الجيش وصوابية مواقفه عبر التاريخ: تحالفات مرحلية في مواجهة التمرد بين الضرورة العسكرية والمصلحة الوطنية

 

العميد م. د. محمد الزين محمد 

يواجه الجيش السوداني، كغيره من الجيوش في النزاعات المعقدة، معضلة التحالفات المؤقتة. فمنذ عهد نميري وحتى البرهان، لم تكن استعانته بقوى خارج المنظومة العسكرية التقليدية ضعفاً، بل تطبيقاً لمبدأ “أخف الضررين” في الفقه العسكري.

على مرّ الحقب، لعب الجيش دوراً حاسماً في الحفاظ على وحدة السودان ومنع تفككه أمام محاولات التمرد والانقلابات العسكرية. فمثلاً خلال عهد الرئيس جعفر نميري (1969–1985)، واجه السودان تحديات أمنية جسيمة، كان أبرزها غزو المرتزقة عام 1976، الذي لم يكن مجرد تحرك عسكري معزول، بل كان جزءاً من مؤامرة واسعة دعمتها قوى خارجية، واستندت إلى تحالفات سياسية معارضة لم تتردد في حمل السلاح ضد الدولة.

ورغم أن قادة المعارضة حينها كانوا يمثلون طيفاً سياسياً واسعاً، ضم أحزاباً تاريخية وأخرى ذات توجهات إسلامية، فإن ذلك لم يبرر انقلابهم على الدولة واستقوائهم بالخارج، وهو ما جعل موقفهم يتجاوز حدود المعارضة السياسية إلى موقع العمالة والارتزاق. إن اللجوء إلى السلاح ضد المؤسسات الوطنية، وتغليب الأجندات الحزبية الضيقة على المصالح العليا للدولة، أوجد واقعاً لم يترك للجيش خياراً سوى التصدي لهم بوصفه الحامي الشرعي للبلاد. فقد كان تحرك الجيش في مواجهة هؤلاء ضرورياً للحفاظ على استقرار السودان ومنع سقوطه في أتون الفوضى والتشرذم، وهو الدور الذي ظل يضطلع به الجيش السوداني عبر مختلف المراحل التاريخية.

في عهد الصادق المهدي (1986–1989)، وجد السودان نفسه في مواجهة حرب عصابية شرسة قادتها الحركة الشعبية لتحرير السودان، مستهدفة المناطق الريفية والنقاط الاستراتيجية في الجنوب. وفي ظل محدودية الموارد العسكرية ونقص الإمكانات اللوجستية، كان لا بد من البحث عن حلول تكتيكية تتناسب مع طبيعة الصراع. وكان الصادق المهدي أول من لجأ إلى تعبئة القبائل العربية الرحل وتسليحها، إدراكاً منه لضرورة إشراك المكونات المحلية في الدفاع عن أراضيها، خاصة في مواجهة هجمات التمرد التي استهدفت القرى والمزارع ومصادر الرزق. ولم يكن هذا النهج بدعة في التاريخ العسكري، بل جاء متسقاً مع تجارب مشابهة خاضتها دول أخرى عند مواجهة حروب غير متكافئة.

مع تطور الصراعات، تغيّرت طبيعة التحالفات العسكرية، إلا أن المبدأ ظل ثابتاً: الحفاظ على الدولة فوق كل اعتبار.على سبيل المثال خلال عهد عمر البشير (1989–2019)، برز تمرد دارفور كواحد من أخطر التحديات الأمنية، ما دفع الحكومة إلى تأسيس قوات الدعم السريع لمواجهة المتمردين. رغم الانتقادات اللاحقة لهذا القرار، فإن المقارنة مع تجارب دولية، تظهر أن مثل هذه الاستراتيجيات ليست بدعاً، بل هي جزء من الحسابات الواقعية للحروب غير المتكافئة.

منذ سقوط نظام البشير في 2019، دخل السودان في مرحلة اضطرابات جديدة، كان أخطرها تمرد قوات الدعم السريع ضد الجيشفي ابريل 2023. في هذه الظروف، لجأت القيادة العسكرية إلى التحالف مع الحركات المسلحة السابقة لمواجهة التهديد الجديد. هذه الاستراتيجية، التي تعرضت لانتقادات، ليست سوى امتداد طبيعي لنهج تبنته قوى كبرى عند مواجهة تهديدات مماثلة..

