الذاكرة السودانية: رغم غروب شمس الصحافة الورقية منهج جديد في الاخراج

محمد الشيخ حسين

يعد عبد الحميد ميرغني أحد رواد العمل الصحفي السوداني الذين شاركوا بفعالية في تصميم وإخراج وتأسيس وإصدار عدة صحف ومجلات داخل وخارج السودان منذ منتصف سبعينيان القرن الماضي. وهذا إبحار  في إحدى إشراقاته في الإخراج الصحافي رغم غروب شمس الصحافة الورقية.

(1)

يحمل المخرج الصحفي عبد الحميد ميرغني هما مشتركا يثقل ذهن معظم المشتغلين بمهنة الصحافة، يتمثل هذا الهم في كيفية تقديم المادة المكتوبة بصورة جاذبة وفق مدرسة إخراجية تناسب طبيعة المادة.

غير أن عبد الحميد ميرغني الذي تفوق في هذا المجال منذ العام 1977 تفرد على حملة هذا الهم، رغم افتقاده لنعمة البصر، منذ 25 عاما عاما، بتقديم منهج جديد في الإخراج الصحفي مستندا على فيزياء الإبصار والمهنية الصحفية والعامل النفسي.

ولم يفاجئ فوز عبد الحميد ميرغني بجائزة الشهيد الزبير  في الإخراج الصحفي ضمن مهرجان الجوائز للعام 2008، أيا من عارفي فضله، إذ يأتي هذا التقدير من أكبر جائزة علمية في البلاد تتويجا لدرب طويل شاق سلكه منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي في دنيا الإخراج الصحفي داخل وخارج السودان.

(2)

لا شك أن الذين أتيحت لهم معرفة عبد الحميد ميرغني جيدا، تابعوه مخرجا صحفيا له مذاق خاص وقدرة على اختزال التفاصيل المنتهية إلى اختزال اشكالية انسجام أو تناغم الشكل مع المضمون. والأصل عند عبد الحميد ميرغني هو مضمون الموضوع الصحفي، لأن تجويد المضمون عنده البوابة الملكية للشكل الجاذب والمعبر.

(3)

حتى لا تأتي النتائج قبل المقدمات، ارتكز عبد الحميد ميرغني في منهجه الجديد، على معاناة الصحافة السودانية منذ ظهورها في مطلع القرن العشرين من غياب المنهجية في الإخراج الصحفي. وهنا يقول (فقد ظلت العشوائية والافتقار إلى الجمالية البسيطة الجاذبة التي لا ترهق عين القارئ هي السائدة).

وخلاصة المقدمة أن افتقار الصحافة السودانية للشخصية المميزة، دفع عبد الحميد ميرغني للقيام بمحاولة استحداث نمط منهجي يرتكز على العلمية البصرية والمهنية الصحفية والعامل النفسي.

(4)

دون أي محاولة لإبداء التواضع الزائف، استند عبد الحميد ميرغني، في هذه المحاولة على خبرة 40 عاما وعلى محصلة استبيان لشرائح مختلفة من القراء في مجال الرؤية، لكي يعد هذا المنهج.

الحرف المناسب:

قبل صياغة الأفكار التي حلقت في ذهنه، استقر رأي عبد الحميد ميرغني على اختيار حرف يناسب كل مستويات النظر ولا يتأثر بسوء الطباعة التي تعاني من تدني مستويات التشغيل.

واعتمد النموذج المرفق مع هذا المنهج تقسيم الصفحة إلى ستة أعمدة أفقيا. وكل عمود بدوره مُقسّم إلى أربعة حقول رأسيا. وعندئذ تصبح المحصلة 24 حقلا يتم وضع الماكيت عليها بصورة تشبه النوتة الموسيقية، بحيث لا يحيد المخرجون عن هذا النمط مهما تباينت أمزجتهم !الشخصية، على أن هذا لا ينفي أو يحجر على المخرج هامشا من الحركة والابتكار.

(5)

هل لهذا المقترح أية ميزة سوى أنه جعل الإخراج الصحفي أشبه بلحن موسيقي يعزف وفق نوتة موحدة قد لا تتيح مجالا للإبداع أو الخروج عن النص؟

يتوقع عبد الحميد السؤال، فتأتي إجابته ببساطة أن ميزة هذا المقترح أنه يتيح توزيعاً عادلا بين اللونين الأبيض والأسود حتى يكون مريحا للعين.

أما الميزة الثانية، فهي تجنب عيب تاريخي تورطت فيه الصحافة السودانية من جهة تصميم الإعلان، حيث يراعي المقترح في تصميم الإعلان الانسجام مع المادة التحريرية الموجودة في الصفحة، ومن شأن هذا الشكل أن يدفع القارئ لأن يتوقف ويقرأ الاعلان ويفكر فيه.

وتظهر الميزة الثالثة في كسر الرتابة والنمطية في تصميم التحقيقات، حتى تُمثّل صفحة التحقيقات نوعا جديدا في عرض المادة.

وينتهي عبد الحميد ميرغني إلى أن الميزة الرابعة لهذا المقترح هي أنه يتضمن الحفاظ على نسبة 3 إلى 2 في مقاس الصورة باعتباره الحجم المناسب للنظر، ومراعاة درجة النصوع والظلال في الصورة.

(6)

ليس جديدا القول إن الذي يتحكم في مقياس الصفحات هو عرض بكرة الورق الموجود ونوع الماكينات المستخدمة في طباعة الصحيفة.

وعرض الورق المستخدم الأكثر استخداما هو 760 مليمترا وهذه هي المساحة المعتمدة لصفحتين، إذن الصفحة الواحدة تساوي 380 مليمترا.

لكن الجديد هنا أن عبد الحميد ميرغني يرى تقسيم المساحة الطباعية الأفقية إلى ستة أعمدة، بخلاف التقسيم القائم على ثمانية أعمدة وهو الشائع في السودان. وتقدم عدة فوائد لتقسيم الصفحة إلى ستة أعمدة هي:

قدرة القارئ على التركيز في الستة أعمدة أكثر من تركيزه في الثمانية أعمدة.

تقلل الستة أعمدة الجهد المبذول في حركة العين بنسبة 25 في المائة، لأن العين في الثمانية أعمدة تتحرك من المستوى الأفقي الى المستوى الرأسي نحو 960 مرة، بينما في الستة أعمدة تتحرك نحو 720 مرة.

سهولة رجوع القارئ إلى النقطة التي توقف عندها لدى أي مقاطعة أثناء القراءة في الستة أعمدة.

(7)

حصاد القول في تقسيم الصفحة إلى ستة أعمدة، أن يصبح عرض العمود الواحد 55 مليمتر والفواصل بين الأعمدة بعرض أربعة مليمترات.

ومع أن عبد الحميد ميرغني يرجح الالتزام بهذا المقياس كأساس، لكنه لا يستبعد إمكانية تجاوزه في بعض الصفحات بزيادة أو إنقاص عرض الأعمدة حسب طبيعة إخراج المادة.

ودون الخوض في تفاصيل فنية معقدة، يسهل عبد الحميد ميرغني مسألة الالتزام أو التجاوز، بإعداد جدول يبين كيفية حساب تحويل الأعمدة إلى أعرض أو أضيق بالمليمترات، وكذلك المسافات بين الأعمدة المختلفة.

(8)

كيف يتم تقسيم الأعمدة إلى حقول؟ تبدو المسألة سهلة عند عبد الحميد ميرغني، فهو يقتطع جزءا من المساحة الطباعية العلوية للترويسة بواقع عشرة مليمترات رأسيا في 350 مليمتر أفقيا، ثم يترك فراغا بعرض أربعة مليمترات رأسيا في 350 مليمترا أفقيا، ثم يبدأ في تقسيم الأعمدة إلى حقول بواقع كل عمود إلى أربعة حقول متساوية 130 مليمترا رأسيا في 55 مليمترا، وبين كل حقل والآخر اثنين مليمتر كفاصل وهمي لتمييز الحقول عن بعضها البعض حتى يتسنى تسميتها: حقل نمرة (1)، حقل نمرة (2) حقل نمرة (3) …الخ، وبالتالي يكون مجموع الحقول في الصفحة 24 حقلا تكون في مجملها مع (الترويسة) ما نطلق عليه المساحة الطباعية.

