تقارير

السودان : مهلة الـ( 45) يوماً … هل تمثل مواجهة جديدة موظفي الحكومة ؟

معادلة صعبة يواجهها موظفو القطاع العام بالسودان؛ فبين مؤيد ومعارض، استقبل العاملون بالخدمة المدنية السودانية توجيه مجلس الوزراء بأن يبلغ كافة منسوبي أجهزة الدولة لمواقع عملهم بنهاية أكتوبر المقبل، بعد ثلاث سنوات ونصف من عدم مزاولة أعمالهم بسبب الحرب، وبعدما لجأ ونزح أغلب الموظفين داخل البلاد وخارجها بحثاً عن الأمن والتحق بعضهم بوظائف في دول المهجر.

أمس (الأربعاء) تداولت وسائل إعلامية توجيهاً صادراً من الأمانة العامة لمجلس الوزراء بالرقم (108)، أوضح أن المجلس أصدر في جلسته رقم (19) بتاريخ 17 سبتمبر التوجيه المذكور، والذي قضى بأن يُبلّغ كافة منسوبي أجهزة الدولة فوراً “لمواقع عملهم خلال 45 يوماً من تاريخ صدور الإعلان”.

وأحالت الأمانة العامة لمجلس الوزراء صورة من التوجيه إلى السادة الوزراء ولرؤساء الوحدات والأجهزة الحكومية، بغرض متابعة تنفيذ ما ورد فيه.

وقد حاولت عدد من المؤسسات الحكومية إجبار موظفيها على العودة إلى العمل خلال الشهور الماضية، إلا أن محاولاتها باءت بالفشل بسبب عدم تهيئة البيئة من مقار وتجليس، فأرجأت القرار إلى إشعار آخر.

وبحسب مداخلات إعلامية لوزير الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية، معتصم أحمد صالح، في شهر يونيو الماضي، فإن العدد الكلي للعاملين بالحكومة الاتحادية والهيئات والشركات الحكومية والأجهزة العدلية يبلغ نحو 106 آلاف عامل، منهم حوالي 44 ألفاً بالوزارات والوحدات الاتحادية.

ويوضح صالح أن توزيع العاملين بين من باشروا أعمالهم ومن تأثروا بظروف الحرب أو ما زالوا خارج مواقع العمل يخضع لتحديث ومراجعة مستمرة، في ظل عودة مؤسسات الدولة تدريجياً إلى مقارها واستئناف نشاطها من العاصمة الخرطوم.

وبحسب حديث سابق لوزير المالية، د. جبريل إبراهيم، فإن الدولة قررت تقليص نسبة العاملين بها في الفترة الأولى للحرب لعدم وجود مقار ومأوى للموظفين، بنسبة لا تتعدى نحو 40% من إجمالي الموظفين.

و في شهر يناير الماضي بدأت الحكومة تعود إلى العاصمة القومية الخرطوم بعد ثلاثة أعوام قضتها في بورتسودان كعاصمة بديلة واتخاذها كعاصمة إدارية لإدارة شؤون البلاد، تزامناً مع استمرار المعارك في الخرطوم بين الجيش السوداني والقوات المساندة له، ومليشيا الدعم السريع المتمردة.

وواجهت حركة عودة الحكومة إلى الخرطوم عقبة عدم وجود مقار جاهزة لمزاولة العمل، فاضطرت كثير من الوحدات لاستئجار مقار بديلة أو الاستضافة في مبانٍ حكومية؛ مثل مبنى الشركة السودانية للموارد المعدنية التي تستضيف سبع وزارات في مقرها جنوبي الخرطوم.

وفقاً لمصادر مطلعة تحدثت مع “المحقق”، فإن أزمة المقار وعدم وجود مكاتب للموظفين لمزاولة نشاطهم لا تزال قائمة، واستبعدت ذات المصادر أن تكون الفترة التي حددها مجلس الوزراء كافية لصيانة المقار الأصلية.

وأكد مصدر بإحدى الوحدات الحكومية -فضل حجب هويته- أن قرار مجلس الوزراء بتبليغ الموظفين لمواقعهم بنهاية شهر أكتوبر المقبل لم يصل إلى الوزارات حتى الآن.

وأكد أن أغلب الوزارات لا تزال في مقار بديلة وتعمل بلجان طوارئ لعدم استطاعتها العمل بالطاقة القصوى من الموظفين.

