

الدكتور الخضر هارون
رووا أن طاغية من طغاة العرب، وما أكثرهم قديما وحديثا ،حكم قوماً في جاهلية العرب وكان ظالماً مسرفا في القتل والاستحواذ على مافي أيدي الرعية من الأموال والضياع والنساء. فتنبأ له عاقل حكيم بميتة مجلجلة لقاء ما يفعله في الناس .لكن الطاغية عاش طويلاً لا يرعوي عن حاجة أو داجة يرتكبها ثم مات ميتة سهلة علي فراشه كما يموت جل الناس، فقيل للحكيم في ذلك فقال إذن ستكون في الأنام حياة بعد الموت يتم فيها القصاص من الظالمين!
ذلك إحساس فطري لعله مغروس في جينات ذرية آدم دون غيرها من مخلوقات الله، ترتاح فيه الروح السوية لقسطاس العدل المستقيم وتطرب لسماعه ومنه ينطلق وخذ الضمير والندم علي الأخطاء والخطايا ف.” البر ما اطمأنّت إليه النفس والإثم ما حاك في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك!” ما أعظم وأكمل هذا القول.
هذه القواعد الأخلاقية أصابها البلى وتكاد تصبح أثراً بعد عين لكن يقيني أن بعضها باق ما بقيت السماوات والأرض، كمعايير لقياس الخير والشر والصحيح والخطأ لا غني عنها.
نحن نعيش بداية الربع الثاني من القرن الحادي والعشرين وعلي عظمة الإنجاز الذي صنعه الإنسان عبر القرون علي كافة الصعد لازلنا مع ذلك نري شحاً مطاعاً وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه. كنا نظن أن إغفال الجرائم البشعة الظالمة في حق الإنسانية وعدم انفعال الناس بها مرده لحجب الإعلام المسيس والمؤدلج لفظائعها عن أعين ومسامع سائر الناس لكن وسائط التواصل وفرت بالصورة والصوت كل الفظائع وعلي مدار الليل والنهار ولم يرفع ذلك ظلما ولم يوقف حرباً وظل الأغنياء الأقوياء عبيداً لشهواتهم ونواقصهم العنصرية ومعتقداتهم الفاسدة يقبلون أن يطرد شعب عاش على أرضه لآلاف السنين وأن ينكل به ويستبدل بآخرين ظنوا أنهم كانوا هناك، بل و يقبل أن تصاغ القوانين الحاكمة للكون لحماية ذلك الجرم وتجييش الجيوش لحمايته واشعال الحروب المدمرة للإبقاء عليه ويقبل كذلك أن تسلط مليشيا من الأوباش تقتل وتغتصب وتحطم كل منشأة باقية في بلد قديم اسمه الحالي السودان . والمحير أن قد ازداد مع ثورة المعلومات الجهل والتنكر لأصحاب المعارف والتجارب .عبر عن ذلك آخرون فأسموه (بموت التجربة.) وتسيدت التفاهة حتي غدت كلمة رويبضة دلالة على زمان بحاله لا دالة علي رجل بعينه تافهاً يتحدث في شأن العامة دون معرفة. تابع وسائط التواصل الإجتماعي لتري أقوال علماء الطبيعة والأطباء حيث ينبغي أن تضيق مساحات الخلاف لا كشأن السياسة والعلاقات الدولية لتجد التصريح بالحقيقة التي يفترض أنها علمية متعالية على الجدال لتجد للغرابة نقيضها ينساب كالماء النمير على الألسن. أما في عوالم ( الكروش- جمع كرش) حيث كان يطلق على اختياراتنا لمواد العلوم الإنسانية والاجتماعية إزدراء لمواد الامتحان للإلتحاق بالجامعة وقبل تبني نظام المساقات ، أدبي وعلمي، فحدث ولا حرج حيث تجد دولاً عظمى بلغت شأوا في مضمار التجارب تصوغ سياساتها وفقاً للأساطير القديمة القائمة علي الفرز والكراهية والميز العنصري المستمد من العرق واللون والمعتقدات والجغرافيا رغم أن علم المورثات قد صدق بأننا جميعا لآدم وآدم من تراب قدم من إفريقيا! الاختلاف يجوز في الرؤي وفقا لعوامل عديدة فكيف يجوز في العلوم المبنية علي التجربة داخل المعامل والمختبرات؟
وفي هذا الخضم المتلاطم الذي تختلط فيه المعايير كيف يهتدي الباحث عن الحق إليه؟ وهل بقي حق محض لا تشوبه شائبة؟ يعد الساكت عنه شيطان أخرس يبصم على الباطل بالسكوت؟!
نعم بقي الحق ولكنه قليل يحتاج للحيطة والتربص لادراكه .قالت العرب قديماً تحذر وأقرّها حديث شريف “هدنة علي دخن وجماعة علي أقذاء” فالاتفاقات لا تعدو أن تكون هدنا قد يعود بعدها البلاء والاحتراب فهي توافق مؤقت على ضغائن وأحن تخفيها الحنايا في الصدور!”. هل علمت شقاء العيش في زمان يحفه التربص والحذر والحيطة؟! إنه هذا الزمان!
أتقول أم تصمت؟ والحق الأبلج تحيط به الأقذاء. ساقني ضنك التفكير في المعضلة إلي كتاب صغير كان قد كتبه الأستاذ محمد جلال كشك، رحمه الله، عقب هجرانه الشيوعية وعودته إلي رحاب الدين عن أبي ذر الغفاري وهي عودة قارب فيها أبو ذر مقالة الشيوعية في إشاعة المال وتحريم كنزه، كلفته عزلة اختيارية طاعة للخليفة عثمان في البقاء في الربذة قرب المدينة بعيداً عن الناس حتى الممات، سماه ( أبو ذر والحق المر.) طلب أبوذر الغفاري وهو من أفاضل الصحابة وممن أحبهم النبي الكريم ولاية، فقال له إنك ضعيف وإنها أمانة. قلت هل كان ضعفه يكمن في رؤية الأشياء بلونين فقط ، أبيض وأسود وأن الأمور جميعا وعلى حقيقتها متعددة الألوان لا يراها كل الناس؟ هل من نسميهم التطهريين من الناس على نهج أبي ذر ؟ يسارعون في عجلة وفي عاطفة صادقة أيضاً لإصدار الأحكام دون روية ؟ وهل يستلزم هذا التخليط الذي يحيط بالأشياء ضرورة التريث في إطلاق الأحكام؟ وهل نتجمل في الطلب وندني من سقوف أحلامنا وبلادنا في منعطف خطير يكاد يعصف بوجودها فيصبح إنسانها مشردا هائما على وجهه بلا وطن؟! هل نقبل بأن الحفاظ عليها سالمة كما قال الأزهري رحمه الله مثل صحن الصيني من غير شق ولا طق يستلزم بعض التغاضي عن القذاء وأن ما لا يدرك كله لا يترك جله؟ أم أن ذلك يوضع في الاعتبار مع لزوم الإشارة إلي مواطن الخلل والزلل حتي لا تتفاقم، سيما إن كان حدوثها يضعف الثقة ويؤخر مسيرة التحرير . نعم تطوي الضلوع فيما دون ذلك وفق وصية الشاعر العراقي محمد المهدي الجواهري علي نافذ من الصبر يدمي كحز المدي حيث يؤجّل عظيم اللوم وطيشان اليد في صحفة الإناء حتي يستقيم الحال و تكتمل حلقات التحرير وعند ذلك لكل حدث حديث!
ما رأيكم دام فضلكم؟!