رأي

السودانيون يبحثون عن الخبز.. والحكومة تبحث عن أفواههم

رشان أوشي

الجوع والأزمات الاقتصادية وانهيار مؤسسات الدولة، كلها عوامل تحاصر السودانيين وتطبق الخناق عليهم يوماً بعد يوم. حرب طاحنة استنزفت مقدرات البلاد، ودمرت مصالحها، ومزقت نسيجها الاجتماعي، فيما تتسابق المطامع الدولية الساعية إلى تحويل السودان إلى ساحة للفوضى، تمهيداً لنهب موارده وإعادة هندسة واقعه السياسي والاجتماعي بما يخدم مشروعات الهيمنة والاستعمار الجديد.

في خضم هذه المأساة، وبينما تتراكم الأزمات وتتسع المعاناة، يبدو أن رئيس الوزراء الدكتور “كامل إدريس” وجد ما يستحق أن ينشغل به: صحفي كتب مقال ناقد، أو أورد خبر لم يرق له. فيسعى، بكل ما أوتي من سلطة، وبمساندة وزير العدل، إلى ابتكار آليات قانونية تتيح ملاحقة الأصوات الناقدة، وتضييق الخناق على حرية التعبير، وكأن المشكلة الكبرى التي تواجه الدولة السودانية ليست الجوع والحرب وانهيار الخدمات، وإنما ما يكتبه الصحفيون وما يقوله المواطنون تعبيراً عن سخطهم إزاء واقع يزداد قسوة كل يوم.

والمؤسف أن وزير العدل، مولانا محمد درف، لا يبدو معترضاً على هذا المسار، ولا نسمع منه موقفاً رافضاً أو نصيحة قانونية تحذر من مغبة تحويل مؤسسات العدالة إلى أدوات لتصفية الحسابات مع المنتقدين. بدلاً من ذلك، يبدو وكأنه يمضي في تنفيذ ما يطلبه رئيس الوزراء وبطانته، دون أن يتوقف عند التناقض الأخلاقي بين مسؤولية الدولة في حماية الحقوق، ومساعيها إلى تقييدها.

ولعل أكثر ما يؤلمني في هذا المشهد أنني مضطرة اليوم إلى توجيه نقد علني لرجل أحمل له تقديراً شخصياً وموقفاً لا أنساه. فمولانا محمد درف، المحامي الذي عرفته مدافعاً عن المظلومين ومحارباً للفساد، وقف إلى جانبي في واحدة من أصعب محطاتي المهنية والقانونية.

في العام 2022، إبان القضية الشهيرة التي نشبت بيني وبين قائد الدعم السريع ونائب رئيس مجلس السيادة آنذاك، “حميدتي”، تطوع مولانا درف للدفاع عني، بعد بلاغات وصلت إلى المحكمة على خلفية حلقة تلفزيونية وصفت فيها الدعم السريع بالمليشيا. كانت قضية رأي عام، تخلى عني خلالها الجميع تقريباً، باستثناء مولانا محمد درف ومولانا ناجي مصطفى. وحين اعتقل مولانا ناجي مصطفى، شاءت الأقدار أن يتولى “درف” الدفاع عني.

ذلك موقف لا أنكره، ولا أتنكر لفضله، ولا أسمح للخلاف مع مواقفه الراهنة بأن يمحو ما قدمه لي في تلك المحنة. لكن الوفاء للمواقف النبيلة لا يعني الصمت عن الانحرافات، والامتنان لرجل لا يمنحه حصانة من النقد، خصوصاً حين يتعلق الأمر بمنصب عام ومسؤولية تتصل بحقوق الناس وحرياتهم.

إن تفصيل القوانين على مقاس السلطة، وإطلاق يد المستشارين في ملاحقة كل من ينتقد أداء رئيس الوزراء، يمثلان انحراف خطير عن الصورة التي عرفناها عن مولانا “درف”؛ صورة المحامي المحارب للفساد والاستبداد، والمدافع عن المظلومين في مواجهة أصحاب النفوذ. فكيف لمن وقف يوماً في صف حرية الآخرين وحقهم في الدفاع عن أنفسهم أن يقبل اليوم بمسار قد يجعل من النقد الصحفي مدخلاً للملاحقة والتضييق؟

لقد أعلن رئيس الوزراء عن الآلية الوطنية لمكافحة جرائم المعلوماتية، في وقت يقف فيه المواطنون في صفوف طويلة أمام محطات الوقود، ويواصل الدولار صعوده إلى مستويات تجاوزت ثمانية آلاف جنيه، وتنقطع الكهرباء لساعات طويلة تمتد إلى نصف اليوم في بعض المناطق، بينما يواجه الموسم الزراعي أزمات شح الأمطار والتمويل والوقود. والحرب تستنزف ما تبقى من موارد البلاد، فيما تتواصل عمليات تهريب الذهب وتتسع الأسئلة بشأن مصير الثروات الوطنية.

