في حياتي- لبرنامج زيارات في هذا العيد، وما أن شرعت بعد العودة من الصلاة في معايدة الأهل والأساتذة والزملاء والأصدقاء حتى انتبهت إلى رابط حلقة بود كاست مرسلة لي على الواتساب، وضيفها أستاذي العزيز بروفيسور إبراهيم محمد زين. شرعت بلا تردد في الاستماع إليها ومشاهدة الحلقة والاستمتاع بها، إلا أني لم أكملها إلا بعد عصر يوم العيد؛ فالحلقة استمرت لثلاث ساعات؛ 2:57 دقيقة. وكنت قد نويت أن أكتب عن هذه الحلقة تحديدًا، إلا أن سؤلًا عن المقارنة بين إسهامات أستاذي إبراهيم زين وزملائه الأذكياء الذين نوه إليهم عند حديثه عن مرحلة دراسته للفلسفة بجامعة الخرطوم، وهم: بروفيسور التجاني عبد القادر حامد، وبروفيسور عبد الوهاب الأفندي، اضطرتني لتوسيع ما كنت أفكر فيه، تقريظًا لمادة هذه الحلقة المهمة، فرخصت لنفسي أن أعلق على قراءتي لإسهاماتهم الثلاثة في حدود ما جاءت الحلقة على ذكره، وبحسب ما توفر لي من الصحبة والتتلمذ المباشر أو غير المباشر على كتاباتهم.

 

يلزمني أن أنوه إلى أن هذه الكتابة عن هؤلاء الأساتذة الأعلام الثلاثة قد لا تكون منصفة، لأن صحبتي لهم متفاوتة، وإن كنت أظن أنني قارئ لمعظم كتاباتهم، باستثناء بعض كتابات الأستاذ عبد الوهاب الأفندي الذي جمعتني به العاصمة القطرية الدوحة، وكنت قد استمعت له بإعجاب لأول مرة في ندوة بقاعة الشارقة بجامعة الخرطوم كان موضوعها كتابه عن الثورة والإصلاح السياسي في السودان، الذي حظي يومها باهتمام عريض، ثم التقيته بكولالمبور في آخر فترة الحكم الأولى لرئيس الوزراء مهاتير محمد.

 

أعلق أولًا على الحلقة، والتي تناول فيها بروفيسور إبراهيم زين سردية إسلامية المعرفة عبر محطات بدأت بدراسته للفلسفة بجامعة الخرطوم، ثم تتلمذه على الأستاذ إسماعيل الفاروقي بجامعة تمبل الأمريكية، والكتابات التأسيسية الأولى لمشروع إسلامية المعرفة، تلى ذلك تعليقه على الإسلام والحداثة الغربية بالتركيز على جهود جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، واستدراكات على علاقة الإسلام بالحداثة الغربية إلهمًا أو إرباكًا، وموقع كتابات الأستاذ طه عبد الرحمن والأستاذ أبا يعرب المرزوقي في ترشيد تلك العلاقة، ثم تناول أستاذنا سؤال التجديد بإفادات قيمة، وأعاد توجيه فكرة المواطنة الكونية والعولمة في اتجاه غير معهود عند كثيرين -في تقيري- عند التعليق على هذه الظاهرة الكونية، إلى أن وصل في خاتمة الحلقة للحديث عن أخر كتبه عن مواثيق النبي عليه الصلاة والسلام المنسوبة إليه، والتي يُزعم أنه -عليه الصلاة والسلام- كتبها مع ممثلي الكنيسة الأرثودوكسية المسيحية في زمانه، والكنائس السريانية، ومع ممثلي كنائس أخرى حضروا إليه في المدينة، (والوثائق محفوظة نسخ منها في كنائس عدد من الدول جاءت الحلقة على ذكرها)، وقد توسع الكتاب، الذي أعده أستاذنا بتأليف مشترك مع الأستاذ أحمد الوكيل، في النظر كذلك في الوثائق التي كتبها النبي عليه الصلاة والسلام لليهود وللسامرة ولسلمان الفارسي وأهله.

ثم أعلق ثانيًا عن الطريقة التي تلقيت بها اسهامات أستاذي إبراهيم زين مقارنة بالكيفية التي اتلقى بها كتابات بروفيسور التجاني عبد القادر وعبد الوهاب الأفندي واسهاماتهم.

 

أولًا: بود كاست سردية إسلامية المعرفة:

في هذه الحلقة، المتميزة في موضوعها، المحكمة في مضمونها وأفادتها، تمنيت لو أطلع المحاور ومقدم الحلقة الأستاذ عبد الله المحيلان، وقد كان موفقًا وذكيًا بما فيه الكفاية في إثارة الأسئلة وتوجيه الحلقة، على مقالة أستاذنا ومراجعته المنشورة في التبصرة بكتاب عبد الوهاب المسيري عن أسرار العقل الصهيوني، أو أنه عمل على وصل موسوعة المسيري باشتغال أستاذنا في تدريس تاريخ الأديان ومقارنتها. ولعلي أذهب إلى أن ما جاءت الحلقة على ذكره عن المسيري، في الدقيقة 37 بعد الساعة الأولى وما بعدها، هو قليل من كثير درج أستاذنا على التعليق عليه في إطار وصل اسهامات علماء المسلمين في مقارنة الأديان بما أنجزه بعض المعاصرين، خاصة إسماعيل الفاروقي وسيد حسين نصر وعبد الوهاب المسيري في هذا المجال.

 

 

كذلك، فإنني أتوقع أن ربط ما كتبه أستاذنا عن محمد أبو القاسم حاج حمد في مقال منشور بعنوان: العالمية الثانية وإعادة قراءة التاريخ الديني للإنسانية، بمراجعة أخرى أنجزها -أي بروفيسور زين- في التبصرة بكتاب الشيخ طه جابر العلواني عن إصلاح الفكر الإسلامي: مدخل إلى نظم الخطاب في الفكر الإسلامي المعاصر، أزعم أن مثل ذلك الوصل والربط كان من شأنه أن يبين جوانب من سردية إسلامية المعرفة بالكيفية التي خبر بها أستاذنا القدير بروفيسور إبراهيم زين هذا المشروع وتمثله بحثًا وتدريسًا وتطويرًا للبرامج الدراسية الجامعية وفوق الجامعية من منظور خاص في الإصلاح الفكري والتعليمي.

 

شيء آخر، خطر لي وأنا اتابع باهتمام مشاهدة هذه الحلقة المهمة، وهي أهمية استحضار ما أنجزه أستاذنا إبراهيم زين في أطروحتيه للماجستير والدكتوراة، ففي الأولى تناول “فلسفة العقاب في القرآن الكريم مع مقارنة خاصة بأسفار موسى الخمسة”، وفي الدكتوراة تناول موضوع “Religion, Legality and the State: 1983 Sudanese Penal Code” (الدين، الشرعية والدولة: قانون العقوبات السوداني لعام 1983)، كان يمكن لاستحضار هذه الأعمال أن يثري -في تقديري- إضاءة أبعاد أخرى في تناول الجزئية الأخيرة التي انتهت بها الحلقة، والتي عالجت آخر أعمال أستاذنا المنشورة في موضوع المواثيق النبوية ذات الصلة بقيم الإسلام وأحكامه في التعامل مع النصارى وغير المسلمين.

 

تلك الوثائق -بالمنهجية التي تناولها بها- تتعلق بأبعاد أخرى متعينة في الاجتماع السياسي، السوداني على جه الخصوص، الذي حفز في تقديري تفكير أستاذنا في مسألة التعايش الديني والتعددية الدينية في الدولة الواحدة؛ لا سيما وأن المسلمين -كما بين هو بنفسه في هذه الحلقة- في أول عهد الإسلام، أي في المائة الأولى من تاريخه، كانوا قلة ولكنهم مع ذلك تميزوا بالعدل والانصاف واحترام أديان وتقاليد من قاموا بحكمهم. وهي الصورة التي يُنتظر من المفكرين المسلمين أن يُظهروها في سياق العصر الذي نعيشه، من غير تشويش أو تغبيش. لأن المقابل، قد يتمثل في العجز عن الالتزام بهذا المنهج في التعامل مع غير المسلمين، أو أن ينتهي بفكر بعض المعاصرين إلى تصور أن المسلمين لا يستريحون إلا إذا انفردوا في العالم أو في الدولة بالبقاء والتسلط على غيرهم، ممن يباينونهم في الاعتقاد. وهذا البعد تتمثل أهميته في الاستدراك على من ظن أن فصل جنوب السودان في دولة مستقلة مما يمكن تسويقه بمبررات احتكام السودانيين إلى الشريعة الإسلامية. وكأن الاحتكام إلى الشريعة لا يتم إلا بإلغاء حقوق الأخرين في التعبير عن خصوصيتهم الدينية أو الثقافية، وهو نوع من التشويش ما زال حاضرًا في خطاب العامة من الناس وبعض الخاصة من السياسيين العاجزين عن تحرير هذه القضية. وهذا خطلٌ وخطر نبه إلى خطئه من قبل الشيخ الأزهري الورع والعالم المجدد محمد الغزالي رحمه الله وأحسن إليه، في واحد من مؤلفاته الكثيرة والقيمة.

 

ثانيًا: المقارنة بين اسهامات الأساتذة الثلاثة:

ابتداءً أقول إن المفاضلة بينهم الثلاثة قد تكون غير منصفة، فلكل واحد منهم مجاله الذي تميز فيه وتفرد به، فالأستاذ الدكتور عبد الوهاب الأفندي -بحسب فهمي لكتاباته- أعد نفسه أكاديميًا في حقل دراسات الإسلام وحقوق الإنسان في الأساس، وهو بجانب ذلك من كُتاب الرأي المقتدرين. وهو مهتم بتحليل ظاهرة ما عرف بالإسلام السياسي وتجاربه. وهو كذلك، في فهمي الخاص لمضامين اسهاماته، غير منتمي حزبيًا، لا للإخوان المسلمين بالاصطلاح الواسع، ولا لأي تنظيم أو حزب سياسي سودانيًا كان أو أمميًا، وأن كتابته تنطلق من مرجعية قيمية أقرب للفلسفة المثالية لكنها تحتكم إلى أدوات التحليل السياسي ووظائف مؤسسات الدولة الحديثة.

 

يلحظ ذلك من يقرأ كتابه “لمن تقوم الدولة الإسلامية؟”، غير أن قراءة هذا الكتاب في سياق توتر العلاقة بين فقه انتماء مؤلفه للتنظيم الإسلامي من عدمه لم يهتم بها نقاد الأفندي ولا المهتمين بتحليل كتاباته. هذا على الرغم من أن مقالاته السياسية عن الإنقاذ، وكتابه عن الثورة والإصلاح السياسي في السودان، كلها في نقد تفلت الدولة فيما يتعلق بانضباطها في أداء وظائفها الأمنية وفي نقد غياب الحساسية الأخلاقية للقائمين على المشروع السياسي الذي اتخذ من الإسلام شعارًا موجهًا لفلسفة حكم النظام الذي ترأسه الجنرال عمر البشير. وقد أنجز الأفندي من قبل أطروحته للدكتوراة عن المشروع الإسلامي السياسي للمجموعة التي قادها المرحوم حسن الترابي. وقد أهله كل ذلك أن يقدم نسفه كخبير في الحركات الإسلامية وحقوق الإنسان، وهذا هو المجال الذي عرف به منذ أن كان في بريطانيا، حيث عمل في جامعة من جامعاتها في برنامج الإسلام وحقوق الإنسان.

 

بالنسبة لي فإن بروفيسور التجاني عبد القادر حامد مفكر استراتيجي وصاحب قدرة على تجريد الأفكار واستلهام حوافز للفكر من واقع التحديات التي تواجه حركة الإسلام في سياق العصر الذي نعيشه. وهو، مثل عبد الوهاب الأفندي وإبراهيم زين، يجمع بين المعرفة العميقة بالفلسفة ومباحث العلوم الاجتماعية والإنسانية التي يشتغل عليها، إلا أنه معني في المقام الأول بتطوير منظور قرآني ورؤية مرجعية إسلامية للعلوم الاجتماعية والإنسانية. وقد أنجز العديد من الدراسات في هذا الصدد، ابتداء بباكورة إنتاجه في بحثه للتخرج في قسم الفلسفة بجامعة الخرطوم عن “الزمن في القرآن الكريم”، وإلى آخر ما نشره في كتابه عن النص القرآني وأصول الاجتماع الإنساني.

