الزراعة في السودان: من الفجوة الغذائية إلى بوابة الاكتفاء والتصدير
Mazin
تقرير: انتصار فضل الله
في ظل التحديات الاقتصادية والاضطرابات الأمنية التي يمر بها السودان، يظل ملف الأمن الغذائي واحداً من أكثر الملفات حساسية وتأثيراً على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. في بلد يمتلك واحداً من أكبر الموارد الزراعية في إفريقيا والعالم العربي، لا ينبغي أن يكون ساحة للتخوف من المجاعة أو الفجوة الغذائية، بل منصة لتحقيق الاكتفاء الذاتي والتحول إلى دولة مصدِّرة للغذاء.
غير أن الخطاب الإعلامي الدولي كثيراً ما يروّج لسيناريوهات قاتمة حول مستقبل الغذاء في السودان، متحدثاً عن مجاعات وشيكة، في مقابل آراء علمية وفنية ترى أن ما يمر به السودان لا يتجاوز كونه فجوات غذائية متحركة يمكن معالجتها عبر التخطيط السليم، وتنشيط الإنتاج الزراعي، وتفعيل دور أجسام المنتجين.
في هذا السياق ، تحدث ل”ايلاف” المهندس عمار حسن بشير، مدير الأمن الغذائي بوزارة الزراعة والري، ومسؤول شبكة الأمن الغذائي (شمس)، رؤية واضحة حول واقع الأمن الغذائي في السودان، والفجوة الغذائية، ودور الزراعة، وأهمية شبكة المزارعين، ومستقبل القطاع الزراعي في البلاد.
السودان و الفجوة غذائية
يؤكد المهندس عمار حسن بشير أن السودان خلال الفترات السابقة تعرض إلى حملات إعلامية منظمة تروّج لفكرة أن البلاد تواجه خطر المجاعة، مشيراً إلى أن هذه الحملات كثيراً ما تتكرر عبر الوسائط المختلفة، المحلية والعالمية.
ويقول:كنا دائماً نتصدى لهذه الحملات بالتوضيح العلمي، لأن هناك فرقاً كبيراً بين مفهومي الجوع والمجاعة. فالجوع هو مؤشر تستخدمه الأمم المتحدة في قياس مستويات الفقر الغذائي، بينما المجاعة لها توصيف علمي مختلف، وترتبط بانهيار شامل لمنظومة الغذاء وارتفاع معدلات الوفيات.”
ويضيف أن وجود مناطق تعاني من نقص الغذاء لا يعني إطلاق وصف المجاعة على السودان بأكمله، موضحاً أن السودان دولة واسعة ومتنوعة الإنتاج، ولا يمكن تعميم وضع منطقة بعينها على كامل البلاد.
الفجوة الغذائية: المفهوم والتشخيص
وحول مفهوم الفجوة الغذائية، يوضح بشير أن المصطلح يشير إلى الفرق بين الطلب على الغذاء وتوافره، بحيث يكون الطلب أكبر من حجم الإنتاج المحلي والمخزون الاستراتيجي والواردات الغذائية.
ويبيّن أن الفجوة الغذائية قد تنطبق على: دولة بأكملها أو إقليم معين أو منطقة محددة داخل الدولة ، مبينا تنشأ هذه الفجوة نتيجة ارتفاع الطلب على الغذاء و انخفاض الإنتاج الزراعي و ضعف المخزون الاستراتيجي إضافة إلى تراجع الواردات الغذائية ، ويؤكد أن السودان غالباً ما يشهد فجوات غذائية متحركة، وهي ظاهرة طبيعية تحدث بسبب التغيرات الموسمية في الإنتاج والاستهلاك، وتقلبات المناخ والظروف الاقتصادية.
وأشار إلى أن التقارير السنوية الصادرة عن وزارة الزراعة والرعي والتقدير السنوي للأمن الغذائي تقوم بتشخيص أوضاع الولايات بدقة، وتحدد مناطق الفائض والعجز، مما يساعد في توجيه التدخلات الحكومية والمنظمات نحو المناطق الأكثر احتياجاً.