هذه هي القضايا التي كان ينبغي أن تستنفر الحكومة، وأن تحشد لها طاقاتها القانونية والتنفيذية، وأن تجعل منها أولوياتها العاجلة. كان الأجدر برئيس الوزراء أن يعلن آليات لمكافحة الفساد، واسترداد الأموال المنهوبة، وضبط تهريب الذهب، ومعالجة أزمة الوقود والكهرباء، وإنقاذ الموسم الزراعي، وإصلاح مؤسسات الدولة التي أنهكتها الحرب وأضعفها الفساد وسوء الإدارة.

أما أن تنصرف الحكومة إلى ملاحقة الصحفيين، بينما تتراكم الأزمات المعيشية وتضيق سبل الحياة أمام المواطنين، فذلك يطرح سؤالاً جوهرياً عن أولويات السلطة. هل بات انتقاد المسؤولين أخطر على الدولة من الفساد الذي ينخر مؤسساتها، ومن الجوع الذي ينهش بطون مواطنيها؟

هل يعتقد رئيس الوزراء أن آلية جديدة، أو نص قانوني إضافي، يمكن أن يخرس ألسنة السودانيين ويمنعهم من التعبير عن آلامهم ومآسيهم؟ وهل يتصور أن الصحافة ستتوقف عن مساءلته لمجرد أن حكومته قررت توسيع أدوات الملاحقة؟

لو كانت القوانين القمعية والدولة البوليسية قادرتين على إسكات الشعوب إلى الأبد، لما قامت الثورات، ولما سقطت أنظمة ظنت أن قبضتها الأمنية كافية لحماية سلطتها من غضب الناس. والتاريخ، الذي يفترض أن يكون رئيس الوزراء سيد العارفين بدروسه، يؤكد أن الخوف قد يؤجل لحظة المواجهة، لكنه لا يلغي أسبابها، وأن قمع الأصوات الناقدة لا يعالج الأزمات، بل يزيد الاحتقان ويعمق فجوة الثقة بين الحاكم والمحكوم.

إن الصحافة ليست خصماً للدولة، والنقد ليس جريمة، ومساءلة المسؤولين ليست مؤامرة على السلطة. وإذا كانت الحكومة واثقة من سلامة أدائها، فلا ينبغي أن تخشى المقالات الناقدة، بل أن تجيب عن أسئلتها بالأرقام والحقائق والإنجازات.

وبدلاً من مطاردة الصحفيين والانشغال بمعارك طواحين الهواء، على رئيس الوزراء أن يوجه جهده إلى إصلاح قوانين الاستثمار، ومواجهة شبكات المصالح التي تغلغلت في مفاصل الاقتصاد والإدارة، حيث تتقاطع الرشاوى والنفوذ مع مصالح بعض رجال الأعمال على حساب الدولة والمواطن.

وعلى وزير العدل أن يتذكر أن منصبه ليس امتداداً لمكتب رئيس الوزراء، وأن مسؤوليته لا تقتصر على تنفيذ رغبات السلطة التنفيذية؛ بل تشمل حماية سيادة القانون، وصون الحقوق والحريات، والتنبيه إلى مخاطر التشريعات التي قد تستخدم لتقييد النقد المشروع. فمقياس العدل ليس رضا الحاكم عن القانون، وإنما بقدرته على حماية حق المواطن في مواجهة السلطة، لا إخضاعه لها.

أما نحن، فلن نعتذر عن الدفاع عن حق السودانيين في حياة كريمة، ولن نصمت عن الجوع والفساد والانهيار، ولن نكف عن مساءلة المسؤولين عن مصير هذا البلد.

حباب السجون، وحباب القمع، إذا كان ثمن الدفاع عن حق شعبنا في العيش الكريم هو أن ندفعه من حريتنا.
محبتي واحترامي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى