خالد محمد أحمد
إلحاقًا بالمقالة السابقة بعنوان (قحت والاستثمار في معاناة المواطن)، أدعو قوْمَ (قحت) بكلِّ أطيافهم إلى خوض هذا الاختبار البسيط، وسيجدون نتيجة الفحص في ختامه:
إذا خطَر ببالك، ولو لوهلةٍ، أن في عودة النازحين الطوعيَّة إلى ديارهم خطرًا سياسيًا، وفي استقرارهم انتصارًا لخصومك السياسيين؛
إذا أثقَلتك صور العائدين، وضِقتَ بازدحامهم في رمسيس والمطبعة وعابدين وغيرها من محطات العودة، ولم يُحرِّك فيك ساكنًا اصطفافهم خلال رحلة النزوح أمام مفوَّضيات اللجوء ومكاتب الإغاثة؛
إذا مررتَ ببرودٍ على اختلاط دموع المستقبلين والعائدين وهم “يتقالَدُون”، لأن مشاهد العودة تُفسِد روايتك السياسية؛
إذا ساءك أن تُفتَح مدرسةٌ أو مستشفى، أو يُضاء حيٌّ، أو تُستأنف رحلةٌ جويَّة، أو يموجَ سوقٌ بالحركة، أو تدبَّ الحياة في شارعٍ، لأن مجرَّد تعافي البلاد يُربك موقفك السياسي؛
إذا سَرَّك استهداف المرافق العامة وقتْل الأطفال بالمسيَّرات في مدارسهم لإرهاب كلِّ من يفكِّر في العودة وإحراج الطرف الآخر سياسيًا؛
إذا كتبتَ منشورًا، أو علَّقتَ في الوسائط، أو تحدَّثتَ في مجالسك الخاصة بسوء الأوضاع بهدف التثبيط، ونشر الخوف، وثَنْي الناس عن التفكير في العودة؛
إذا رأيتَ في كلِّ من يُبشِّر بأخبار التعافي، أو يحتفي بعودة الحياة ويفرح بلمِّ الشمل خصمًا جاهزًا، فسارعتَ إلى وسْمه ولو في سريرتك بالكوز أو البلبوسي؛
إذا كنتَ تُجيد تعداد القبور وتُحْسِن توصيف الخراب، لكنك تعجز عن المشاركة في أيِّ محاولةٍ للترميم، ولو بالرأي أو التشجيع؛
إذا كنتَ قياديًّا أو ناشطًا في (قحت) وظللتَ تُرهِق أسماع العالم، وتُصدِّع رؤوس العواصم، ولا تدَع منبرًا أو محفلًا دوليًا إلَّا وتتحدَّث فيه عن “الممرَّات الإنسانية” و”أوضاع النازحين” من دون أن تنبس ببنت شفةٍ عن ضرورة تسهيل العودة الآمنة والطوعيَّة للنازحين إلى ديارهم أو حتى الإشارة إلى معاناتهم في الوصول إلى وطنهم، ولم تُحدِّثْك نفسُك يومًا بالنزول إلى محطات سفر العائدين إلى الوطن لمنافسة “البلابسة” في حشد الدعم لمشاريع عودة النازحين الذين تزعُم أنك تناضل من أجلهم؛
إذا تحقَّق أيٌّ مما ذُكِر آنفًا، فاعلمْ أن مشكلتك ليست سياسية؛ بل أخلاقية في المقام الأول؛ فلْتَتحسَّسْ وطنيتك وإنسانيتك، ولْتتبَوَّأْ مقعدك من الخيانة والانتهازية.