الزراعة: قلب عملية توافر الغذاء
يرى المهندس عمار أن الزراعة تمثل القلب النابض لعملية توافر الغذاء، وليس مجرد خط الدفاع الأول. ويقول:”الزراعة هي حجر الزاوية في عملية الإنتاج، والإنتاج هو عصب عملية توافر الغذاء. وتشمل الزراعة الإنتاج النباتي والحيواني والمائي، وهي تشكل المحرك الحقيقي للأمن الغذائي في الدولة.”
ويضيف أن تحقيق الأمن الغذائي لا يقتصر على الإنتاج فقط، بل يعتمد كذلك على المخزون الاستراتيجي و الواردات الغذائية و الهبات والمساعدات التجارة الداخلية والخارجية إلا أن تنشيط الإنتاج الزراعي يظل المدخل الأساسي لمعالجة أي فجوة غذائية بصورة مستدامة.
شبكة المزارعين: صوت المنتجين وقلب السياسات الزراعية
يشدد مدير الأمن الغذائي على الدور المحوري الذي تلعبه شبكة المزارعين وأجسام المنتجين، مثل الاتحادات والجمعيات التعاونية والهيئات المهنية. ويقول:”هذه الأجسام تمثل المنتجين الحقيقيين، وتنقل قضاياهم إلى الجهات الرسمية، وتشارك في مناقشة السياسات الزراعية، وتوفر قناة تواصل مباشرة مع متخذي القرار.”
ويضيف أن تقييم مرفوعات هذه الأجسام يجب أن يتم بصورة موضوعية لمعرفة: هل تمثل هذه المطالب قضايا حقيقية؟ ،، أم مجرد مطالبات شكلية لا تخدم المنتجين؟
وأكد أن التجربة أثبتت أن معظم هذه المطالب تعكس بالفعل واقع المعاناة في قطاعات الإنتاج النباتي والحيواني والمائي، مما يجعل من الضروري التصالح مع هذه الأجسام وإعادة تفعيل دورها.
شبكة الأمن الغذائي (شمس): شراكات إقليمية ودولية
وكشف المهندس عمار أن شبكة الأمن الغذائي – سودان (شمس) تمتلك علاقات تعاون واسعة مع المنظمات الإقليمية والدولية، سواء الأممية أو غيرها، العاملة في مجال دعم الغذاء وتعزيز الإنتاج.
وأشار إلى أن هذه الشراكات تسهم في:دعم مؤشرات الأمن الغذائي و تعزيز قدرات الإنتاج و توفير الدعم الفني واللوجستي ، متوقعاً أن تشهد المرحلة المقبلة توسعاً في هذه الشراكات بما يخدم استقرار الغذاء في السودان.
مستقبل الزراعة في السودان: من الاكتفاء إلى التصدير
ويرى بشير أن مستقبل الزراعة في السودان واعد للغاية، شريطة إجراء إصلاحات جذرية وشاملة. ويقول: “إذا ما تم تحريك القطاع الزراعي بصورة كاملة، ومعالجة مشكلاته المعقدة في التمويل والري والتقانات والبنية التحتية والتسويق، فإن السودان قادر على تحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي، ثم الانتقال إلى مرحلة التصدير.” ويؤكد أن السودان يمتلك فرصة حقيقية للدخول بقوة إلى أسواق: دول الخليج العربي ، أوروبا ، غرب آسيا دول المحيط الهادئ مشيراً إلى أن ذلك ليس حلماً بعيد المنال، بل هدف قابل للتحقيق في حال توفرت الإرادة السياسية، والتخطيط الاستراتيجي، والاستثمار الكافي.
وتابع : يمتلك السودان كل المقومات التي تجعله سلة غذاء حقيقية للمنطقة والعالم، غير أن تحقيق هذا الهدف يتطلب إصلاحاً شاملاً للقطاع الزراعي، وتفعيل دور المنتجين، وبناء سياسات واقعية تستند إلى العلم والتخطيط لا إلى ردود الأفعال.
وختم بين مخاوف المجاعة وواقع الفجوة الغذائية، تظل الحقيقة أن الزراعة هي المفتاح، وأن السودان، رغم التحديات، قادر على تحويل أزماته إلى فرص، وبناء مستقبل غذائي آمن ومستدام.