 

يتمتع بروفيسور التجاني بقدرة فريدة في التنظير وفتح آفاق للتفكير في المُعقد من القضايا، وهو قبل ذلك وبعده صاحب حس أخلاقي ومسؤولية فكرية والتزام لا أكاد أجده عند كثير ممن تعرفت عليهم، ممن يصنف نفسه أو يصنّفه الناس ضمن مفكري الحركة الإصلاحية الإسلامية الحديثة. ولعل هذا ما يفسر تباعد المسافة بينه وبين البراغماتيين الإسلاميين الممارسين للسياسة، فهو يؤمن بأولية الفكر على العمل، والتأصيل المتأني في كل ما يتصل بسياسة الناس بالإسلام. وهذا منهج لا يستقيم مع من يتعجل النتائج ويشرع في العمل بلا نموذج نظري محكم.

 

ولعلي أذكر هنا أنني لم أتتلمذ على يد أستاذنا بروفيسور التجاني في قاعات الدرس، لكني منذ أن عرفته في العام 1995، في دورة حنتوب عن إسلامية المعرفة، وهو من أقرب الناس لي، وقد تعلمت منه أدوات في تحليل شأننا السوداني ما كنت بالغها ولا بشق الأنفس، وفي مجال الفكر الإسلامي فتح لي آفاقًا -من خلال كتاباته، ونقاشات ثنائية معه ممتدة بعمر معرفتي به- على مباحث وقراءات في التراث الإسلامي ما كنت أهتم بها لو أني اكتفيت بتكويني التربوي المنفتح على الدراسات الإسلامية في إطار ما قدمته لنا جامعة أم درمان الإسلامية. وأنا بطبيعة الحال معجب غاية الإعجاب بأسلوبه في الكتابة والسرد والحكي، ليتني أنال بهذا الإعجاب شيء من ملكته تلك. وظني أنني على المستوى الشخصي، والسلوك اليومي، أحاول قدر المستطاع أن أعبر عن بعض القيم التي تعلمتها من صحبتي له، وهي صحبة عمرها ثلاثة عقود. وهي أهم رأسمال ورصيد أعتز به.

 

أما أستاذي بروفيسور إبراهيم محمد زين، وقد تتلمذت عليه في مرحلتي الماجستير (درست عنده مقرر عنوانه إسهامات علماء المسلمين في مقارنة الأديان)، وفي مرحلة الدكتوراة (درست عنده مقرر مقاصد الشريعة الإسلامية، ثم كان عضو لجنة الإشراف على أطروحتي عن التكامل المعرفي وتطبيقاته في المناهج الجامعية التي نلت بها درجة الدكتوراة في التربية)، فإني أكاد أجزم أن ما درسته عنده من أقيّم ما تلقيته في قاعات الدرس. له قدرة فريدة على تتبع تاريخ الأفكار ومساءلتها ونقدها واتخاذ موقف متبصر منها.

 

