رأي

يا الخرطوم العندي جمالك جنة رضوان .. طول عمري ماشفت مثالك في أي مكان ..

د. الهيثم الكندي يوسف

اخترت الكلمات أعلاه من رائعة الشاعر المصري إبراهيم رجب، والتي ألفها اثناء عمله بالبعثة التعليمية المصرية في الخرطوم، والتي برع في أدائها الفنان سيد خليفة، أغنية (يا بلد أحبابي) لتكون مدخلاً لمقالي، فهي تعبر عن إحساسي وأنا أعود للخرطوم بعد كل هذه المدة، اغتراب قسري، لكنه ظل ابتعاداً جسدياً لا روحياً. فالخرطوم المدينة الأحب إلى نفسي، فيها ولدت، وفيها مرتع الصبا، حيث نشأت وترعرعت، ولم أبرحها إلا لماماً، بعدد ليالي لا تصل إلى الشهر — فكثيراً ما قاومت بريق الاغتراب ووعود غناه وزيف ترفه — خبرت دروبها، دخلت أسواقها وابتعت من متاجرها، نهلت من مدارسها وتخرجت في جامعاتها، اشتركت في أنديتها الرياضية والثقافية، مرحت في سوحها، سبحت في نيلها أبيضاً كان أم أزرقا وشربت من مائه. وتنقلت بين أزقتها. مدينة تسكنني وأسكنها، فيها الأصدقاء والأهل والأحباب..

ها أنا ذا قد جئتها بلهفة العاشق الولهان، أشكو إليها نار الوجد والجوى، فوجدتها تشكو لي فراق الأحبة وظلم ذوي القربى. وكأنها تسألني: (ألم تشتاق لي؟). نعم، لقد تبادلنا أطراف الحديث عله يطفئ ما بنا من تباريح.. حيث قالت فيما قالت: (أما آن أوان العودة؟). كان ردي لها: (لكن الخدمات لم ترجع، فكيف نعود؟). باغتتني: (أولم تقل إنك تحبني؟) قلت بلا تردد: (بلى، أحبك كثيراً). فجعتني حينما قالت: (وهل يستغني المحب عن محبوبه إذا مرض أو جار به الدهر؟).. يا الله! يا له من لوم!. حقيقة للحظة لم أجد إجابة إذ خانتني قوة منطقها ووضوح حجتها، لكني وكعادتنا في البحث عن الأعذار، استدركت وقلت لها: (سنعود إن شاء الله بعد انتهاء الأبناء من المدارس). أدركت أنني غير واثق من العودة وأنني أختلق الأعذار لتأخير العودة، فقالت: (على كل حال ستجدني في انتظارك)..

هل صحيح أننا نؤخر العودة؟ أم لا نرغب فيها؟.. مالنا كلما حان أوان ضربنا موعداً آخر، سرعان ما يأتي لنضرب موعداً جديداً. هل نريد أن يموت عزيزنا عندما يمرض؟ أم نسارع لعلاجه وممارضته؟ ونتحمل في سبيل ذلك ما يصيبنا من نصب وكدر ومخمصة.

وهنا نريد ان نزجي الشكر والامتنان للذين مهروا بعرقهم ودمائهم وأرواحهم معركة التحرير للخرطوم وأخواتها، نسأل الله أن يتقبل جهدهم وجهادهم، وليكن ذلك زادنا لننطلق لمعركة البناء وإعادة ما دمرته الحرب. ونسأل: من سيعيد للخرطوم سيرتها إن لم يكن أبناؤها؟!.. مالنا نتأخر بدلاً من أن نتقدم؟.. كل ينتظر الآخر لكي يبادر.. إذا سارت الأمور على هذا المنوال فلن يتحقق ما همست به الخرطوم في آخر حواري معها إذ همست في أذني قائلة: (أنا أمرض لكني لا أموت). وحق لها أن تكون كذلك، كيف لا وعلى صخرتها تحطمت أحلام الجبابرة ومشاريع الطغاة والمحتلين على مر الدهور.

هي دعوة لأبناء الخرطوم الخلص — الذين جمعتهم في حنو الأم من كل نواحي السودان دون تمييز، فأصبحت لهم داراً ووطناً — يجب أن نشمر عن ساعد الجد، ونتخذ القرارات الجريئة بدلاً عن (حدوتة) البيضة أم الدجاجة.

بجب أن لا يكون الوفاء للخرطوم مشاعر فقط، إذ يجب أن نحول ذلك لـ(جهاد بناء) يتطلب من كل منا حزم حقائبه والتقدم خطوة إلى الأمام. إن عودة الخدمات التي نتحجج بها لن تأتي صدفة، بل نصنعها بأيدينا. حيث يمكن لأبناء الخرطوم في شتى المجالات أن يبادروا بالآتي:

مبادرات الأطباء والكوادر الصحية: العودة لفتح العيادات والمستشفيات، وتقديم الخدمات الطبية ولو بالحد الأدنى، فالخرطوم تبرأ بوجود حكماء أمتها.

المعلمون وأساتذة الجامعات: حيث يقع على عاتقكم إحياء منارات العلم وبث الروح في المدارس والجامعات، لنقطع الطريق أمام ضياع مستقبل الأبناء ونوفر البيئة التي نتحجج بغيابها.

المهندسون والمعماريون والحرفيون: من لبنية الخرطوم غيركمَ! من يعيد إعمار بيوتها وصناعة متاعه وإثاثه؟. إنه الدور المنتظر منكم، وأنتم أهل له.

التجار وأصحاب الأعمال: عليكم إعادة نبض الأسواق وفتح المتاجر ومحاولة إعادة الحياة للمصانع، لتحريك عجلة الاقتصاد المحلي وخلق فرص العمل التي تعين الباقين والعائدين.

الجهد الشعبي والتكافلي: يكون عبر تنظيم ثقافة النفير وحشد طاقات الشباب لإعادة تأهيل الأحياء، وصيانة شبكات المياه والكهرباء بالجهد الذاتي، وتشجير شوارعها مجدداً لنحاول مسح غبار الحزن عنها.

بهذا نرد بعضاً من حقوقها علينا ونعتذر لها عن جفائنا، عله يغفر لنا خيانتنا التي رمتني بها في حديثنا ذاك وإن اختشت تأدباً أن تقول ذلك صراحة، فهي المدينة الحيية المؤدبة.. لهذا علينا أن نبادلها وفاءً بوفاء. ونقول لها: (والله إنك لأحب بلاد الله إلينا ولولا الظروف ما تركناك)، وها نحن نعود إليك لنصنع ظروفنا بأيدينا، ولنداوي جراحك حتى تعودي كما كنت.. (جنة رضوان).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى