الدكتور الخضر هارون ◦ حان الوقت لإزجاء الشكر والعرفان للمرأة السودانية العظيمة فمثلما أن تحية الإكبار والإجلال تجب لأبطال القوات المسلحة الذين يخوضون معركة المحافظة علي بقاء الوطن والذين رأوا بعين البصيرة باكراً شجرا يسير ودقوا نواقيس الخطر محذرين باذلين النصح قبل وقوع الكارثة ثم صمدوا بعد وقوعها حيث هم في مواقعهم يذودون عنها بأرواحهم في المدرعات وكرري والمهندسين و سلاح الطيران وبحري والجنينة ونيالا وبابنوسة وجعلوا مؤخرا طريق الصادرات آمناً من حاضرة كردفان الغرة إلي الخرطوم الحرة ،منهم من قضي نحبه شهيدا رقت روحه إلي السماء ومنهم من ينتظر وفي سندهم عن شمائلهم وميامنهم شباب طاروا شعاعا من الأبطال لا يخافون ،تركوا حجرات الدراسة وترك بعضهم وظائفهم المرموقة في مجالات الطب والهندسة وتقانات العصر في العواصم الفخيمة وعادوا لساحات الوغي ييذلون أرواحهم ليبقي الوطن وقد أتاحوا اليوم بمساندتهم للجيش وبقية المحاربين ببذل الدماء الطاهرة، لأكثر من أربعة ملايين مواطن ومواطنة العودة لدورهم وحواضرهم وقراهم آمنين ولا زالوا في رباط مقدس ، أقول مثلما وجب لهم الإكبار والعرفان ،تجب التحية والتقدير والإجلال للمقنعات أخوات وزوجات وبنات وأمهات أولئك الشموس اللآلئ من حقهن علينا الإجلال والتوقير ، المقاتلات منهن حفيدات الكنداكةً أماني ريناس تلك المبجلة التي حكمت مملكة كوش في مروي البجراوية والتي تصدت لغزو الرومان لبلادنا قبل الميلاد بل وجعلت تمثال القيصر أغسطس تحت قدمي عرشها جزاء وفاقا علي عدوانه وظلت في حرب مع جيوشه لأربع سنوات حتي أذعن الإمبراطور منسحبا من بلاد النوبة ملغيا ما كان قد افترض عليهم من الضرائب ولم تعد إليه الملكة الجسورة التمثال الذي ظل كل من زار عرشها يطأه بالأرجل وبقي قرونا هناك مهانا تحت الأقدام والتراب حيث هو حتي استنقذه الانقليز إلي متحف لندن . والمحرضات كذلك حفيدات مهيرة ورابحة الكنانية وشغبة الكاهلية والميرة أم تاجا وبنونة وكلتوم بت جابر ود عبدالرازق شاعرة خال فاطنة وآلاف غيرهن ممن مدحن مكارم الشجاعة والإقدام ومناقب الرجولة والكرم وفضائل الأخلاق في بلادنا وقد ظللن علي الدوام في الموقع الصحيح من حركة التاريخ ، الموقع الذي يليق بالأحرار في صف الوطن مقاتلات كما كانت الكنداكة أماني ريناس أو محرضات لقتال كما مهيرة وشغبة حق لهن اليوم النوم مطمئنات في البرزخ وهن يشاهدن الذرية المباركة رغم حرصها علي الحياة التي خلقت لها، تري الموت أكرم من الهوان والذل فتتأهب له . ومن حفيداتهن اليوم كاتبات وصحافيات وسفيرات يدفعن عن بيضة الوطن بالقلم وبالصوت الجهير الأراجيف والأحابيل والأكاذيب التي تروم الانقضاض علي قلبه النابض. التجلة لهن جميعا فلا ينبغي أن يغمط حقهن حر كريم يعرف معني العرفان وحرمة الأوطان. منهن حاضنات القيم الرفيعة والأخلاق السامية التي ميزت هذا البلد دون غيره من بلاد الله. شاعرة حكيمة من نواحي المسلمية يقال لها بت مسيمس، رقية بن التوم البشير:
◦ الناس في العروض ما تقيسا بي تيبانة ما يغرك لباسم والعروض عريانة ديل حراس رزق متل التكنو أمانة زي إبل الرحيل شايلا السقا وعطشانة لا تقس الخلق بما عليهم من لباس ساتر جميل إذا كانوا لا يرعون الأعراض بالحماية فيتركونها عارية فهم كالعيس في البيدا يقتلها الظمأ والماء فوق ظهورها محمول ، لله درها من أبية حرة! ◦ وشغبة لم تكن كارهة للدين حين حرضت ولدها علي الاخشوشان والاستعداد الدائم للنزال في بلد مستهدف من الجميع مذ كان، ولكنها كرهت له كبر البطن وللشباب ونضارة الإهاب الذي لا خدش فيه الأليق بالنساء لا بالرجال فخشيت علي ولدها أن يتخذ تعلم أركان الدين مطية للقعود يوم يجتاح التتار الديار فلا يجدون من يحمي الذمار .قالت: ✓ يا حِسينْ أَنـا مَاني أُمَكْ وإتْ مَاكْ وَلَدِي بَطنَـك كَرَشَّـتْ غـيْ البَنَـاتْ نَـاسِي ودِقْـنَكْ حَمَسَّتْ جِـلدَكْ خَـرِشْ مَا فِي لاكْ مَضرُوبْ بيْ حَـدْ السِّيفْ نَكَمِـدْ فِي ولاكْ مَضروبْ بيْ لسان الصَيد نَفَصِد فِي! ◦ . وقالت أخري مثلها لولدها: ✓ كتير من أجواد لكن بي روحو بخيل ◦ وبتجود بنفسك يا الفي الوكر دخيل ◦ القفطان أمرقو لباسو فيك ما بخيل ◦ تخيل فيك الدروع وركوب عواتي الخيل! ◦ وقال ذلك بعدها أحمد شوقي بعد عقود يخشي خشيتها : ◦ شباب قنع لا خير فيهم ◦ وبورك في الشباب الطامحين. ◦ لعله رأي بحس الشاعر المرهف وراء حجب الغيب وخلف الأكمة ، جحافل العدوان تتربص بالمنطقة بأسرها كما هي اليوم فلا تجد من يصدها. ◦ ومع ازدياد التصحر في العالم بمساحات سنوية تبلغ نحو مليوني كيلومتر مربع كل عام ونفاد المياه الجوفية مع زيادة رهيبة في اعداد السكان خاصة في محيط السودان ، يحتاج السودان أن يحتاط لحماية أرضه بالسياسة بإبرام الشراكات الذكية مع الجوار يدرأ بها عن حياضه الأطماع بمشروعات مشتركة تجعل الجوار عبر المنافع المتبادلة حريصا علي استقراره لا علي التحريض عليه. ذلك وحده لا يكفي بل يرفد بالرباط الدائم وبتأهب لا يرتخي وعزيمة لا تلين وقوة ترهب الأعداء تتمثل في تربية الأجيال يلقنها الجيل للجيل ويساهم فيها الشعر والحماسة والغناء والفنون كافة أدوارها الأبدية في شحذ الهمم وتأجيج العاطفة عند الحاجة. ◦ في محاكمات الأنصار بعد الجزيرة أبا جئ بشيخ طاعن في السجن متهما بالقتال ولم يكن كذلك فقد وهن العظم منه وكان ذلك في علم القاضي الحصيف فأراد لبرائته أن تصدر من فيه: ◦ يا حاج انت حضرت القتلة في الجزيرة أبا؟ فانتفض الشيخ بروح ما شاخت أبداً تتوثب دوما لساحات الموت نادما أن لم يكن هناك: ◦ ” دواس؟ أي القتال، عاضا علي أنامل الندم ! هـيا ! ما حضرت!” ◦ هكذا وبمثل هذه الروح المتوثبة للمدافعة لا للبغي والعدوان تبقي الأوطان.أرضعوا تلك المعاني للنشء مع اللبان ، اجعلوها في مناهج الدراسة مع التربية العسكرية ( الكاديت) بإعادة إلزاميته وربما تجد المقنعات الماجدات أنفسهن في ساحات الوغي كأماني الملكة المقاتلة لا مدخرات للتحريض بالأشعار الحماسيّة وحدها بل في قيادة الطائرات والمدرعات فهن شقائق الرجال في كل معترك. ◦ سلم الله البلاد وكفاها شر القتال لكن قدرها أن تتهيأ له والإصبع علي الزناد!