ولعل أميز ما عرفته عن أستاذي بروفيسور إبراهيم زين أنه أكاديمي جاد، في البحث والتدريس والإدارة، واسع الاطلاع، عميق الفكر. عندما تطلع على توصيفه للمقررات التي يُدرسها وتقارنها بما تَدرسه على غيره تلحظ ذلك العمق وتلك الفرادة. ينمي فيك ملكة التفكير والنقد والتحليل ولا يحرص على التلقين؛ يخفي عنك ذكر كتاباته ودراساته الخاصة في الموضوعات التي تدرسها عنده، إلا أن تتعرف عليها باطلاعك الخاص، حتى لا يؤثر سلبًا على اختياراتك في الفهم والتحليل، فتتعجل إرضاءه قبل هضم الموضوع الذي تدرسه (وهي الطريقة التي يفضّلها كُسالى الأساتذة الجامعيين عادة). يُحيلك إلى أمهات الكتب والمصادر الأولية ويترك لك حرية البحث والتفتيش عن المراجع التي تمكنك من مواصلة تعلمك الذاتي على ضوء تلك الأمهات الأصول. وفي الإدارة الأكاديمية لا يتبع اسلوبًا أداتيًا يفوت فلسفة نظام التعليم الذي يشتغل في اطاره، فهو حريص على تمثل قيم ذلك النظام، مؤتمن عليه، عاملٌ على تطويره لتقديم تجربة في التعليم الإسلامي الجامعي وفوق الجامعي تتسم بالأصالة والعمق والشمول والإحاطة. وبروفيسور إبراهيم زين، فوق ذلك، سعيد في تقديري بما يشتغل عليه من أبحاث وتأليف ومهام تدريس تصب جميعها في خانة أولويات متسقة، تسير في خط واحد صاعد، متطور باستمرار، لا تتشعب به إلى غيرها من اهتمامات بعيدة عن مجال تركيزه، شأن كثيرين منا.

 

في المقابل، فقد أمضى بروفيسور التجاني -بحكم معرفتي به- بعض سنوات عمره المهني في انشغالات لا تتناسب مع مشروعه الفكري الطموح. وتلك إكراهات الاغتراب الوظيفي عادة، وتوازنات الحياة التي تضطر المرء لركوب الصعاب. وهو مع ذلك له تأثير في تشكيل الرأي العام في قضايا السياسة فريد، تأثير عرف به وحده، عند المقارنة بزملائه. لكن هذا التأثير لا يضاهيه تأثير مماثل في عالم الفكر والدراسات الأكاديمية، فالذين احتفوا به أكاديميًا ما زالوا قلة من الطلبة والزملاء. ليت بعض عارفي فضله يستدركون ذلك، تعريفًا بمنهجه في التأليف العلمي، والتأصيل المعرفي.

 

نعرف في تاريخنا الإسلامي أن التلاميذ هم من ينهضون بالتبشير بأفكار أساتذتهم ونشر مناهجهم وطرائقهم في التفكير. (بعض الدارسين يذهب إلى أن انحسار الفقه المالكي يعود لقلة أوقاف التعليم على المذهب المالكي، مما قلل من تلامذته مقارنة بأئمة الفقه الحنبلي والشافعي على سبيل المثال). على أن ما وقع للأستاذ التجاني في هذا الصدد يعود في الأساس إلى نوعية طلبته، الذين تشغلهم اهتمامات غير اهتماماته، لأسباب كثيرة ليس هذا مقام تفصيلها. ولولا عمله، لسنوات خلت، في مركز ابن خلدون للدراسات الاجتماعية والإنسانية بجامعة قطر، لربما ما طالعنا مؤلفاته القيمة الأخيرة. وبحكم معرفتي به، ومعاينتي لنماذج من مسودات ومخطوطات بمكتبته الخاصة، التي تزين مجلسه من كل الاتجاهات، حتى يتخيل إليك وأنت جالس معه أنك في مكتبة بمؤسسة جامعية لا في بيته، أقول إن تلك المادة القيمة غير المنشورة بعد تنتظرُ من أستاذنا القدير أن يُعجل بنشرها، فهي كلها مما ينفع الناس ويبقى أثره.

 

