

روح متجددة
بقلم: عصماء عاصم
وأنتِ تمسكين الأشياء بكل ما أوتيتِ من خوف، هل سألتِ نفسكِ يومًا: أتمسكين بها حبًّا، أم خشيةَ أن تخلو يداكِ منها؟
أنتِ التي اعتدتِ أن تكوني بخير، حتى حين لا تكونين كذلك؛ تبتسمين كي لا تُثقلي على أحد، وتصمتين كي لا تخسري أحدًا، وتسامحين قبل أن يُطلب منكِ الصفح، وتعودين إلى الأماكن التي أوجعتكِ، لأنكِ ما زلتِ تأملين أن تجدي فيها النسخة الأولى من الأشياء.
وتُبقين، في قلبكِ، بابًا مواربًا لمن أغلقوا أبوابهم في وجهكِ؛ لعلّ عابرًا منهم يعود، أو لعلّ ما انكسر في الأمس يستردّ صورته الأولى.
وأنتِ تفعلين ذلك كله، قد تنسين امرأةً أخرى تسكنكِ… تلك التي لا يسمع أنينها أحد.
كم مرةً واصلتِ طريقًا لأنكِ خفتِ أن يبدو تراجعكِ هزيمة؟ وكم مرةً ارتديتِ الصبر حتى صار ثوبًا أثقل من قدرتكِ على الاحتمال؟
يا امرأة، ليس مطلوبًا منكِ أن تكوني صلبةً طوال الوقت.
فالحديد نفسه يأكلُه الصدأ، وما أكثر ما يُهلك الإنسانَ أنه يُتقن إخفاء مواضع الوهن فيه.
لا تجعلي قدرتكِ على الاحتمال مبررًا لتمادي الآخرين في إيذائكِ.
ولا تجعلي قلبكِ الواسع مستودعًا دائمًا لأخطاء من ضاقت بهم قلوبهم.
أنتِ لستِ مطالبةً بأن تشرحي نفسكِ لكل من أساء فهمكِ، ولا بأن تستميلي قلبًا أعرض عنكِ، ولا بأن تُبقي علاقةً حيّةً لمجرد أنكِ تخافين أن تُتَّهمي بالقسوة.
فبعض الرحيل ليس جفاءً، وإنما استردادٌ هادئ لحقٍّ قديم: حقكِ في أن تكوني أنتِ.
وأنتِ تمسكين بمن تحبين، تذكّري أن الحب ليس قيدًا، وأن الوفاء لا يعني أن تقفي على بابٍ لا يُفتح إلا حين يحتاج إليكِ صاحبه.
وأنتِ تواصلين، اسألي نفسكِ: إلى أين؟
فليست كل مواصلةٍ فضيلة، ولا كل صبرٍ حكمة.
أحيانًا تكون الشجاعة في أن تتوقفي.
أن تقولي: كفى.
أن تتركي ما استنفدكِ، لا لأنكِ لم تعودي تحبينه، بل لأنكِ أدركتِ أخيرًا أن الحب الذي يقتات من كرامتكِ ليس حبًا يليق بكِ.
ولستُ أقول لكِ هذا من مقام امرأةٍ بلغت من الحكمة غايتها؛ فما أكثر ما وقفتُ، مثلَكِ، بين ما أعرف أنه يؤذيني وما أتمنى أن يكون صالحًا لي.
أعرفُ ذلك التردد الذي يجعل القلب يُبقي نافذةً مفتوحةً في جدارٍ أُغلقت نوافذه كلها، ويقول: لعلّهم يعودون، لعلّ الأمر يتبدّل، لعلّ ما مضى لم يكن كما ظننّا.
لكن بعض الأبواب لا تُغلق لتُنتظر أمامها، وإنما لتُعلّمنا أن نمضي.
وأنتِ ترتادين طرق الحياة، لا تدعي ضجيج الآخرين يطمس صوتكِ.
سيقولون لكِ: كوني هكذا.
وسيخبرونكِ أن المرأة الناجحة يجب أن تكون كذا، والجميلة ينبغي أن تكون كذا، والزوجة الصالحة عليها أن تحتمل كذا، والقوية لا تبكي، والعاقلة لا تغضب، والطيبة لا ترفض.
وسيمضي بكِ العمر وأنتِ تجمعين هذه الأوامر فوق كتفيكِ، حتى تستيقظي ذات يوم ولا تعرفين: أين أنتِ وسط كل هؤلاء الذين أرادوا لكِ أن تكوني شيئًا آخر؟
لا تسمحي للعالم أن يصنع منكِ امرأةً تصلح للجميع ولا تصلح لنفسها.
كوني أنتِ.
بضعفكِ الذي لا تعتذرين عنه، وبقوتكِ التي لا تستعرضينها، وبقلبكِ الذي يحب، وعقلكِ الذي يعترض، وحدودكِ التي لا يحق لأحد أن يعبرها.
واعلمي أن النضج ليس أن تتسعي للجميع حتى تضيق بكِ نفسكِ، وإنما أن تعرفي متى تمنحين، ومتى تمنعين، ومتى تمضين، ومتى ترتادين طريقًا جديدًا ولو لم يصحبكِ إليه أحد.
لا تخافي من أن تخسري بعض الناس حين تختارين نفسكِ.
فالذين لا يعرفونكِ إلا حين تكونين على الصورة التي يريدونها، لم يحبوا حقيقتكِ؛ أحبوا النسخة التي صنعتِها لإرضائهم.
وما أقسى أن تمضي المرأة عمرها كله في تجميل صورتها أمام الآخرين، ثم تكتشف في آخر الطريق أنها أهملت وجهها الحقيقي.
فلا تفعلي.
لا تجعل رغبتكِ في إمتلاك الأشياء تنسيكِ قدرتكِ على تركها.
اتركي ما يضيق بكِ، ولو كان مألوفًا.
واتركي من لا يرى في حضوركِ إلا أمرًا مضمونًا.
واتركي الطريق الذي كلما قطعتِ فيه ميلًا، شعرتِ أنكِ تبتعدين عن نفسكِ ميلين.
ليس كل ما تفقدينه يستحق الأسى، وليس كل ما يبقى يستحق الامتنان.
وقد يكون أعظم انتصار لكِ ألا يصفق لكِ أحد، وأن تعودي آخر النهار إلى نفسكِ فلا تجدي بينها وبينكِ خصومة.
فالحياة أقصر من أن تقضيها في ارتداء وجوهٍ لا تشبهكِ.
وأنتِ الآن، قبل أن تواصلي الركض، وقبل أن تمسكي بما يخشى قلبكِ فقدانه، وقبل أن ترتادي طريقًا جديدًا لإرضاء من حولكِ…
هل ستجدين أنكِ عشتِ كما أردتِ، أم أنكِ أمضيتِ عمركِ كله تمسكين بما أراد الآخرون منكِ ألا تتركيه؟