“الطرورة”.. كيف تحول قارب بدائي إلى شريان حياة لقرى دارفور؟

دارفور- في منطقة فوربرنقا (غرب دارفور) لا يحتاج الأمر إلى أكثر من هطول أمطار غزيرة حتى يرتفع منسوب وادي أزوم، وتنقطع الطرق، وتتحول القرى إلى جزر معزولة، لا يصلها أحد، ولا تصل إلى أحد.

هنا، حيث تتصارع مياه الخريف مع جحافل الحرب، لا جسور تعبر بها، ولا عبارات تنقلك، ولا طرق تصل بك إلى الضفة الأخرى. لا شيء هناك سوى “الطرورة”، ذلك القارب البدائي الذي تصنعه أياد ماهرة من سيقان نبات “الطرور” المجوفة، ليظل شريان الحياة الوحيد في وجه العزلة. وعلى متنه، تُحمَل الحياة بكل تفاصيلها:

أمهات على وشك الولادة، أطفال تفتك بهم الحمى، وأكفان تلفّ من رحلوا. كل رحلة في “الطرورة” مغامرة بين الضفتين، تنتظر فيها كل ضفة وصول قارب يحمل أنفاسا تلهث تحت وطأة الجوع والخوف. جذور تاريخية
تعود صناعة “الطرورة” في منطقة فوربرنقا إلى عقود طويلة، حيث كانت وسيلة النقل الوحيدة بين ضفتي وادي أزوم، قبل أن تتحول إلى أداة بقاء في ظل الحرب والفيضانات.

وقد توارثت الأجيال هذه الحرفة، وأصبحت جزءا من التراث الثقافي للمنطقة، لكن الظروف القاسية جعلت منها اليوم شريان حياة لا غنى عنه.

يقول آدم رمضان آدم، مسؤول الثقافة والتراث لقبيلة السنيار، التي تقطن منطقة فوربرنقا جنوب شرق الجنينة عاصمة غرب دارفور، في تصريح للجزيرة نت: “الطرورة ليست مجرد مركب، إنها شريان حياة”.

ويوضح أن عشبة “طرور” تنمو بكثافة على ضفاف الوديان، وتقطع في موسم الجفاف، وتترك لتجف تحت الشمس، ثم تربط سيقانها معا بإحكام لتشكيل “الطوف” الذي يحمل الناس عبر المياه.

ويضيف آدم أن الطرورة تُستخدم لنقل البضائع والأشخاص بين ضفتي وادي أزوم، الذي يفصل بين منطقتي فوربرنقا وأنجكوتي، مؤكدا أنه بدونها تنقطع سبل الحياة، وتتوقف الأسواق، ويصبح الوصول إلى المستشفيات والمدارس حلما بعيد المنال. ويتابع “الطرورة ليست مجرد وسيلة نقل، بل هي رمز للصمود والتكيف مع قسوة الطبيعة والحرب معا”. مواجهة الفيضانات
ومع كل موسم خريف، تتحول وديان دارفور، وعلى رأسها وادي أزوم ووادي باري، إلى أنهار هائجة تجرف في طريقها كل ما تعترضه. ولا يمر عام دون أن تشهد المنطقة سيولا جارفة تدمر عشرات المنازل كليا أو جزئيا، في مشهد يتكرر بدرجات متفاوتة من منطقة إلى أخرى.

Exit mobile version