الخرطوم الجديدة

د.عبد اللطيف البوني

(1)
الخرطوم حباها الله بطبيعة ساحرة يمكن أن تكون من أجمل مدن العالم ..يكفي أنها تقع على ستة ضفاف نهرية عذبة… وعلى حسب علمي أنه لا توجد مدينة في الدنيا بهذه الهبة… .فالمياه مطلق المياه تلعب دوراً محورياً في نشأة وتطور المدن …فما بالك بمياه عذبة بهذه الوفرة …وبالمناسبة قد شهدت الخرطوم في تاريخها حقبة جمال وبذخ لدرجة المجون ..ففي كتابه عن تاريخ الخرطوم في الفترة التركية… أورد المؤرخ محمد سيد أحمد تقارير عن الخرطوم في عام ١٨٥٠ … تقول إنها مدينة الزهور والورود والحدائق الغناء والإحسان وحاجات تانية حامياني …وانها أجمل من أي مدينة أوروبية بيد أنها في قلب أفريقيا ..كتاب محمد سيد أحمد ممنوع من التداول العلني في السودان لأسباب ليست سياسية إنما اجتماعية …وأنا ما بفسر وانت ما تقصر ..وهو عبارة رسالة دكتوراة ..وأظن أن اسم المؤلف نفسه مستعار وهذه قصة أخرى ليست موضوعنا اليوم ….
(2)
العدوان الذي اندلع في ١٥ أبريل ٢٠٢٣ …قد استهدف الخرطوم ولحقها أمات طه … كخطوة لتفكيك كل السودان …لكن ربك ستر…فبفضل الله وتضحيات القوات المسلحة ومن ساندها … سلم السودان من المخطط الجائر ..ولكن الخرطوم لم تسلم إذ أنها مازالت واقعة تحت آثار العدوان …..رغم أن منظرها يدمي القلب… وما ضاع فيها لايمكن تعويضه قريباً أو نهائياً… .الا أن ذلك لا يمنع من تحويل مأساة الخرطوم إلى فرصة لانطلاقها من جديد… وبوظيفة جديدة …..فالخرطوم تصخمت في العقود الأخيرة ليسكنها ثلث سكان السودان ….أليس في ذلك خلل؟ ؟؟ هل يعقل أن يتجه أي سوداني… من أي بقعة أصابتها مجاعة… أو حدثت فيها حرب إلى الخرطوم من أجل لقمة العيش… ..خليك من النازحين بل حتى اللاجئين من دول الجوار كانت الخرطوم ملاذهم …لقد تورمت ولم تشحم ..وهنا يكمن الخلل…
(3)
يمكننا تخليص حالة الخرطوم قبل الحرب بالمقولة الشائعة ..الخرطوم محل الفلوس بالكوم… والرئيس بنوم …والطيارة بتقوم … ففي ظني أنه من هنا يبدأ التفكيك …فالفلوس فعلاً كانت بالكوم في الخرطوم لأنه تركزت فيها الصناعة والتجارة والفساد … وبالتالي تعملق فيها قطاع النقل. ..فهذه ثلاثة قطاعات إنتاجية تمركزت في الخرطوم …الحرب أنهت هذا التمركز … فالآن عطبرة جذبت قدراً كبيراً من فلوس الخرطوم. ..وبدرجة أقل بقية مدن نهر النيل والشمالية ..مدني بدأت تستعد لجذب بعض رؤوس الأموال ..كوستي جد مؤهلة …فإذا وضعت الحرب اوزارها فإن الأبيض سوف تصبح عملاقاً اقتصادياً …أما مدن دارفور سوف تصبح محط كل أنظار العالم …إذن مافي داعي لعودة الفلوس للخرطوم ..فالخرطوم إذا تم تأهيلها بصورة صحيحة سوف تنتج الفلوس الخاصة بها بصورة أكبر مما كانت عليه قبل الحرب ….
(4)
أما نوم الرئيس في الخرطوم… فحلها بسيط ومجرب من قبل …وهو تطبيق فدرالية حقيقية أو حتى إن شاء الله كونفدرالية… تنهي تمركز الأموال في الخرطوم …وهذه تحتاج إلى تفصيل أكثر ..لابد من إنعاش الحكم المحلي …يجب أن نصل مرحلة تجعل القصر الرئاسي يتسول المصاريف من عواصم الولايات… بما فيها الخرطوم عاصمة ولاية الخرطوم …بعد ذلك سوف تقوم الطيارة من عشرين مطار ومن مختلف ولايات السودان إلى كل أنحاء العالم ….أما مطار الخرطوم فسوف يصبح مطاراً لكل أفريقيا (هب) وهذا ما تفرضه الجغرافيا ونجهله أو نتعامى عنه نحن …مطار الخرطوم بوضعه البائس الحالي يمكن أن يكون مطار، هب اذا أقيمت فيه صالة ترانسيت بين الصالة القديمة ومدينة الحجاج ..صالة مسقوفة بالقنا بس تتوفر فيها الخدمات ..هكذا قال أحد المختصين في هذا الشأن …
المساحة انتهت ولكن الكلام لم ينته فنقفز لنقول …توجد الآن فرصة لظهور خرطوم جديدة ..فالأوفق عدم إرجاعها في مسماها ..وهذا لا يلغي إعادة إعمارها بل يعجل به… لكن شريطة أن يكون إعمار لوظيفة جديدة …نواصل إن شاء الله.

Exit mobile version