فيما أرى
عادل الباز
صمت مريب واختراق صحفي لافت
بالأمس، تناقلت وسائل التواصل الاجتماعي الخبر الذي أوردته صحيفة “الأحداث” نقلاً عن نائب المراجع العام. والسبب في انتشار هذا الخبر أنه صدر بعد ذلك الصمت المريب الذي لف موقف المراجع لشهور، رغم التساؤلات والاتهامات التي طالت الديوان بأنه يخفي التقرير ولا يريد نشره، رغم أن قانونه يجيز له ذلك.
كان تصريحاً نادراً لافتاً، لا بد أن أحيي عليه الصحفية المتميزة سماح طه التي استطاعت أن تنتزع ذلك التصريح المهم. كما أحيي الأخ محمد النعيم، نائب المراجع، على الشجاعة التي اتسم بها وهو يوضح موقف المراجع من النشر والسبب الذي جعل المراجع يحجم عن نشر التقرير؛ فرغم اختلافنا معه إلا أن موقفه اتسم بالشفافية وأطلع الرأي العام على حقيقة موقف الديوان والجهات الأخرى من التقرير. ظللت منذ أربعة أشهر تقريباً أدعو في هذه الزاوية السيد المراجع العام لنشر التقرير لكشف الفساد وإغلاق المؤسسات الخاسرة، ولكن سيادته آثر الصمت ولم أفهم لماذا يفعل ذلك. أما الآن فقد فهمت.. لنذهب الآن إلى تصريحات نائب المراجع.
كرة المسؤولية في ملعب مجلسي السيادة والوزراء
قال السيد محمد النعيم في إفادة لصحيفة “الأحداث”: “إن توجيه الانتقادات إلى المراجع العام في غير محله”، موضحاً أن من يريد معرفة أسباب عدم إعلان التقارير كان ينبغي أن يوجه سؤاله إلى مجلسي السيادة والوزراء اللذين يمارسان، بموجب الوثيقة الدستورية، اختصاصات السلطة التشريعية في ظل غياب البرلمان.
ولكن لماذا نسأل مجلسي السيادة والوزراء؟ بحسب النعيم: “إن المجلسين كان يفترض بهما الاجتماع للنظر في تقارير المراجعة السنوية، واستدعاء المراجع العام لعرض تقريره ومناقشته، ومن ثم اتخاذ ما يلزم بشأنه”.
هنا حاول السيد النعيم إخلاء مسؤولية المراجع، خاصة بعد أن أكد أنه سلم تقارير المراجعة الخاصة بالأعوام من 2019 وحتى 2025 إلى الجهات المختصة، مبيناً أن قانون ديوان المراجع العام لا يتضمن أي نص يلزم الديوان بنشر التقارير للرأي العام
إذن، المراجع سلم التقرير وكان على المجلسين أن يجتمعا لإجازته ومن ثم يتولى هو نشره. قوله هذا حق، كان ينبغي على المجلسين الاجتماع، وهما بلا شك مقصران ويشتركان مع المراجع العام في مسؤولية عدم نشر التقرير وكشف الفساد. ولكن ذلك لا ينفي مسؤوليته من نشر وقائع التقرير؟ كيف؟
مارس السيد النعيم ما يمكن تسميته “تضليلاً ناعماً”؛ إذ ادعى أن قانون ديوان المراجع العام لا يلزم الديوان بنشر التقارير. والحقيقة أن:
المادة (48/م) من قانون المراجع العام لسنة 2015، التي تنص على: (يجوز لديوان المراجع العام نشر التقارير والقوائم المالية بالجريدة الرسمية أو أي وسائل أخرى يقرها المراجع العام)، تجيز للديوان نشر التقارير والقوائم المالية؛ فالقانون لم يلزم بالنشر، لكنه أيضاً لم يحظره.
وهنا نجد أنفسنا أمام معضلة أخلاقية قبل أن تكون قانونية؛ فالمراجع العام أقسم على أداء مهامه “بأمانة وإخلاص وفق القانون”، فكيف يستقيم أن يعطل القانون بيده ويغيب الحقائق بدلاً من إعلانها؟
في ختام تصريحاته، نصحنا نائب المراجع بالآتي: “أن الأسئلة المتعلقة بعدم مناقشة التقارير أو عدم إتاحتها للرأي العام ينبغي أن توجه إلى رئيس مجلس السيادة”.
استجابة لتلك النصيحة، وبعد اطلاعنا على ما حدث، فإننا نتوجه مباشرة للسيد رئيس مجلس السيادة بسؤالنا: لماذا يا سيادة الرئيس لم يجتمع المجلسان لإجازة تقارير بالغة الخطورة منذ 2019 وحتى 2025 حيث قدم آخر تقرير قبل خمسة أشهر؟ يعلم السيد رئيس مجلس السيادة ورئيس مجلس الوزراء أن الاتهامات بالفساد لهذه الحكومة قد فاضت بها الوسائط، لذا فإن أوجب واجبات السلطة التي ترغب في تبرئة نفسها هي المسارعة لنفي تلك الاتهامات. سياسة التعتيم لا يمكن تبريرها بعدم اجتماع المجلسين طوال هذه المدة بحجة الانشغال بالحرب؛ فمحاربة الفساد لا تقل أهمية عن محاربة التمرد.
إن الشفافية اليوم ليست خياراً، بل هي ضرورة وطنية تفرض على السلطات إخراج هذه التقارير من الأدراج الموصدة إلى العلن، حمايةً لشرعيتها وصوناً للمال العام، قبل أن تجد نفسها في مواجهة اتهامات شعبية بالتقصير والتستر على الفساد، وهو ما لا يخدم شرعيتها بأي حال.