صوابية الجيش السوداني عبر العصور: الماضي والحاضر والمستقبل في ميزان الأولويات الوطنية

استناداً إلى التجارب التاريخية الراسخة، سيظل الجيش السوداني، في الحاضر والمستقبل، الركيزة الأساسية لحماية الدولة وصون استقرارها. فمنذ نشأته، ارتكزت سياسته الدفاعية على مبدأ “فقه الضرورة”، الذي يجيز اتخاذ أي تدابير لازمة، بما في ذلك عقد التحالفات المرحلية، طالما أن الهدف الأسمى هو منع انهيار الدولة. هذه القاعدة ليست استثناءً سودانياً، بل هي ركيزة أساسية في الاستراتيجيات الدفاعية للدول التي تواجه تحديات داخلية معقدة وتهديدات وجودية.

يتميز النهج الاستراتيجي للجيش السوداني بمرونة التحالفات، حيث يتحالف مع أي قوة تضمن استقرار الدولة، حتى لو كان ذلك بصورة مؤقتة. هذه السياسة ليست مغامرة عشوائية، بل تعكس فهماً عميقاً لواقع الصراعات وكيفية إدارتها. وعلى الرغم من حملات التشكيك، فإن ثوابت الجيش لم تتغير قط: أولوية الأمن القومي فوق أي اعتبار، والتصدي لأي محاولة لزعزعة استقرار السودان، بغض النظر عن هوية الجهة التي تقف خلفها.

وفي حال اندلاع تمرد في أي من المناطق الحدودية، سواء في الشمال أو الشرق، فإن الجيش السوداني سيعمل على إخماده بكل حزم وقوة، مستعيناً بما يراه مناسباً من تحالفات، سواء كانت محلية أو خارجية، لضمان استقرار الدولة ووحدتها. لا مكان للتردد في مواجهة أي تهديدات تتعلق بوحدة الأراضي السودانية.

تفنيد المزايدات السياسية: قراءة عقلانية للواقع العسكري

في ضوء التحليل الموضوعي للأحداث، يمكن تفنيد كل الادعاءات التي تحاول النيل من صوابية قرارات الجيش السوداني عبر التاريخ، وذلك من خلال كشف التناقضات الواضحة في الخطاب السياسي لبعض الجهات:

1. ازدواجية مواقف الحركات المسلحة: بعض القوى التي تتهم الجيش اليوم بسبب تحالفاته السابقة، كانت بالأمس جزءاً من المعارضة المسلحة، بل لجأت إلى الاستقواء بالخارج وتحالفت مع خصوم الدولة، وهو ما يكشف عن تناقض صارخ في مواقفها.

2. ازدواجية قوات الدعم السريع: بينما تنتقد هذه القوات تحالف الجيش مع بعض الحركات المسلحة الحالية، فإنها قامت في نشأتها على نفس المبدأ، حيث كانت في الأصل قوة قبلية مسلحة دعمتها الدولة في مواجهة التمرد.

3. زيف ادعاءات التمييز الجغرافي والعرقي: يروج البعض لفكرة أن الجيش ينحاز إلى مناطق أو فئات بعينها، إلا أن الوقائع على الأرض تثبت خلاف ذلك. فالجيش لطالما خاض معاركه وفق مبدأ واحد: الدفاع عن وحدة السودان، لا عن جماعة أو عرق أو إقليم بعينه.

عليه، عبر مختلف الحقب، ظل الجيش السوداني هو الحصن الأخير أمام محاولات تفكيك الدولة. لم تكن قراراته وليدة اللحظة، بل جاءت دائماً استجابة لمقتضيات الأمن القومي، بعيداً عن الأجندات السياسية الضيقة أو الحسابات قصيرة المدى. والتاريخ العسكري العالمي يشهد أن الجيوش، في لحظات الأزمات، تضطر إلى عقد تحالفات مرحلية لضمان الاستقرار، سواء كانت هذه التحالفات داخلية أو خارجية، وهو ما ينطبق تماماً على تجربة الجيش السوداني.

إن صوابية مواقف الجيش ليست مسألة خاضعة للأهواء أو المزايدات، بل حقيقة يؤكدها الواقع والتاريخ. لم يكن الجيش يوماً متفرجاً أمام التهديدات، بل كان دوماً في مقدمة المدافعين عن الدولة، متخذاً قراراته وفق مقتضيات الضرورة الوطنية، لا وفق الضغوط السياسية أو الحملات الإعلامية المؤقتة. وعليه ليس المهم مع من تحالفنا، بل كيف حافظنا على الدولة وأخمدنا التمرد. بهذه العقيدة الراسخة، سيبقى الجيش السوداني القوة التي تضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار، متكيفاً مع المتغيرات، ولكنه ثابت على مبدئه الأساسي: حماية السودان من التهديدات، مهما كلف الأمر.

Exit mobile version