ولأن الشيء بالشيء يُذكر، فقد تزامن قدومي إلى الدوحة في العام 2016 مع قدوم هؤلاء الأساتذة الثلاثة. وفي ذلك العام قلت لأستاذي بروفيسور إبراهيم زين ليتك تعمل على تأليف مراجع علمية، وكتب منهجية، في مجال الأديان باللغة العربية، لما أعلمه عنه من حضور فاعل في جنوب شرق آسيا وفي شرقها في اليابان والصين، وحضور في مناقشات أطروحات أكاديمية بجامعات في نيجريا وغيرها من بلاد إفريقية، إلا أن اسمه غير معروف كثيرًا، قبل عمله بجامعة حمد، في المنطقة العربية وجامعاتها. باستثناء ما نشره ببعض الدوريات العلمية، وبالأخص في إسلامية المعرفة والتجديد، ومقاله في مجلة جامعة البحرين للعلوم الإنسانية، ومشاركاته في مشروع مكتبة الإسكندرية. هذا بالإضافة إلى أن معظم كتابات بروفيسور إبراهيم زين باللغة الإنجليزية، بحكم بيئة عمله. وليته يجد من الوقت ما يسمح له بنشر ما ينتفع به قراء العربية؛ فهو أفضل من تمثل تراث إسماعيل الفاروقي العلمي، كما أنه صحاب تكوين علمي يجمع بين المعرفة بالفلسفة الوسيطة والحديثة والإلمام الأصيل بأمهات الكتب التراثية في الأصول والفرق والأديان، مع حسن تمثل لقيم الإسلام في سلوكه اليومي وتصرفاته المهنية والحياتية.

 

ولعل مما يميز ثلاثتهم، التجاني عبد القادر وعبد الوهاب الأفندي وإبراهيم زين، أنهم من أصحاب الزهد في المجالات التي يكثر فيها التنافس، وهذا ما يفسر انشغالهم بالبحث والتأليف وابداعهم فيه، كما يمتازون بحسن الاستقامة والاتساق في الالتزام بما يؤمنون به، عن بينة وبصيرة. لكن من الظلم لهم، وقد وقع فيه كثير من السودانيين خاصة، أنه ننتظر منهم انفعالًا يوميًا مباشرًا بالشأن السياسي خاصة. وهو انتظار سببه، على الأرجح، ارتباط أزمة بلادنا بالسياسة وفشل السياسيين والحاجة الملحة لإصلاح حالنا المائل. وفي تقديري فإن أمثال هؤلاء لهم دور أكبر من التماهي مع طريقة النفير السياسي التي تسير عليها الجماعة السياسية المتعجلة، ذلك أن الاستفادة منهم تأتي بإصلاح مؤسسات التفكير وضبط علاقتها باتخاذ القرارات وصناعتها لا بإفراغ مؤسسات التعليم والبحث منهم.

 

أذكر أننا في العام 2007 كنا في اللجنة العلمية التحضيرية لأول مؤتمر عن كتابات الأستاذ محمد أبو القاسم حاج حمد، وكان ذلك بعد رحيله عن دنيانا الفانية، رحمه الله وأحسن إليه، بصدد ضبط برنامج ثقافي مصاحب نستفيد فيه من القامات العلمية المشاركة في المؤتمر، وكان من ضمنهم -بالإضافة إلى أستاذي بروفيسور إبراهيم محمد زين، الفيلسوف أبو يعرب المرزوقي والدكتور محمد بن نصر، وآخرين. وقد اقترحت على بعض الجهات أن تستضيف أستاذنا إبراهيم زين في محاضرة عامة بعنوان الإسلام ودولة ما بعد الاستعمار، وكان العنوان من اقتراح أستاذنا. تمت المحاضرة بحضور نوعي استثنائي، وفي اليوم التالي من الندوة تناول الأستاذ اسحق فضل الله في مقاله الصحفي اليومي تغطية ما جاء على ذكره أستاذنا إبراهيم زين من أفكارٍ، يبدو من حسن تقبل الحضور لها وكأنهم يسمعونها لأول مرة؛ حيث ربط تطور الكتابة في مجال أصول الفقه بأدب الاختلاف ووصل كل ذلك ببعض ما كانت تهتم به النخبة السياسية في السودان من قضايا وتحديات على رأسها قضية جنوب السودان بين خيارات الوحدة والانفصال، وتوترات سياسية وفكرية أخرى. وكان مما تضمنه مقال اسحق فضل الله سخريته من التراتبية المعكوسة في بلادنا والتي تؤخر أهل الفكر وتُقدم من لا يحسنون الفكر والعمل.

 

حفظ الله أساتذتي الأفاضل، ومد في أيامهم في العمل الصالح والعلم النافع. اللهم آمين.

Exit mobile version