(9)

الغاية من الحقول السابقة عند عبد الحميد ميرغني أنها تتيح للمخرج بناء شكل أساسي للصحيفة، عبر خارطة معينة تتيح التنقل داخلها دون المساس بالشخصية الأساسية للإيقاع الاخراجي مهما تعددت شخوص المخرجين، تماما كما هو الحال مع النوتة الموسيقية، حيث لا يختلف اللحن باختلاف العازفين.

وتضمن هذه الحقول السرعة في التنفيذ، وبتجربة بسيطة يمكن معرفة ما يلزم الحقل الواحد من عدد الكلمات. ودلت التجربة على سبيل المثال أن ما يحتاجه حقل واحد مقاس 130 مليمترا في 55 مليمتر هو 190 كلمة تقريبا بنط 11 في مسافة بين الأسطر.

إذن يمكن للمخرج بسهولة أن يقارن بين المادة المراد إخراجها والمساحة المراد الإخراج عليها وبحسبة بسيطة يمكنه معالجة استخراج النسبة المئوية للمساحة منسوبة إلى المادة المراد إخراجها ومعالجة الزيادة أو النقصان.

(10)

يفرد عبد الحميد ميرغني حيزا مهما للحرف من جهة أنه  الوسيط الناقل للمعلومة من المطبوعة إلى عين القارئ. لذا يشدد على اختيار حروف النصوص والعناوين وفق معايير مضبوطة وملتزمة هي:

أولا: مراعاة كافة مستويات الإبصار لدى القراء.

ثانيا: مراعاة الاختلاف في مستويات التعليم، وهنا يتعين اختيار حرف بسيط لتسهيل مهمة القراءة.

ثالثا: تسبب رداءة الطباعة في طمس أطراف الحروف، وتجنبا لهذه المشكلة يجب اختيار الحرف حاد الأطراف وليس المدبب.

أما بالنسبة للعناوين فيجب الاحتفاظ بنوع واحد من الحروف لتجنب التشويش على القارئ. ولتحقيق مسألة تمايز العناوين يكون ذلك بحجمها وليس بتغيير نوع الحرف.

ويجب أن يكون طول أسطر العناوين بنسب تتقارب من 5 ـ 15 في المائة بين الأسطر من عرض الأعمدة المراد انزال العناوين بها، حتى يتسنى ترك مساحة بيضاء تساهم في ابراز العنوان.

(11)

فيما يتعلق  بإبراز العناوين، يقدم عبد الحميد ثلاث لاءات يفضل أن تلتزم بها الصحف اليومية وهي-

لا.. لتلوين العناوين.. فالألوان من الناحية البصرية تعمل على تشتيت البصر أكثر من تركيزه، بالإضافة إلى أنه لدى عرض الصحف في أماكن البيع يحدث بعض التشويه في الألوان الذي ينتج عن [شعة الشمس التي تحتوي على الأشعة فوق البنفسجية المؤكسدة لبعض الألوان وإزالتها، فمثلا يصبح نصف العنوان أخضر والآخر أزرق عند تأكسد اللون الأصفر.

لا .. للخلفيات أو جعل خلفيات عاكسة للعناوين، لأن من شأنها التشويش أكثر من التركيز.

لا.. للظلال.. فهي ليست ذات معنى في عنوان داخل صحيفة يومية، خاصة وإن أسهل ما يمكن قراءته حرف أسود على ورق أبيض.

(12)

عندما ظ يعتبر عبد الحميد ميرغني المادة المكتوبة بمثابة فيلم سينمائي، فأن التبنيط بمثابة الموسيقى التصويرية لها والانتقال من الحرف الرفيع إلى الغليظ في الصفحة الواحدة في حالة الحوارات (السؤال والإجابة) أو في فصل مادتين في صفحة واحدة يكون بمثابة الإيقاع البصري وهو مهم ويحتاج أحيانا لإيقاع عال وأحيانا لإيقاع وسط أو إيقاع منخفض وهكذا.

وبالنسبة للمقدمة فإن حجم الحرف يؤدي نفس وظيفة الموسيقى التصويرية لارتفاع إيقاعه عن بقية النص أو المادة.

وأظهر الاستبيان أن الحرف (ياقوت) يتقدم على أكثر من 15 حرفا في المزايا التي سبق ذكرها، ولكنه مع ذلك لا يلبي كافة المعايير التي وضعناها. وفي حجم الحرف كان الأنسب بنط 11 على مسافة بين الأسطر تساوى 12  لتلبيته كافة مستويات النظر وجودته في الطباعة.

(13)

الصورة عند عبد الحميد ميرغني هي الكبسولة التي تختزن مجموعة كبيرة من الأحداث، مما يؤهلها  لتتقاسم الأهمية مع النص. لذلك يجب مراعاة معايير دقيقة لاختيار الصورة وكمية الحركة التي بداخلها. ويحكم هذه  المسألة معياران: المعيار الموضوعي والمعيار التقني.

أما المعيار التقني فيتطلب وضوح التفاصيل وطول العمق في الصورة وهذا يتأتى مع تباين الكثافة اللونية للصورة ويمكن قياس ذلك بمقارنتها بشريط التدرج الكثافي وقياسها بجهاز قياس الكثافة العادي.

وعند تحديد مساحة يجب مراعاة المقياس الأمثل للإبصار وهو بنسبة 2 ـ 3، فمثلا إذا كان عرض الصورة وحدتين يجب أن يكون الطول ثلاث وحدات ويجب عدم نشر أي صورة تقل في عرضها عن عرض عمود.

(14)

يرتكز منهج الإخراج الجديد عند عبد الحميد ميرغني على ثلاثة محاور هي: الفيزياء البصرية، المهنية الصحفية، والعامل النفسي للمتلقي.

ففي الفيزياء البصرية يعتمد المنهج على اللون الأبيض للورق كمكمل أساسي للإخراج مع مراعاة الفراغات بصورة أكبر حتى تتيح التوازن للعين عند اللجوء لإبراز صورة أو عنوان معين. وفائدة الالتزام بهذا المحور، تجعل الصفحات تنساب كالموسيقى البصرية واضحة النصوص والعناوين والصور تقرأ بسهولة ويسر تحت كل الظروف الضوئية، وبالتالي أقل جهد ذهني.

وفي المهنية الصحفية تعطى العناوين والصور احجاما بقدر أهميتها الصحفية والمعلوماتية دون غلو أو إثارة في العناوين والتقيد بالمعايير الأخلاقية واحترام كافة المعتقدات في العناوين والصور والنصوص.

أما العامل النفسي، فهو إخراج الصفحة بصورة تتواءم مع عمر الشخص المراد مخاطبته ومستواه التعليمي.

(15)

عود على بدء

لعل عبد الحميد ميرغني قد منح الصحافة السودانية بهذا المنهج مساحة كبيرة للخروج من رتابة الشكل التي تطغى على صفحاتها إلى رحاب الإخراج الصحفي الذي يتيح للقارئ جمال الشكل ورشاقة العرض وسهولة الاطلاع.  وخطورة الكلمة المكتوبة عموما وطريقة إخراجها في أي من وسائل النشر المختلفة، أنها حال انفلاتها بين أيدينا، تنقلب لتصبح حكما علينا. وهذا ما دفع عبد الحميد ميرغني لإعداد هذا المنهج.

Exit mobile version