(ع. م) موظفة بإحدى الوزارات الحكومية اضطرتها ظروف الحرب إلى اللجوء بدولة مصر، أوضحت عدم قدرتها على اتخاذ قرار العودة إلى السودان في الوقت الراهن، مشيرةً إلى تكاليف وأعباء اقتصادية وصحية باتت تُشكل عائقاً أمام عودة أسرتها.

وكشفت لــ”المحقق” أن أهم الموانع تتمثل في بدء العام الدراسي وتسديد الأسرة لنحو 60% من الرسوم الدراسية لمؤسسات التعليم بالخارج وهي غير قابلة للاسترداد، بالإضافة إلى تكبد الأسرة خسائر مالية جراء الاستقرار وتأسيس سكن جديد في دولة النزوح في ظل انخفاض سابق لسعر الصرف، إلى جانب فقدان كافة الممتلكات والأثاث المنزلي في السودان.

وأشارت إلى أن بيع الأثاث الحالي بالخسارة تحت ضغط الوقت، أو تكلفة نقله المرتفعة مع الارتفاع المتواصل في سعر الصرف مقارنة بضعف الأجور، يجعل من إعادة تأسيس منزل جديد داخل السودان أمراً مستحيلاً بعد أن استنزفت ظروف النزوح كامل مدخرات الأسرة المالية.

توافقها الرأي الموظفة بإحدى الوحدات الحكومية الولائية الموجودة بدولة يوغندا، بـأن قرار العودة في الزمن المحدد من قبل مجلس الوزراء يبدو مستحيلاً في ظل ارتباط أبناء العاملين بالعام الدراسي الذي بدأ قبل أسابيع قليلة، بجانب ظاهرة الغلاء بالسودان وتآكل قيمة الأجور بما يجعلها لا تفي بأساسيات الحياة اليومية.

في المقابل يصف الموظف الحكومي (م. ب) بوزارة المالية قرار عودة الموظفين إلى مزاولة أعمالهم من مقارها الأصلية بالخرطوم بالصائب.
وقال في حديثه مع “المحقق” متسائلاً : “حتى متى سيظل الموظفون مبعدين عن العمل؟”، مضيفاً: “الحرب انتهت الآن والخرطوم مستقرة ولا معنى للنشاط عبر الأونلاين”، وأكد أن هناك عدداً كبيراً من الموظفين في حاجة ماسة للعودة وممارسة أعمالهم بعد هذه الفترة الطويلة في ظل تزايد الاحتياجات المالية وتقلص أجور المبعدين بنسبة 40%.

من جانبه، أكد الخبير الاقتصادي وليد دليل أن خطوة عودة الموظفين لمزاولة أعمالهم تعتبر أداة ضغط تنظيمية مطلوبة لإعادة ضبط الجهاز الإداري وتنقية كشوف المرتبات وحصر الموظفين، مشيراً إلى وجود فجوة واضحة بين الإرادة الإدارية والقدرة التنفيذية على الأرض.

وأوضح دليل في حديثه مع “المحقق” أن إعلان الحكومة سابقاً اكتمال عودة الوزارات للخرطوم يتفاوت مع مدى جاهزية المباني لاستيعاب كامل العدد الوظيفي، بالنظر إلى حجم الدمار والنهب الذي طال المؤسسات الحكومية والمصرفية وفي مقدمتها البنك المركزي، مؤكداً أن عمليات إعادة التأهيل تتطلب أفقاً زمنياً يتجاوز السقف المحدد بـ 45 يوماً.

ونوه الخبير الاقتصادي إلى أن وزارة المالية ما زالت تدير أزمة سيولة، بدليل توصية اللجان الفنية بتقليص نحو 57 ألف وظيفة لضغط الإنفاق، فضلاً عن صعوبة إقرار زيادات فورية في الرواتب رغم الصرف التدريجي لمتأخرات الـ 14 شهراً، وذلك نتيجة بطء تعافي الإيرادات العامة من جمارك ونفط وضرائب.

وتوقع دليل أن يشهد القرار التزاماً جزئياً وتدريجياً يتركز في الخرطوم والولايات الآمنة، مع ترجيح اللجوء لتمديدات واستثناءات لاحقة نتيجة التحديات الأمنية في مناطق النزاع بشرق وغرب البلاد (دارفور وكردفان)، مؤكداً أن نجاح القرار مرهون بمعطيات مالية ولوجستية تتجاوز نطاق المهلة الإدارية المحددة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى